تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

دويلةٌ تحت الزيّ العسكري

شبل الزغبي

لم يعد السؤال: كم نفقاً حفر حزب الله تحت الأرض؟ السؤال الأخطر: كم نفقاً بنى فوقها، في مكاتب القرار وغرف القيادة ومراكز الحواجز؟ هناك، حيث يُفترض أن تقف الدولة، حفر الحزب أنفاقه الأعمق، وملأها بضباطٍ وموظفين يُحسنون الإصغاء لمن يدفع أكثر، ويتقنون النظر إلى الجهة الأخرى كلما مرّت شاحنة محمّلة بالذخائر، أو عبرت دراجاتٌ نارية تحمل راية الدويلة في وضح النهار.

فلنتكلم بصراحة لا تعرف المجاملة: راتب العسكري في لبنان لا يكفي لإطعام أسرة حتى آخر الشهر، والمال الإيراني لا يعرف الحياء ولا يسأل عن الكرامة. فكم يصمد إنسانٌ جائع أمام حقيبةٍ منتفخة؟ ذلك هو الرهان الذي بنى عليه الحزب سنواتٍ طويلة، فربح منه ما لم يربحه بالصواريخ: اشترى العيون فأغمضها، واشترى الألسنة فأسكتها، واشترى القرار فصادره.

وما نراه اليوم ليس حادثاً عابراً ولا زلّة تقدير. إنه تخاذلٌ يومي مدروس، وتغاضٍ متعمّد، وتقصيرٌ يتسلّق السلّم الوظيفي حتى يبلغ أعلى مراجع الدولة. حين تعبر شاحنات الذخيرة طرقاتنا فلا يوقفها أحد، فالأمر ليس عجزاً في الإمكانات، بل غيابٌ للإرادة، وحين تتجوّل دراجات الحزب بحريةٍ لا يحلم بها مواطنٌ حرّ، فذلك إعلانٌ صريح أن السيادة في هذا البلد صارت امتيازاً حزبياً لا حقّاً وطنياً.

وهذا التخاذل لم يبقَ عند الحواجز، بل  تحول إلى جراثيم تتفشى في جسد المجتمع اللبناني، تنخر مؤسساته واحدةً بعد أخرى، وهو لم يهتدِ حتى الآن إلى دواءٍ لهذا الطاعون. نداوي الأعراض بالبيانات والتصريحات والتطمينات، والعلّة تتعمّق: دولةٌ تُدار من خلف ظهرها، وجيشٌ يُراد له أن يكون شاهداً لا حارساً، وشعبٌ يُطلب منه أن يصدّق أن الأمور تحت السيطرة، بينما السيطرة كلها في مكان آخر.

ولا يتحمّل المسؤولية الضابط المرتشي وحده. يتحمّلها كل مسؤولٍ رأى فصمت، وكل مرجعٍ علم فتجاهل، وكل صاحب قرارٍ فضّل راحة منصبه على وجع وطنه. فالصمت في هذا الموقع شراكة، والتبرير تواطؤ، والحياد مع دويلةٍ تبتلع الدولة خيانةٌ ناعمة بلا ضجيج.

وفي طليعة هؤلاء نوّاب الأمة. أين كنتم حين كان الحزب يحفر خنادقه ويشتري الذمم؟ كنتم داخل البرلمان تتقاسمون الحصص وتتبادلون الابتسامات. اليوم، وقد انكشف الخراب، لا يحق لكم أن تتباكوا على سيادةٍ فرّطتم بها بصمتكم. ارحلوا. فمن لم يحمِ الوطن حين كان الحماية واجبه، فلا مكان له تحت قبّته، وهو عبءٌ على خزينةٍ أنهكها الفساد.

إن الدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تملك قرارها الأمني ليست دولة، بل واجهةٌ مزخرفة تتكئ على جدارٍ ينهار. والسؤال المطروح على كل من يرتدي زيّاً رسمياً في هذا البلد واضح لا لبس فيه: إمّا أن تكون حارس وطنٍ، وإمّا موظفاً عند من يشتري الأوطان بالدولار الإيراني. فالضمير اللبناني لن يرحم من باع، ولن ينسى من سكت.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock