مقالات رأي
الوهم السياسي والواقع الميداني
هل يعلم الشيخ نعيم أن أيزنكوت هو مهندس "عقيدة الضاحية" والإجرام لا يتغير بتغير الوجوه..؟

بقلم: نزيه محمد حسن
مقدمة: القراءة الخاطئة لبيوت القرار في تل أبيب
في خضم التطورات الإقليمية والمحلية المتسارعة، وما يشهده الكيان الإسرائيلي من تجاذبات سياسية وصراعات على السلطة، يخرج الأمين العام لحزب إيران في لبنان، الشيخ نعيم قاسم، ببيان صادر بتاريخ 28 تشرين الأول 2026، يعتبر فيه أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة تُشكّل “صورة من صور الهزيمة والتخبط الإسرائيلي”.
ويذهب الخطاب السياسي والإعلامي التابع للحزب إلى بناء قراراته وقراءاته السياسية والاستراتيجية على قاعدة أن تراجع معسكر بنيامين نتنياهو وصعود معسكر غادي أيزنكوت يمثلان مؤشراً على انكسار الخيار العسكري الإسرائيلي. ولكن، هل تعلم يا شيخ نعيم هذه المعلومات؟ أم أن القراءة العميقة للبنية العسكرية والأمنية في إسرائيل غابت عن دوائر القرار في حارتكم؟
إن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه أمام الواقع المحلي والإقليمي والقانوني والدولي هو: هل يُغيّر تغيّر الوجوه الحاكمة في تل أبيب شيئاً من عقيدة الاحتلال تجاه لبنان وسوريا والمنطقة؟ وهل يمكن لنتائج صندوق الاقتراع لدى العدو أن تُترجم انتصاراً وسيادة على أرض الجنوب المحتل وبقية الأراضي اللبنانية؟
الحقيقة الميدانية والقانونية والسياسية تقول بعكس ذلك تماماً.
فالعدو واحد، والمحتل واحد، والعقيدة الاستراتيجية القائمة على التدمير والإرهاب هي العقيدة ذاتها، بل إن البديل القادم أو المنافس الصاعد، غادي أيزنكوت، ربما يكون أكثر خطورة وتطرفاً وإجراماً في التعاطي مع الملف اللبناني والدول المجاورة من نتنياهو نفسه.
أولاً: البعد المحلي… وهم التغيير وحقيقة المشهد السياسي العسكري
يركز خطاب الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب إيران في لبنان، على أربعة ثوابت محلية:
-
المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي وفق اتفاق 27 تشرين الثاني والقرار 1701، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
-
التشديد على متانة العلاقة مع حركة أمل وحلفاء “المقاومة”.
-
دعم دور الجيش اللبناني والدعوة للحوار ضمن دستور الطائف.
-
التمسك بسلاح المقاومة وعدم النقاش في سحبه ما دام الاحتلال قائماً.
غير أن الرهان على أن تراجع نتنياهو أمام أيزنكوت يخدم هذه الثوابت ينم عن تبسيط غير مبرر للسياسة الإسرائيلية.
إن النتائج السياسية داخل الكيان الإسرائيلي لا تعني تحولاً في الأهداف العسكرية أو التخلي عن منطق القوة القاهرة (القوة المفرطة).
فالجنوب اللبناني، الذي لا يزال يعاني من الاعتداءات الإسرائيلية والخروقات المتواصلة، لا يفرق بين طائرة تقصف بأمر من رئيس وزراء يرتدي الزي المدني (نتنياهو)، وبين طائرة تقصف بإشراف جنرال متمرس صيغت باسمه أنكأ التكتيكات الدموية (أيزنكوت).
إن القول بأن تراجع معسكر على حساب آخر هو “هزيمة للإسرائيلي وانتصار للمقاومة” يتجاهل البنية المؤسسية المؤسسة للجيش الإسرائيلي (جيش الدفاع الإسرائيلي)، حيث تتحكم بالمشهد العقيدة العسكرية الناجزة وليس فقط التجاذبات الحزبية.
