تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

لبنان بين الدولة ودويلات الأمر الواقع: إلى أين؟

بقلم: فرانسوا الجردي

تكشف التطورات الأخيرة أنّ أزمة لبنان لم تعد مجرّد صراع سياسي، بل أصبحت اختبارًا لسيادة الدولة ووحدة قرارها، في ظلّ تصاعد نفوذ قوى تتعامل مع المؤسسات الشرعية وكأنّها طرف يمكن تجاوزه أو تحدّيه. وبين حكومة تحاول إدارة الأزمات وقوى تتمسّك بأوراق نفوذها، يبرز السؤال الأخطر: هل لا يزال لبنان دولة موحّدة بقرار مستقل، أم أنّه ينزلق نحو دويلات الأمر الواقع؟

المحور الأول: تآكل السيادة وتعدّد مراكز القرار

إنّ تصاعد مواقف نواب حزب الله في مواجهة الحكومة، وما يرافقها من خطاب يتجاوز أحيانًا حدود الاختلاف السياسي، يعكسان عمق الأزمة التي تواجه الدولة اللبنانية. فالمشكلة ليست في معارضة الحكومة، وهي حقّ ديمقراطي، بل في أن تتحوّل القوة السياسية والعسكرية إلى وسيلة لفرض خيارات تتجاوز المؤسسات الدستورية.

ففي أي دولة ذات سيادة، يعود قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها الشرعية، ولا يجوز لأي طرف أن يتصرّف وكأنّه يمتلك تفويضًا مستقلًا لتحديد مصير البلاد. وعندما تصبح قرارات الدولة خاضعة لموازين القوى، تتحوّل السيادة من مبدأ دستوري إلى موضوع تفاوض.

من هنا، يكتسب الحديث عن «كونفدرالية الأمر الواقع» دلالته السياسية، لا بوصفها نظامًا قائمًا، بل تعبيرًا عن واقع تتعدّد فيه مراكز القرار، وتضعف فيه قدرة الدولة على فرض سلطتها.

وتندرج في هذا السياق الشكوى المقدّمة ضد سفيرة لبنان في الولايات المتحدة، ندى حمادة معوّض. فاللجوء إلى القضاء حقّ مشروع، لكنّ معالجة أي خلاف مع مسؤول رسمي يجب أن تتمّ وفق القانون والأصول، بعيدًا عن تحويل المؤسسات الدبلوماسية إلى ساحات للصراع السياسي.

ولا بدّ هنا من التمييز بين حزب الله والمواطنين الشيعة، فالمشكلة ليست مع طائفة لبنانية، بل مع أي قوة، مهما كانت هويتها، تتعامل مع سلطتها باعتبارها أعلى من سلطة الدولة. فالشراكة الوطنية لا تستقيم بامتيازات استثنائية، بل بالمساواة في الحقوق والواجبات والخضوع للقانون.

المحور الثاني: حكومة تدير الأزمات أم دولة تستعيد قرارها؟

لا تستطيع الحكومة الاكتفاء بالتأكيد على السيادة فيما تبقى قدرتها على تنفيذ قراراتها موضع تساؤل. صحيح أنّ الظروف اللبنانية معقّدة، وأنّ المواجهات غير المحسوبة قد تهدّد الاستقرار، لكنّ الحذر لا يجوز أن يتحوّل إلى تراجع دائم أمام الأمر الواقع.

فالدولة لا تُقاس بما تعلنه عن سلطتها، بل بقدرتها على ممارستها.

المطلوب ليس الدخول في مواجهة داخلية، بل وضع مسار واضح يعيد القرار الأمني والعسكري إلى المؤسسات الدستورية، ويعزّز دور الجيش، ويحمي استقلال القضاء والإدارة والدبلوماسية، ويضمن تطبيق القانون على الجميع من دون استنسابية.

كما تتحمّل القوى السياسية مسؤولية التوافق على قواعد تحمي الدولة بدل إخضاعها لتوازنات النفوذ. فالتسويات التي تقتصر على توزيع المناصب واحتواء الخلافات لا تعالج أصل الأزمة، بل تؤجّل انفجارها.

إنّ الحكومة أمام خيار واضح: إما أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، وإما أن تبقى رهينة الوقائع التي تفرضها مراكز النفوذ، فيما تتراجع ثقة المواطنين بمؤسساتهم.

المحور الثالث: خطر التفكّك وانسداد أفق التسوية

تكمن الخطورة الأكبر في انعكاس ضعف الدولة على وحدة المجتمع اللبناني. فعندما يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، يبحث عن ضماناته في طائفته أو حزبه أو منطقته، فتتراجع المواطنة لمصلحة العصبيات، ويصبح كل خلاف سياسي تهديدًا للاستقرار الوطني.

وهكذا تنشأ حلقة مفرغة: ضعف الدولة يدفع الجماعات إلى البحث عن حماية خارجها، وتنامي مراكز النفوذ يزيد الدولة ضعفًا، فيما تتراجع فرص بناء مشروع وطني جامع.

ولا يمكن كسر هذه الحلقة بتخوين طائفة أو تحميل جماعة بأكملها مسؤولية مواقف قياداتها، بل بإقامة دولة عادلة تحمي الجميع، وتمنع احتكار السلاح والقرار، وتضمن أن يكون الدستور المرجعية النهائية لكل اللبنانيين.

أما التسوية المستدامة، فلا يمكن أن تقوم على تقاسم النفوذ وحده، بل يجب أن تعالج مسألة السيادة ووحدة القرار، وأن تضع علاقة القوى السياسية والمسلّحة بالدولة ضمن إطار دستوري واضح، يحفظ الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى العنف.

إنّ لبنان لم يفقد كيانه قانونيًا، لكنّ استمرار تآكل استقلال قراره يهدّد أسس الدولة ويضع وحدتها أمام اختبار حقيقي. ولذلك، فإنّ استعادة السيادة ليست مطلبًا سياسيًا لفريق دون آخر، بل شرط لبقاء الوطن وضمان مستقبل أبنائه.

الخاتمة: الدولة أو التفكّك

يقف لبنان أمام خيار حاسم: استعادة الدولة لقرارها وسيادتها، أو الاستمرار في مسار يهدّد وحدة الكيان ومستقبله. فلا وطن مستقرًا بوجود سلطات موازية، ولا تسوية دائمة من دون قانون يسري على الجميع.

إنّ إنقاذ لبنان يبدأ بدولة واحدة، وقرار وطني واحد، وشراكة تحمي جميع أبنائه. أمّا ترك الأمور رهينة موازين القوى، فقد يقود إلى تفكّك يصعب احتواؤه.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock