تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

إيران ومفارقة الاعتراف بالقوة… قراءة فلسفية في الصراع على المكانة والنفوذ الإقليمي (الجزء الأول)

جمال دملج *

تبحث هذه الدراسة في العلاقة بين القوة والاعتراف في السلوك الإقليمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقًا من سؤال يتجاوز التفسير الأمني التقليدي: هل تسعى طهران، من خلال توسيع نفوذها وتطوير أدوات الردع والقدرة على التأثير في ساحات إقليمية متعددة، إلى حماية مصالحها الاستراتيجية فحسب، أم أنها تسعى أيضًا إلى انتزاع اعترافٍ بمكانتها بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب أمني أو سياسي للشرق الأوسط؟

وتنطلق الدراسة من فرضية أنّ السلوك الإيراني لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل يتشكل عند تقاطع ثلاثة مستويات: مقتضيات الأمن القومي، وطموح النفوذ الإقليمي، والرغبة في الاعتراف بالمكانة والدور. وتستعين الدراسة بمفهوم “الجزء الغضبي أو الاعتزازي” في تقسيم أفلاطون للنفس، وبجدلية الاعتراف لدى هيغل، لا بوصفهما نظريتين مباشرتين في العلاقات الدولية، بل إطارين فلسفيين يساعدان على فهم بعض دوافع السلوك السياسي وحدوده.

وتخلص الدراسة إلى أنّ القوة قد تفرض الحضور، وتُنتج الردع، وتمنح الدولة قدرة تفاوضية أكبر؛ لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج اعتراف متبادل ومستقر. فالاعتراف الذي يُنتزع بالخوف أو الإكراه يظل مختلفًا عن الاعتراف الذي يقوم على الثقة والقبول المتبادل واحترام السيادة. ومن هنا تبرز المفارقة الإيرانية: كلما اتسعت أدوات النفوذ، ازدادت قدرة طهران على التأثير في حسابات الآخرين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها اقتربت بالقدر نفسه من الحصول على المكانة التي تطمح إليها.

حين تتحدث القوة بلغة الاعتراف

في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نقلت وسائل إعلام إيرانية بيانًا للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، دعا فيه القوات المسلحة إلى الرد الفوري والمؤثر على أي تهديد، من دون قيود جغرافية، مؤكدًا أنّ طهران ستحدد توقيت الرد وشروط انتهائه إذا استؤنفت الهجمات عليها. لم يكن البيان مجرد تحذير عسكري في سياق توتر إقليمي؛ فقد جاء متزامنًا مع تحركات دبلوماسية تقودها قطر، ومع تقارير عن رسائل واتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران سعيًا إلى منع تجدد المواجهة.

وتكشف هذه المفارقة بين التهديد العسكري والانفتاح الدبلوماسي عن جانب أساسي من معضلة السياسة الإيرانية: كيف يمكن لدولة أن تؤكد قدرتها على المواجهة، وفي الوقت نفسه تسعى إلى الاعتراف بدورها في صياغة التسويات الإقليمية؟ وهل يكفي امتلاك أدوات التأثير والقدرة على تعطيل مصالح الخصوم كي تتحول الدولة إلى قوة تحظى بمكانة مقبولة ومستقرة في النظام الإقليمي؟

لا يتعلق السؤال هنا بإنكار حق إيران في الدفاع عن أمنها أو مصالحها، ولا بتجاهل ما تعرضت له من عقوبات وتهديدات وضربات عسكرية. فالدول، بصرف النظر عن أنظمتها السياسية، تمتلك حقًا أصيلًا في السيادة والدفاع عن أراضيها. لكن هذا الحق لا يحسم تلقائيًا مشروعية كل وسيلة تُستخدم لتحقيق الأمن، ولا يمنح أي دولة تفويضًا مفتوحًا للتدخل في شؤون جيرانها أو التأثير في قراراتهم السيادية.

كذلك، ينبغي التمييز بين أربعة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في النقاش حول إيران: الاعتراف بإيران دولةً ذات سيادة وحقوق وطنية؛ والاعتراف بشرعية النظام السياسي القائم فيها؛ والاعتراف بقدرتها العسكرية والاستراتيجية؛ والقبول بنفوذها في دول ومجتمعات أخرى. فهذه مستويات مختلفة، ولا يؤدي التسليم بأحدها إلى التسليم بالبقية.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية أنّ جزءًا من السلوك الإيراني يمكن فهمه بوصفه محاولة للجمع بين الأمن والهيبة والمكانة. غير أنّ هذا الجمع قد يتحول إلى مأزقٍ حين تصبح أدوات القوة، التي يُفترض أن تحمي الدولة وتدعم موقعها، سببًا إضافيًا في إثارة مخاوف الآخرين وتعميق عزلتها أو دفعهم إلى بناء تحالفات لموازنتها.

