تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

هزيمة الكذبة وانتصار الشك

التدخل الأجنبي في الانتخابات الأميركية ومعركة الثقة بالحقيقة

المحللة السياسية سيلفانا سمعان

فيديو يزعم أن السيناتورة إيمي كلوبوشار تلقّت 72 مليون دولار من تبرعات مشبوهة جمع 155,300 مشاهدة. عدد الإعجابات: اثنان. عدد مرات إعادة النشر: صفر. لو كان الفيديو إعلاناً لما اشترى أحد المنتج. ومع ذلك، ها نحن نكتب عنه، وقد كتب عنه قبلنا باحثون وصحفيون ومحللون، وهذا بالضبط ما يجعل الرقمين الصغيرين أهم ما في القصة.

فالسؤال الذي تفرضه هذه الأرقام ليس هل صدّق الناخبون الفيديو، فالأرجح أن قلّة قليلة فعلت. السؤال هو ماذا لو كان تصديق الناخب آخر ما يعني من أنتجه. فربما لم يكن الأثر الأوسع لما جرى في هذه الدورة الانتخابية في عملية خدعت الناخبين، بل في ردّ الفعل عليها: أن تصير كل معلومة انتخابية موضع شك، وأن يُتّهم كل من يعلن اكتشاف تدخل أجنبي بالانحياز لطرف، فلا يبقى حَكَم يثق به الجميع.

ولنكن واضحين: التهديد حقيقي. وثّق باحثون عملية روسية تُعرف باسم «ماتريوشكا» أنتجت نحو 130 فيديو وصفحة صحيفة مزوّرة بشعارات شبكات أميركية معروفة، غطّت مرشحين ديمقراطيين في 49 من أصل 71 سباقاً على مستوى الولايات. وفي كاليفورنيا أقرّ رئيس بلدية سابق لمدينة أركاديا بأنه أدار موقع أخبار مزيفاً يخاطب ناخبين من أصل صيني بتوجيه من بكين. هذه وقائع قضائية، وليست تقديرات.

غير أن اللافت هو ما يأتي بعد الكشف. ففي 21 أكتوبر قال مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، وجيم هايمز، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، إن تقييماً سرياً يخلص إلى أن الحملة الروسية طالت مرشحين من الحزبين ممن يدعمون كييف، ولم يُسمَّ أي مرشح. وفي اليوم نفسه وصف رئيس اللجنة في المجلس، ريك كروفورد، عبر متحدث باسمه، الإفصاح بأنه انتقائي وخرق للثقة. لا حاجة هنا للحكم على نيّة أحد. يكفي أن نلاحظ أن نتيجة استخباراتية تحولت إلى خلاف حزبي قبل أن يتسنّى لأحد مناقشة مضمونها.

والمشهد من جهة الإدارة لا يقل تعقيداً. تفيد تقارير صحفية بأن إدارة ترامب الثانية قلّصت الجهاز الذي بنته إدارته الأولى لرصد التأثير الأجنبي، فأُغلقت مراكز متخصصة في مكتب التحقيقات الفيدرالي وفي مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، وحُلّت مجموعة الأمن الانتخابي في مجلس الأمن القومي. وفي المقابل تتحدث الإدارة كثيراً عن خطر أجنبي من نوع آخر: مكوّنات صينية داخل آلات التصويت. وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين قال في يوليو إن خصوماً أجانب قادرون على الوصول إلى هذه الآلات، وهدد بحجب 20 في المئة من منح مكافحة الإرهاب عن الولايات التي لا تتبنى إجراءات الإدارة. لكن محكمة فيدرالية أبطلت هذه الشروط في سبتمبر، معتبرة أن الوزارة تجاوزت الصلاحيات التي منحها لها القانون. الخبراء يرون الخطر منخفضاً، والمصنّعون يقولون إن بناء هذه الآلات من دون تلك المكوّنات مستحيل.

وحتى كندا دخلت على الخط. فقد أصدرت السفارة الأميركية في أوتاوا صحيفة وقائع اتهمت فيها مسؤولين كنديين، بينهم وزراء ورؤساء حكومات إقليمية، بمحاولة التأثير في السياسة الأميركية، مستندة إلى تصريحات تتعلق بالرسوم الجمركية ولقاءات مع ديمقراطيين. وردّ رئيس الوزراء مارك كارني بأن هذه الاتهامات لا أساس لها. وكان ذلك بعد يوم من توجيه مذكرة داخلية إلى الدبلوماسيين الكنديين في الولايات المتحدة تطلب منهم تجنّب لقاء مرشحي الانتخابات النصفية أو الظهور معهم في المناسبات العامة. وقد رأى مراقبون أن ما وصفته واشنطن بالتدخل لا يتجاوز في جوهره دفاع كندا عن مصالحها في مواجهة الرسوم الجمركية الأميركية. وهنا تبرز مرونة كلمة تدخل، وكيف يمكن أن تتسع لتشمل مواقف سياسية ودبلوماسية مشروعة.

أما الحديث عن استخدام حالة طوارئ وطنية بذريعة التدخل الأجنبي، فيحتاج إلى تمييز. فحالة الطوارئ المتعلقة بالتدخل الأجنبي في الانتخابات أُعلنت أصلاً عام 2018، ومدّدها ترامب بإشعار في 31 أغسطس 2026. لكن ما تناقلته وسائل الإعلام في فبراير لم يكن إعلان حالة طوارئ جديدة، بل دفع حلفاء للرئيس باتجاه استخدام ذريعة التدخل الأجنبي لإصدار قواعد انتخابية، من بينها إلزام الناخبين بإبراز الهوية وحظر الاقتراع بالبريد. ولم يُعلن رسمياً تبنّي هذا المقترح، ولا دليل على أن أحداً أمر بمصادرة صناديق أو معدات التصويت.

المنتقدون يرون في هذا كله نمطاً: إضعاف الدفاعات الحقيقية، ثم استخدام الخطر ذريعة لتوسيع سلطة الحكومة على الانتخابات. وأنصار الإدارة يرون العكس: ثغرات آلات التصويت موجودة فعلاً، فحتى المقاول الذي كلّفه مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية وجد عيوباً في آلات بورتوريكو، وإن لم يجد دليلاً على اختراقها، كما أن الأجهزة السابقة قلّلت من شأن الدور الصيني، بحسب مذكرات داخلية تستشهد بها الإدارة. لكن تقييماً استخباراتياً أميركياً رأى أن الصين وإيران وروسيا على الأرجح تتجنب هجمات تستهدف تغيير عدّ الأصوات، وأنه لا مؤشر على محاولات من هذا النوع خلال الدورتين الانتخابيتين السابقتين. الثغرات التقنية موثقة، لكن وجودها لا يعني أن اختراقاً وقع أو أن الأصوات عُدّلت. المشكلة أن أحداً لا يملك اليوم سلطة يقبل بها الطرفان ليفصل بينهما.

وهنا يربح الخصم دون جهد يُذكر. لا يحتاج إلى تنسيق بين عواصم ولا إلى ناخب مقتنع. يكفيه مناخ يُقابَل فيه كل اتهام بنفي، وكل نفي باتهام مضاد، حتى يغدو الإسناد نفسه موقفاً سياسياً. وإن صحّ ما يقوله الباحثون عن أصل فيديو كلوبوشار، فكلفته على موسكو زهيدة على الأرجح. أما كلفته على المجتمع الأميركي فأسابيع من الجدل، وثقة مهتزّة بكل من يقول إن ما يراه مفبرك. غير أن إثبات أن ردود الفعل قد تخدم الخصم لا يثبت أنه خطّط لها أو قصد إحداثها.

ليس في الصمت حلّ. فكتمان عملية تدخل حقيقية أسوأ من الضجة حولها، والتحذير العلني منها واجب. لكن الفارق يكمن في المعايرة. فأول ما يلزم أن يرافق كل إسناد مستوى الثقة والمنهج، لا الخلاصة وحدها. والإسناد الحساس سياسياً يستحق مراجعة مستقلة تضم الحزبين قبل أن يُعلَن. أما قياس نجاح الدفاع فلا يكفي فيه عدّ المقاطع المكتشفة، إذ ينبغي أن يمتد السؤال إلى مقدار ما تبقّى من ثقة الناس بعملية التحقق نفسها. وفيديو بـ155 ألف مشاهدة وإعجابين يجب أن يُوصف بحجمه الحقيقي، لا أن يُقدَّم نذيراً.

ولا توجد اليوم أداة تقيس أثر هذه الحملات في التصويت، ولا أثر الضجة المحيطة بها. لذلك تبقى الفكرة المطروحة فرضية تفسّر نمطاً ولا تدّعي إثباته. وقد يردّ معترض بأن ضجة اليوم هي ما يمنع هجوم الغد، وهو اعتراض وجيه، ويجعل الخلاف على الدرجة لا على الاتجاه. ويبقى السؤال الذي يعيدنا إلى الفيديو الأول: اثنان من الإعجاب، وصفر من إعادة النشر. قد يقرأ المنتج الرقمين فشلاً، وقد يقرؤهما نجاحاً هادئاً: فيديو لا يُعرف إن كان قد أقنع ناخباً، لكنه وجد طريقه إلى نقاش أوسع بكثير من حجم التفاعل معه.

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock