مقالات رأي
الكاهن، لبنان وحضارة القلب المطعون بالحربة

الخوري الدكتور نبيل مونس
دفَعني الاعتداء على الأب سمير ضوّ في لبنان إلى أن أحمل من جديد راية الدفاع عن لبنان، وعن الكنيسة والكهنوت، وعن راية الآلام والموت والخلاص. فالأب سمير هو من أبرشية جبيل، تلك الأبرشية التي عشت فيها مراحل عديدة من حياتي، وتركت في وجداني ذكريات عميقة لا تمحوها الأيام.
وازداد الجرح عمقاً في قلبي عندما علمت أنّه خادم بلدة الحصون، البلدة التي اشترى فيها أبي، رحمه الله، قطعة أرض لنقيم عليها بيتاً، ملتمسين ملاذاً آمناً بعيداً عن التقاتل والحروب الطائفية. وكأنّ جرح الحاضر أعاد إلى ذاكرتي جراح الماضي، ليؤكد لي أنّ مأساة لبنان لم تنتهِ، وأن الدم البريء لا يزال يُراق على أرضه.
منذ تجسّد المسيح المخلّص، وُلدت على أرضنا حكاية الفداء، وامتدت من خارج أسوار أورشليم إلى مدن العالم، حيث ارتفعت الكنائس فوق تراب ارتوى بدماء الشهداء، وحملت حجارتها شهادة الإيمان والتضحية. وما زالت الكنيسة، في كل عصر ومكان، تعيش سرّ سيدها: صليباً يبدو هزيمة في عيون العالم، لكنه يصير، في حكمة الله، طريقاً إلى القيامة والحياة.
وقد يحاول الشرير أن يشوّه هذه الحقيقة، وأن يخدع الإنسان بشعارات وعقائد ووعود زائفة، فيدفعه إلى قتل أخيه الإنسان، وإلى اضطهاد كل من يشهد للنور الذي جاء إلى العالم في شخص يسوع المسيح. لكن النور لا ينطفئ بقتل أبنائه، والحق لا يموت بموت الشهود، والمحبة لا تُهزم حين تُطعن، بل تزداد شهادة ووضوحاً.
الكاهن والمسيح: وحدة الرسالة والشهادة
المسيح هو الكاهن الأعظم، والكاهن مدعو إلى أن يحيا في المسيح، وأن يتحد به في رسالته ويبذل ذاته من أجل خلاص النفوس. ليست هذه الوحدة إلغاءً لشخص الكاهن، بل دعوة إلى أن يصير حضوره امتداداً لحضور المسيح، وخدمته انعكاساً لخدمة الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن خرافه.
لقد عبّر يسوع عن هذه الحقيقة في كلمات لا تزال ترنّ في قلب الكنيسة. قال لتلاميذه: «مَنْ سَمِعَ مِنْكُمْ سَمِعَ مِنِّي» (لوقا 10: 16).
وقال أيضاً: «حَيْثُ اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِاسْمِي، فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ» (متى 18: 20).
ثم كشف لتلاميذه سر هذه الوحدة العميقة في إنجيل يوحنا: «فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ» (يوحنا 14: 20).
في هذه الكلمات يتجلّى سر الشركة مع المسيح. فالكاهن ليس مجرد موظف ديني، ولا صاحب وظيفة اجتماعية، بل هو خادم سرّ المسيح، وشاهد لمحبته، وحامل لرحمته، ومدعو إلى أن يقدم حياته من أجل شعبه. وعندما يُستهدف الكاهن بسبب إيمانه أو رسالته، فإن الجرح لا يصيب شخصه وحده، بل يمس أيضاً حرية الإيمان وكرامة الإنسان وقدسية الرسالة التي يحملها.
دماء الكهنة والشهداء: صرخة لا تسكت
اليوم، أرى في وجه الأب سمير ضوّ وجوهاً كثيرة من الكهنة والشهداء الذين عانوا الاضطهاد والقتل في أنحاء العالم: في نيجيريا، وأميركا اللاتينية، وفرنسا، وكندا، ولبنان، والعراق، وسوريا، والصين، واليابان، وغيرها من البلدان التي شهدت عبر تاريخها صراعات دامية واضطهادات دينية وثورات قاسية على الكنيسة.
وأستعيد على وجه الخصوص ما شهدته الثورة الفرنسية من اضطهادات وإعدامات ونفي وسجن للكهنة والرهبان، وما عاشته الكنيسة في الاتحاد السوفياتي خلال الحقبة البلشفية من قمع واضطهاد واسعَين.
لقد تغيرت الأنظمة والأيديولوجيات، وتبدلت الشعارات، لكن الإنسان الذي يستسلم للشر ظل قادراً على اضطهاد أخيه الإنسان، وعلى الظن أن إسكات صوت الإيمان يكفي لإلغاء الحقيقة. ألا يتعلّم هذا العقل المستسلم للشر أن العنف لا يصنع الخلاص، وأن القتل لا يلد الحياة، وأن أبواب الجحيم لن تقوى على كنيسة المسيح؟
قد تُهدم الكنائس، وقد يُسجن الكهنة، وقد يُنفى الرعاة، وقد تُراق دماء الأبرياء، لكن ملكوت المسيح لا يُقاس بقوة السلاح، ولا ببقاء الأنظمة، ولا بسطوة الظالمين. فالكنيسة تعيش من أمانة الله، وتنهض برجاء القيامة، وتواصل رسالتها حيثما وُجد إنسان يحتاج إلى نور الحق وحنان الرحمة.