ومن أجل اختبار هذه الفرضية، تستعين الدراسة بمقاربتين فلسفيتين: تقسيم أفلاطون للنفس إلى عقل وجزء غضبي وجزء شهواني، وجدلية الاعتراف عند هيغل. ثم تنتقل إلى التجربة الإيرانية منذ ثورة 1979، مرورًا ببناء أدوات النفوذ الإقليمي، وصولًا إلى التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلاقة النظام الإيراني بالمجتمع الإيراني نفسه.

أفلاطون وثلاثية الدوافع – العقل والاعتزاز والرغبة

في الكتاب الرابع من “الجمهورية”، يقدّم أفلاطون تصوره الشهير للنفس الإنسانية بوصفها مؤلفة من ثلاثة أجزاء: الجزء العاقل، والجزء الغضبي أو الاعتزازي، والجزء الشهواني أو الراغب. ولا يقصد بهذا التقسيم مجرد توزيع المشاعر البشرية على خانات منفصلة، بل محاولة تفسير الصراع الداخلي الذي ينشأ عندما تتعارض الرغبات والمصالح والانفعالات مع ما يدركه العقل باعتباره الأفضل للإنسان ككل.

فالجزء العاقل يتجه إلى المعرفة والحكمة وتقدير المصلحة العامة، بينما يرتبط الجزء الشهواني بالرغبات والمنافع المباشرة، من قبيل المال واللذة والمكاسب المادية. أما الجزء الغضبي، الذي يُشار إليه أحيانًا بمفهوم “ثيموس” (Thymos)، فيرتبط بالشجاعة والكرامة والاعتزاز وطلب الشرف والاعتراف، وبالغضب حين يشعر الإنسان بأنّ مكانته أو كرامته قد تعرضتا للإهانة.

ولا يرى أفلاطون أنّ وجود هذا الجزء الاعتزازي شرّ في ذاته؛ إذ يمكن أن يكون حليفًا للعقل، وأن يمنح الإنسان الشجاعة والثبات في مواجهة الظلم والخوف. لكن المشكلة تظهر عندما ينفصل عن العقل، أو يتحول طلب الكرامة إلى اندفاعٍ لا يراعي العواقب. فالعدالة، في التصور الأفلاطوني، تتحقق عندما يؤدي كل جزء وظيفته في انسجام، ويكون العقل هو القائد الذي يضبط التوازن بين القوى المختلفة.

تكتسب هذه الفكرة أهميتها بالنسبة إلى موضوع الدراسة لأنها تتيح لنا طرح سؤال تحليلي: هل يمكن أن يتضمن سلوك الدولة، على مستوى القيادة والخطاب السياسي، تفاعلًا بين حسابات الأمن والمصلحة، والرغبة في المكاسب، والحاجة إلى إثبات المكانة والكرامة؟

وينبغي هنا التشديد على أنّ أفلاطون كان يتحدث عن النفس الإنسانية، لا عن الدول أو الأنظمة السياسية. لذلك لا يجوز التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وكأنها شخص يمتلك نفسًا واحدة، ولا إسناد دوافع نفسية موحدة إلى مجتمع كامل. ما يمكن فعله هو استخدام التقسيم بوصفه أداة تشبيهية محدودة لفحص الخطاب السياسي وآليات اتخاذ القرار.

في الحالة الإيرانية، يمكن النظر إلى البعد العقلاني من خلال اعتبارات بقاء الدولة، وأمن حدودها، وحماية منشآتها، وتجنّب التفوق العسكري المطلق لخصومها. ويمكن رصد البعد الاعتزازي في الخطاب المتكرر عن الكرامة الوطنية، ورفض الإملاءات الخارجية، واستعادة المكانة التاريخية، وعدم قبول التعامل مع إيران بوصفها دولة يمكن إخضاعها أو تجاهلها.

أما البعد المرتبط بالمصلحة المباشرة، فيظهر في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية، وفي السعي إلى تأمين طرق التجارة والطاقة، وتوسيع هامش المناورة، وتقليص قدرة الخصوم على الضغط على طهران.

لكن السؤال الحاسم هو: أيّ هذه الدوافع يتقدم حين تتعارض؟ هل تتراجع اعتبارات المكانة عندما تصبح كلفة المواجهة مرتفعة؟ وهل تُقدّم حسابات الأمن والاستقرار على الرغبة في إظهار القدرة على الرد؟ أم أنّ إثبات القوة قد يتحول، في بعض الظروف، إلى هدف قائم بذاته، حتى عندما تصبح نتائجه متعارضة مع المصالح الوطنية الأوسع؟

إنّ فائدة المقاربة الأفلاطونية تكمن في أنها تنبهنا إلى ضرورة التمييز بين امتلاك القوة وحسن توجيهها. فالقوة التي لا تخضع لحسابات العقل والمصلحة العامة قد تنقلب من وسيلة لحماية الدولة إلى عبء يستهلك مواردها ويضيّق خياراتها.

(يتبع: الجزء الثاني)

*إعلامي وكاتب لبناني

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock