مقالات رأي
المسيحيون في العراق: من جذور التاريخ إلى تحديات البقاء ومستقبل الوجود
من الموصل إلى سهل نينوى: كيف تغيّر واقع المسيحيين في العراق؟

تحليل اخباري من اعداد الاب البر حبيب عساف
يُعدّ المسيحيون في العراق من أقدم الجماعات المسيحية في العالم، إذ يعود وجودهم إلى القرن الأول الميلادي، عندما انتشرت المسيحية في بلاد ما بين النهرين على أيدي الرسل الأوائل وتلامذتهم. وعلى مدى ما يقارب ألفي عام، لعب المسيحيون دوراً أساسياً في بناء الحضارة العراقية، وأسهموا في مجالات العلم والأدب والترجمة والطب والتعليم والإدارة، وحافظوا على تراث لغوي وثقافي غني يتمثل باللغتين السريانية والآرامية اللتين ما زالتا حاضرتين في بعض مناطقهم حتى اليوم.
عاش المسيحيون عبر التاريخ في مختلف المدن العراقية، إلا أن مراكز وجودهم الرئيسية تركزت في الموصل وسهل نينوى وبغداد وكركوك وأربيل ودهوك، إضافة إلى بلدات تاريخية مثل القوش وقره قوش وتلكيف وعنكاوا. وقد شكّلت هذه المناطق على مر القرون حاضنة للكنائس والأديرة والمدارس الدينية التي ساهمت في حماية الإرث المسيحي المشرقي.
العراق يضم واحدة من أكبر الجماعات المسيحية في الشرق الأوسط،
حتى نهاية القرن العشرين، كان العراق يضم واحدة من أكبر الجماعات المسيحية في الشرق الأوسط، حيث قُدّر عددهم بأكثر من مليون ونصف المليون نسمة. وعاش المسيحيون جنباً إلى جنب مع بقية مكوّنات المجتمع العراقي، وتمتعوا بحضور بارز في مختلف القطاعات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. غير أن العقود الأخيرة حملت تحديات متزايدة بدأت مع الحروب المتلاحقة والعقوبات الاقتصادية، ثم تفاقمت بشكل كبير بعد عام 2003 مع تدهور الوضع الأمني واندلاع أعمال العنف الطائفي.
سقوط النظام العراقي السابق
خلال السنوات التي أعقبت سقوط النظام العراقي السابق، تعرّض المسيحيون لسلسلة من الاعتداءات والهجمات الإرهابية وعمليات الخطف والاستهداف، ما دفع آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها والتوجه نحو إقليم كردستان أو الهجرة إلى دول أخرى في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا. وشهدت بغداد والموصل بشكل خاص تراجعاً كبيراً في أعداد المسيحيين الذين كانوا يشكلون جزءاً أساسياً من الحياة الاجتماعية والثقافية في هاتين المدينتين.
لكن الضربة الأقسى جاءت عام 2014 مع اجتياح تنظيم “داعش” لمحافظة نينوى وسيطرته على الموصل وبلدات سهل نينوى. ففي غضون أيام قليلة، اضطر عشرات الآلاف من المسيحيين إلى الفرار من منازلهم بعد أن خُيّروا بين ترك مناطقهم أو مواجهة الاضطهاد. وتم الاستيلاء على ممتلكات العديد منهم، كما تعرضت كنائس وأديرة تاريخية للتدمير والتخريب، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي عرفها المسيحيون في تاريخهم الحديث.
وبعد هزيمة تنظيم داعش واستعادة المناطق التي كان يسيطر عليها، بدأت عودة تدريجية لبعض العائلات إلى بلداتها وقراها، خصوصاً في سهل نينوى وقره قوش والقوش وتلكيف. وساهمت الكنائس المحلية والمنظمات الدولية في إعادة ترميم المنازل والكنائس والبنى التحتية، إلا أن وتيرة العودة بقيت محدودة مقارنة بحجم النزوح الذي حصل خلال سنوات الإرهاب.
اليوم، يقدَّر عدد المسيحيين في العراق بما هو أقل بكثير من أعدادهم السابقة، بعدما أدت الهجرة المستمرة والظروف الاقتصادية والأمنية إلى تقلّص وجودهم الديموغرافي. ومع ذلك، لا يزال المسيحيون يشكلون جزءاً أصيلاً من الهوية العراقية، ويحافظون على حضورهم الديني والثقافي والسياسي من خلال الكنائس والمؤسسات التعليمية والاجتماعية والتمثيل البرلماني المخصص للأقليات.
الكنائس العراقية
يؤكد قادة الكنائس العراقية أن مستقبل المسيحيين في العراق مرتبط بترسيخ الاستقرار والأمن وتوفير فرص العمل والتنمية، بما يشجع الأجيال الجديدة على البقاء في أرض أجدادهم بدلاً من الهجرة. كما يشددون على أن المسيحيين ليسوا مجرد أقلية دينية، بل مكوّن تاريخي ساهم في صناعة حضارة العراق منذ قرون طويلة.
رغم التحديات الكبيرة التي واجهتهم خلال العقود الماضية، لا يزال المسيحيون العراقيون متمسكين بأرضهم وتراثهم وإيمانهم، في محاولة للحفاظ على حضور يمتد لأكثر من ألفي عام في واحدة من أقدم بقاع المسيحية في العالم. وبين ذكريات الماضي العريق وآمال المستقبل، تستمر معركتهم للحفاظ على وجودهم في وطن كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من هويتهم وتاريخهم.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.



















