تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

لبنان: لماذا يُعدّ فسيفساءً من الطوائف والديانات؟

مقال تحليلي
إعداد وتحرير: ضياء الدين مرزوقي

في لبنان، قد يفصل شارع واحد بين كنيسة ومسجد، وقد تحمل العائلة الواحدة أكثر من ذاكرة دينية وسياسية. لكن وصف البلد بأنه “فسيفساء طوائف” لا يشرح وحده كيف نشأت هذه التركيبة، ولا لماذا تحولت من مصدر ثراء اجتماعي إلى أساس لتوزيع السلطة، ثم إلى سبب متكرر للشلل السياسي والصراع.

لبنان ليس بلدًا تتجاور فيه جماعات دينية فحسب؛ إنه بلد جعل الانتماء الطائفي جزءًا من السجل المدني، وقوانين الأحوال الشخصية، والتمثيل النيابي، وتقاليد توزيع المناصب العليا. وفي الوقت نفسه، لا يملك تعدادًا سكانيًا رسميًا حديثًا يحدد وزن كل جماعة. هنا تكمن المفارقة: نظام سياسي مبني على التوازنات الديموغرافية، في دولة لا تقيس ديموغرافيتها رسميًا منذ 1932.

18 جماعة معترفًا بها رسميًا

تعترف الدولة اللبنانية رسميًا بـ18 جماعة دينية. وتشمل القائمة 12 جماعة مسيحية، وأربع جماعات إسلامية، إضافة إلى الدروز واليهود، وفق تقرير الحرية الدينية الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية لعام 2023. وتضم الجماعات المسيحية الموارنة، والروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس والكاثوليك، والسريان الأرثوذكس والكاثوليك، والآشوريين، والكلدان، والأقباط، والبروتستانت، واللاتين الكاثوليك، وأتباع كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة. أما الجماعات الإسلامية المعترف بها فتشمل السنّة والشيعة والعلويين والإسماعيليين، مع إدراج الدروز كجماعة مستقلة في نظام الاعتراف السياسي رغم اختلاف تصنيفات الإحصاءات.

الاعتراف الرسمي لا يعني أن كل جماعة تملك الوزن نفسه أو الحضور نفسه في مؤسسات الدولة. بعض الجماعات الصغيرة لها وضع ديني وقانوني، لكنها لا تحصل على تمثيل سياسي يتناسب مع عددها، فيما تُدار بعض شؤون الأحوال الشخصية عبر محاكم ومؤسسات طائفية.

لماذا تشكل هذا التنوع؟

جغرافيا جبلية ومجتمعات محلية متجاورة

ساعدت جغرافيا جبل لبنان والسهول والوديان الساحلية على نشوء مجتمعات محلية متمايزة. الجبل وفّر ملاذًا نسبيًا لجماعات تبحث عن الحماية، فيما جعلت الممرات والقرى والحواضر الكبرى من التعايش والتنافس واقعًا يوميًا. لم تكن الطوائف جزرًا معزولة تمامًا، لكنها احتفظت بشبكات مدارس وقيادات وملكية وأوقاف خاصة بها.

تاريخ عثماني قائم على الجماعات الدينية

قبل قيام الدولة اللبنانية الحديثة، عاش سكان المنطقة ضمن الإمبراطورية العثمانية التي تعاملت مع الجماعات الدينية عبر نظام الملل بدرجات مختلفة من الاستقلال في الشؤون الدينية والأحوال الشخصية. هذا الإرث لم يختفِ مع نشوء لبنان الحديث؛ بل انتقل جزء منه إلى مؤسسات الدولة، فأصبحت الطائفة قناة للتمثيل والحماية والحصول على الخدمات، لا مجرد هوية روحية.

الهجرة والتجارة والتعليم

فتح الساحل اللبناني، ولا سيما بيروت، البلاد على المتوسط وعلى أوروبا والعالم العربي. ساهمت التجارة والهجرة والتعليم والإرساليات المسيحية في توسيع الحضور الثقافي والسياسي لجماعات مختلفة. كما أسهمت التحولات الاقتصادية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في نقل السكان وتوسيع المدن، من دون أن تلغي الروابط الطائفية.

وتشير دراسة وراثية منشورة في American Journal of Human Genetics شملت 926 رجلًا لبنانيًا إلى أن التباين الوراثي داخل لبنان كان أكثر ارتباطًا بالانتماء الديني منه بالموقع الجغرافي. هذه النتيجة لا تعني وجود “أعراق دينية” منفصلة، ولا تبرر أي تفوق جماعي؛ لكنها تدعم فكرة أن الهجرات التاريخية والزواج داخل الجماعة والعزلة النسبية تركت أثرًا قابلًا للرصد في بنية المجتمع. الدراسة نفسها تطرح أن موجات تاريخية منذ التوسع الإسلامي، وأنشطة صليبية أوروبية، ساهمت في تشكيل بعض الفروق التي رصدتها، وهي استنتاجات تاريخية لا خريطة جينية ثابتة للهوية اللبنانية.