فالصراع في تل أبيب ليس صراعاً بين مشروع للسلام ومشروع للحرب، بل هو صراع بين مدرستين في كيفية إدارة الحرب وإدامة الاحتلال تحقيقاً للردع المزعوم.
ثانياً: البعد الإقليمي… إيران، واشنطن، وعقيدة الصدمة الجماعية
في البعد الإقليمي، أشار الشيخ نعيم إلى أن الحزب يهتم بالتفاهمات الإيرانية – الأميركية باعتبارها “مصدر قوة إلى جانب صمود المقاومة”.
لكن هذا الربط بين الإقليم والداخل يغفل محورية الشخصية العسكرية التي تصعد اليوم في المشهد الإسرائيلي.
هل تعلم يا شيخ نعيم أن غادي أيزنكوت ليس مجرد سياسي عادي، بل هو مهندس استراتيجيات الردع الإقليمي والتدمير الشامل؟
أيزنكوت، الذي شغل منصب قائد المنطقة الشمالية ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي (2015 – 2019)، هو المبادر لتنفيذ مفهوم “المعركة بين الحروب” في سوريا ولبنان، لمنع التمركز الإيراني ونقل السلاح الكاسر للتوازن.
والأهم من ذلك، أن أيزنكوت هو الشخصية الإسرائيلية التي صممت وطورت مفهوم “الصدمة الجماعية” في الحروب التناظرية وغير التناظرية.
وتتلخص هذه النظرية في استخدام حجم هائل وغير متناسب من التدمير والضغط على البيئة الحاضنة للفصائل العسكرية، بهدف إحداث صدمة مجتمعية ونفسية تؤدي في النهاية إلى تأليب المجتمع المدني ضد القوى المسلحة، وفرض كلفة لا تطاق على حاضنة المقاومة.
إن الإقليم الذي يتأثر بالاتفاقات الدولية والإقليمية لا يمكن فصله عن حقيقة أن أيزنكوت يعتبر لبنان بأسره، دولة وبنية تحتية وشعباً، هدفاً مشروعاً في أي مواجهة، بغض النظر عن المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.
ثالثاً: البعد القانوني… “عقيدة الضاحية” والانتهاك الصريح للقانون الدولي الإنساني، ومن الناحية القانونية، يشكل التاريخ العسكري لغادي أيزنكوت وثيقة اتهام ترتقي به إلى مرتبة مجرم حرب موثق بالدلائل والمشاهدات التاريخية.
فما هي “عقيدة الضاحية”؟
في حرب تموز عام 2006، عندما كان أيزنكوت رئيساً لأركان المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، أطلق صراحة مبدأً عسكرياً عُرف لاحقاً في المراجع العسكرية والقانونية الدولية بـ”عقيدة الضاحية”. وتتلخص هذه العقيدة في التالي:
أ- استخدام القوة غير المتكافئة وغير المتناسبة.
ب- استخدام وتكثيف القوة النارية الجوية والمدفعية بشكل يتجاوز بكثير أي ضرورة عسكرية مباشرة.
ج- تدمير البنية التحتية المدنية بشكل شامل.
د- تدمير المباني السكنية والطرق ومحطات الكهرباء والمياه والمؤسسات المدنية في المناطق التي تعتبر “معاقل” أو بيئات حاضنة.
هـ- تحقيق الردع طويل الأمد عبر العقاب الجماعي، وجعل كلفة أي عمل عسكري ضد إسرائيل باهظة جداً على المستوى الإنساني والاقتصادي، بغض النظر عن الاحتجاجات والرأي العام العالمي. وقد قال أيزنكوت بلسانه في تصريحاته الشهيرة عام 2008 حول هذه العقيدة:
“سنستخدم قوة غير متناسبة ضد أي قرية يُطلق منها النار على إسرائيل، وسنلحق بها أضراراً ودماراً هائلين. بالنسبة لنا، هذه ليست قرى مدنية بل قواعد عسكرية. وهذه ليست مجرد توصية، بل هي خطة معتمدة.”
التكييف القانوني وفق أحكام القانون الدولي
وفقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 والمعاهدات الدولية الخاصة بالنزاعات المسلحة، فإن “عقيدة الضاحية” التي ابتكرها وطبقها أيزنكوت تشكل انتهاكاً صارخاً لأبرز قواعد القانون الدولي الإنساني:
أولاً: مبدأ التمييز
ينص القانون الدولي على وجوب التمييز التام بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.
إن اعتبار بلدات بكاملها أو أحياء سكنية مأهولة بمثابة “قواعد عسكرية” هو خرق صريح وتبرير لجريمة حرب.
ثانياً: مبدأ التناسب
يُحظر القانون الدولي شن أي هجوم يتوقع أن يسبب خسائر في أرواح المدنيين أو أضراراً بالأعيان المدنية تكون مفرطة بالمقارنة مع الميزة العسكرية المباشرة المرجوة. أما عقيدة أيزنكوت فتتأسس، بحسب منتقديها، على “عدم التناسب” تعمداً.
ثالثاً: حظر العقاب الجماعي
تنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر العقاب الجماعي والترهيب، وتطبيق “الصدمة الجماعية” على البيئات السكنية يقع تماماً تحت طائلة هذه الجريمة.
وبالتالي، فإن تقديم أيزنكوت على أنه “المنافس الأكثر عقلانية” لنتنياهو في وسائل الإعلام أو في القراءات السياسية السطحية هو مغالطة قانونية وأخلاقية.
فأيزنكوت هو الواضع النظري والمنفذ العملي لاستراتيجية تدمير الأحياء السكنية والبنى التحتية في لبنان.
رابعاً: البعد الدولي والمحوري
أ- استهداف مؤسسات الدولة اللبنانية
تذهب القراءة الأمنية الدولية والسياسية لجذور استراتيجية غادي أيزنكوت إلى نقطة أكثر خطورة على السيادة الوطنية اللبنانية.
فبخلاف بعض القادة الإسرائيليين الذين حاولوا، ولو شكلياً في بعض المراحل، الفصل بين الدولة اللبنانية وبنيتها الرسمية وبين حزب إيران، فإن عقيدة أيزنكوت تتبنى مفهوماً موسعاً لتحميل المسؤولية.
ب- تحميل الدولة اللبنانية المسؤولية الكاملة
يُحمّل أيزنكوت الدولة اللبنانية، ككيان ومؤسسات دستورية وبنى تحتية، المسؤولية المباشرة والكاملة عن أي نشاط أو عتاد أو هجوم ينطلق من الأراضي اللبنانية.
وهذا يُعنون مرحلة عسكرية أكثر حدة إذا ما تولى أيزنكوت مقاليد السلطة القيادية أو السياسية، إذ يرى ضرورة شل مؤسسات الدولة اللبنانية ومرافقها الحيوية، كالمطارات والموانئ ومحطات الطاقة والمجالس الحكومية، لإجبار الحكومة والشعب اللبناني على مواجهة الحزب أو الامتثال للمحددات الإسرائيلية المطلوبة.
ج- البعد المحوري والدولي
على المستوى المحوري والدولي، تسعى تل أبيب عبر نهج أيزنكوت إلى فرض واقع سياسي يتم فيه إلغاء أي هامش للمناورة اللبنانية.
وفي وقت يتحدث فيه الشيخ نعيم قاسم عن “دستور الطائف وثوابت السيادة والقرار 1701″، فإن العقيدة الإسرائيلية المقابلة، الممثلة بأيزنكوت، تعتبر أن القرارات الدولية والدساتير الوطنية مجرد تفاصيل لا قيمة لها أمام “تدمير البيئة الردعية” وفرض القوة المفرطة.
خامساً: البعد الوطني… تحليل الخطاب والواقع على الأرض
عند قراءة النقاط التي وردت في بيان الأمين العام لحزب إيران في لبنان بتاريخ 28 تشرين الأول 2026، تتضح المقارنة التالية:
أ- الموقف الصادر في البيان.
ب- الواقع السياسي والقانوني والميداني المقابل.
-
“نتائج الانتخابات صورة من صور الهزيمة الإسرائيلية”.
في المقابل، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية هي عملية تدوير للقيادات العسكرية والأمنية، وصعود معسكر أيزنكوت يمثل انتقالاً إلى عقيدة عسكرية أكثر منهجية وتدميراً للبنية التحتية اللبنانية.
-
“الانسحاب وفق القرار 1701 واتفاق 27 تشرين الثاني”.
بينما يتناول أيزنكوت والقيادات الأمنية الإسرائيلية القرارات الدولية من منظور الردع بالقوة المفرطة، ولا يقيمون وزناً للالتزامات الدبلوماسية دون ضغط دولي أو ميداني مباشر.
-
“لا يعنينا من يحكم إسرائيل وعليه الخروج من أرضنا”.
إن عدم الاهتمام بمن يحكم يغفل الفوارق التكتيكية والاستراتيجية في خيارات العدو، ويهمل خطورة تسلم واضع “عقيدة الضاحية” لمقاليد القرار القيادي.
-
“التمسك بالسلاح حتى زوال الاحتلال والعدوان”.
إن استمرار وجود السلاح في ظل استراتيجية إسرائيلية قائمة على ضرب البنية التحتية للدولة والبيئة الحاضنة يعرض لبنان لمواجهة مع عقيدة “التدمير الشامل غير المتناسب”.
إن الشارع اللبناني، بمختلف مكوناته الوطنية والسياسية، يواجه اليوم تحدياً وجودياً.
والخطورة تكمن في تقديم قراءات سياسية تجزئ المشهد أو تمنح انطباعات وهمية عن “تراجع العدو” لمجرد حدوث تغيير في القشرة السياسية لخريطة الأحزاب الإسرائيلية.
فالسيادة الوطنية الحقيقية تستوجب فهم العدو بشكل دقيق ومؤسسي، وإدراك أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تجاه لبنان ثابتة ومستمرة، بل إن الأدوات العسكرية الصاعدة تمتاز بسجل قائم على استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية.
الحقائق التي يجب إدراكها
إن الحديث عن هزيمة نتنياهو وصعود أيزنكوت أو غيره من جنرالات الحرب الإسرائيليين لا يمكن أن يُقرأ على أنه نصر سياسي أو ميداني.
إن غادي أيزنكوت مجرم حرب بالمعنى القانوني، وصاحب السجل الأكثر دموية وتنظيماً في ضرب الأحياء المدنية وتدمير البنى التحتية تحت مسمى “عقيدة الضاحية”.
فهل تعلم يا شيخ نعيم هذه المعلومات؟
أن العدو لا يغير جوهره بتغير اسم رئيس وزرائه أو وزير دفاعه.
وأن أيزنكوت هو من شرعن تدمير القرى والأحياء المدنية كاستراتيجية رسمية ومعتمدة.
وأن الرهان على التغيرات الداخلية لدى الاحتلال دون قراءة عميقة لعقيدته العسكرية يجعل الساحة الوطنية واللبنانية في مواجهة مخاطر جسيمة غير محسوبة.
إن حماية لبنان وسيادته وشعبه تبدأ من القراءة الواقعية المجرّدة للحقائق الاستراتيجية، ورفض الأوهام السياسية، ومواجهة العدو بعلم دقيق بطبيعة عقيدته الإجرامية وقياداته العسكرية.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

