أرض الإيمان وملجأ الرجاء
لبنان، على الرغم من جراحه وحروبه، يبقى أرضاً ارتبطت بذاكرة الإنجيل وبحضور المسيح في منطقتنا. ففي تخوم صور وصيدا، على أرض لبنان، التقى يسوع المرأة الكنعانية التي توسلت إليه من أجل ابنتها، فأجابها: «يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!» (متى 15: 28).
إنها شهادة إنجيلية خالدة بأن الإيمان يستطيع أن يتجاوز الحدود والحواجز، وأن الرحمة الإلهية لا تُحبس داخل جغرافيا أو انتماء. ومن هذه الأرض أيضاً ارتفعت عبر الأجيال صلوات الرهبان والنساك، وشهادات القديسين، وأصوات المؤمنين الذين تشبثوا برجاء المسيح وسط المحن.
لهذا، فإن جرح الأب سمير ضوّ ليس قضية عابرة، ولا خبراً يُضاف إلى أخبار العنف اليومية. إنه جرح يدعونا إلى التمسك بكرامة الإنسان، وإلى رفض كل اعتداء على الكهنة والمؤمنين، وإلى الدفاع عن لبنان بوصفه وطن الحرية والعيش المشترك، لا ساحة لتصفية الحسابات أو لإراقة الدماء.
وأمام التحديات التي يواجهها شعبنا وأهلنا في الداخل والخارج، أصرخ من أعماق قلبي: حافظوا على الإيمان العظيم. تمسكوا بإيمان المرأة الكنعانية، وبإيمان الشهداء، وبإيمان أولئك الذين حملوا صليبهم ولم يتخلوا عن الرجاء.
فالإيمان ليس هروباً من الواقع، بل قوة لمواجهته. وليس استسلاماً للألم، بل عبوراً به نحو الحياة. وليس تبريراً للظلم، بل دعوة إلى مقاومته بالحق والمحبة والثبات.
حضارة القلب المطعون بالحربة
إن حضارتنا الحقيقية ليست حضارة السلاح، ولا حضارة الانتقام، ولا حضارة القلوب التي تتغذى من الكراهية. إنها حضارة القلب المطعون بالحربة، قلب المسيح الذي فُتح على الصليب، فخرج منه الدم والماء علامة للحياة والنعمة، ودعوة إلى المصالحة والخلاص.
هذا القلب المطعون لا يرد الطعنة بطعنة، ولا يواجه الكراهية بكراهية، بل يكشف لنا أن المحبة أقوى من الموت، وأن الرحمة قادرة على أن تفتح طريقاً جديداً حتى وسط الخراب. ومن هذا القلب نتعلم كيف ندافع عن المظلوم من دون أن نصير ظالمين، وكيف نطالب بالعدالة من دون أن نستسلم للانتقام، وكيف نحمي وطننا من دون أن نسمح للحقد بأن يستوطن قلوبنا.
فلنتقوَّ بالحق، ولنلبس ثوب النعمة الإلهية، ونعتمر خوذة الخلاص، ونتمسك بسلاح الإيمان، كما يدعونا الرسول بولس (أفسس 6: 10-17). ولنصلِّ من أجل روح الأب سمير ضوّ، ومن أجل كل كاهن يتألم، وكل مؤمن مضطهد، وكل عائلة تعيش الخوف والفقدان، وكل إنسان أصبح ضحية للعنف والحرب. ولنستمع إلى كلمات القديس يوحنا ماري فياني، خوري آرس، الذي عاش في زمن الثورة الفرنسية وما تلاها من اضطرابات، وعرف معنى أمانة الكاهن وسط الصعوبات: «الكهنوت هو حب قلب يسوع».
وزاد أيضاً: «عندما ترون الكاهن، فكروا بربنا يسوع المسيح». إنها دعوة إلى أن نرى في الكاهن، لا شخصاً معصوماً من الضعف أو الألم، بل إنساناً اختاره الله للخدمة، وحمّله أمانة الإنجيل، ودعاه إلى أن يكون شاهداً للمسيح بين الناس.
فلنحمِ كهنوتنا بالصلاة، ولنكرّم كهنتنا بالمحبة، ولنقف إلى جانبهم عندما يُظلمون، ولنصن كرامة كل إنسان أياً كان انتماؤه.
وليبقَ لبنان، رغم كل الجراح، شاهداً على أن الإيمان يستطيع أن يصمد، وأن الرجاء يستطيع أن ينمو، وأن القلب المجروح بالمحبة يستطيع أن يكون بذرة خلاص.
فمن قلب المسيح المطعون بالحربة نتعلم أن الجرح ليس الكلمة الأخيرة، وأن الموت ليس النهاية، وأن القيامة هي وعد الله لكل من يثبت في المحبة والحق.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.