من التنوع الاجتماعي إلى النظام الطائفي

التحول الحاسم حدث عندما أصبح الانتماء الديني قاعدة لتوزيع السلطة. بعد إعلان “دولة لبنان الكبير” عام 1920 تحت الانتداب الفرنسي، ترسخ نظام سياسي يبحث عن شرعيته في تمثيل الجماعات. وفي الاستقلال عام 1943، كرّس “الميثاق الوطني” غير المكتوب تقاسمًا للرئاسات الثلاث: رئيس الجمهورية من الموارنة، ورئيس الحكومة من السنّة، ورئيس مجلس النواب من الشيعة.

كان هذا الترتيب محاولة لمنع هيمنة جماعة واحدة في بلد صغير متنوع. لكنه حمل مشكلة بنيوية: بدل أن تكون الدولة فوق الطوائف، أصبحت الدولة ساحة تفاوض دائم بينها. كل وظيفة أو قانون أو تعيين يمكن أن يتحول إلى سؤال عن “الحصة” و“الضمانة” و“التوازن”.

أدى اختلال التوازنات وتغير الأوزان الاجتماعية والإقليمية إلى تراكم أزمات انتهت بالحرب الأهلية بين 1975 و1990. لم تكن الحرب دينية خالصة؛ فقد تداخلت فيها قضايا السيادة، والسلاح الفلسطيني، والتدخلات الإقليمية، والصراع الطبقي، والاختلاف حول هوية لبنان وعلاقته بمحيطه. لكن الاصطفاف السياسي اتخذ في كثير من مراحله ملامح طائفية واضحة.

اتفاق الطائف: إنهاء الحرب وإعادة توزيع التوازن

أنهى اتفاق الطائف، الذي أُقر عام 1989، الحرب الأهلية وأعاد صياغة النظام السياسي. أهم تعديل رقمي كان الانتقال من صيغة غلب عليها التمثيل المسيحي إلى مناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب. ووفق الاتفاق، توزع المقاعد بالتساوي بين المجموعتين، ثم توزع نسبيًا بين الطوائف داخل كل مجموعة وبين الدوائر. وبعد تعديل حجم المجلس، استقر عدد المقاعد على 128 مقعدًا: 64 للمسيحيين و64 للمسلمين.

كما نقل الطائف جزءًا من الصلاحيات من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء ورئيس الحكومة، مع الإبقاء على الرئاسات الثلاث موزعة عرفًا بين الموارنة والسنّة والشيعة. وفي نص الاتفاق نفسه، ورد هدف إلغاء الطائفية السياسية تدريجيًا وتشكيل هيئة وطنية تبحث في الطريق إلى دولة مدنية، لكن هذا الهدف لم يتحول إلى واقع مكتمل.

كم يبلغ عدد كل طائفة؟ لا أحد يملك جوابًا رسميًا حديثًا

آخر تعداد رسمي للسكان أُجري عام 1932. ومنذ ذلك الحين، تحول سؤال النسب الطائفية إلى قضية سياسية حساسة؛ لأن إعلان أرقام جديدة قد يفتح نقاشًا حول توزيع السلطة والتمثيل والموارد. لذلك تعتمد التقارير على استطلاعات وتقديرات غير رسمية.

بحسب تقرير وزارة الخارجية الأميركية لعام 2023، تنسب مؤسسة Statistics Lebanon إلى المواطنين اللبنانيين تقديرًا يقارب 69.3% من المسلمين و30.5% من المسيحيين، مع تفاوت طفيف في التقريب بين المصادر. داخل التقدير الإسلامي، يشار إلى نحو 31.2% سنّة، و32.2% شيعة، و5.5% دروز، ونحو 0.6% علويين وإسماعيليين مجتمعين. أما داخل السكان المسيحيين، فتقدر نسبة الموارنة بنحو 52.5% من المسيحيين، والروم الأرثوذكس بنحو 25% منهم.

هذه الأرقام ليست تعدادًا، ولا ينبغي جمعها آليًا مع أعداد اللاجئين أو استخدامها لتمثيل كل المقيمين. كما أن إدراج الدروز ضمن خانة المسلمين في بعض الجداول، وفصلهم كجماعة مستقلة في جداول أخرى، يوضح أن طريقة التصنيف نفسها تؤثر في النتيجة.

اللاجئون يضيفون طبقة جديدة إلى التعقيد

لم يعد لبنان بلدًا يضم مواطنين من جماعات دينية متعددة فقط. فقد استقبل، خلال عقود، لاجئين فلسطينيين، ثم أعدادًا كبيرة من السوريين بعد اندلاع الحرب في سوريا. وقدرت وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها لعام 2023 عدد السوريين الموجودين في لبنان بنحو 1.5 مليون، بينما قدرت عدد اللاجئين الفلسطينيين بنحو 250 ألفًا في ذلك الوقت، مع اختلاف الأرقام بحسب تعريف “مسجل” و“مقيم”.

وتقدم الأونروا صورة أكثر تفصيلًا في تحديث فبراير 2025: أقل بقليل من 500 ألف فلسطيني مسجلون لديها في لبنان، لكن تقديرها لعدد الفلسطينيين المقيمين فعليًا يبلغ نحو 222 ألفًا، بينهم 195 ألفًا من لاجئي فلسطين في لبنان و27 ألفًا من لاجئي فلسطين القادمين من سوريا. الفارق بين الرقمين يشرح لماذا لا يمكن استخدام سجلات التسجيل وحدها كبديل عن تعداد للمقيمين.

أما مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فتصف لبنان بأنه يستضيف نحو 1.5 مليون لاجئ أو نازح قسري ضمن بيئة اجتماعية واقتصادية شديدة الهشاشة. هذه الكتلة السكانية لا تدخل في تقاسم المقاعد الطائفية للمواطنين، لكنها تؤثر في سوق العمل، والتعليم، والخدمات، والتوازنات المحلية، وتزيد حساسية أي نقاش حول الهوية والموارد.

هل الطائفية تحمي التنوع أم تعيد إنتاج الانقسام؟

يرى المدافعون عن النظام الطائفي أنه قدّم ضمانة للجماعات الصغيرة، ومنع تحويل لبنان إلى دولة تحكمها أغلبية عددية مطلقة. في بلد شهد حروبًا وتدخلات خارجية، تبدو فكرة أن لكل جماعة “حصة مضمونة” وسيلة لتفادي الإقصاء.

لكن هذا الضمان نفسه قد يتحول إلى قيد. فقد خلص تحليل لمعهد كارنيغي إلى أن النظام الطائفي ساعد أحيانًا في حفظ السلام، لكنه أسهم أيضًا في شلل اتخاذ القرار، وربط مؤسسات الدولة بزعماء الطوائف، وجعل الإصلاح صعبًا. عندما يصبح السياسي ممثلًا لطائفته قبل أن يكون ممثلًا للمواطن، يتحول الخلاف على السياسة العامة إلى نزاع على الوجود والضمانات.

والنتيجة أن لبنان يعيش تناقضًا دائمًا: تعدد ثقافي وديني حقيقي من جهة، ونظام سياسي يحول هذا التعدد إلى حصص ثابتة من جهة أخرى. التنوع يمكن أن يكون مدرسة للمواطنة، لكن الطائفية السياسية قد تجعله سوقًا للمساومات أو أداة للتعبئة والخوف.

من “الفسيفساء” إلى المواطنة

لا يعني تجاوز الطائفية محو الطوائف أو منع الناس من ممارسة شعائرهم. المطلوب هو الفصل التدريجي بين الحرية الدينية وبين احتكار الطائفة للوظيفة العامة والخدمات والتمثيل. ويمكن أن يبدأ ذلك بتعزيز قضاء مدني اختياري في الأحوال الشخصية، وتطوير قانون انتخاب يوسع التمثيل خارج القيد الطائفي، وإنشاء إحصاء سكاني حديث يحمي الخصوصية ولا يحول الأرقام إلى سلاح سياسي.

كما يحتاج لبنان إلى ضمانات عملية للجماعات الصغيرة، لا مجرد شعارات عن التعايش: حماية دور العبادة، المساواة في الوظائف، حقوق غير المنتمين إلى طائفة، وتمثيل النساء والشباب والمناطق المهمشة. فالدولة المدنية لا تعني دولة ضد الدين، بل دولة لا تجعل الدين شرطًا للمواطنة الكاملة.

الخلاصة

يُعد لبنان فسيفساء من الطوائف والديانات لأن تاريخه جمع بين جغرافيا محلية متنوعة، وإرث عثماني اعترف بالجماعات، وهجرات واتصالات متوسطية، ثم نظام سياسي جعل الانتماء الطائفي أساسًا للتمثيل. لكن لبنان ليس مجرد لوحة تنوع؛ إنه تجربة سياسية كاملة حاولت إدارة هذا التنوع عبر تقاسم السلطة.

نجحت التجربة في منع احتكار بسيط للسلطة، لكنها فشلت مرارًا في بناء دولة تتعامل مع المواطنين بوصفهم أفرادًا متساوين. ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس كم طائفة في لبنان، بل كيف يمكن تحويل هذا التنوع من حصص متنافسة إلى مواطنة مشتركة.

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock