تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
إقتصاد

التضخم يهدأ والأسعار لا تعود: لماذا يدفع المواطن الثمن؟

ست حالات، ست سلال مختلفة، وحقيقة واحدة: انخفاض معدل التضخم لا يعني أن فاتورة المعيشة انخفضت

تحليل اقتصادي خاص من اعداد الصحفي ضياء الدين مرزقي

لماذا يشعر الناس بأن الحياة لا تزال غالية حتى حين يقال إن التضخم تراجع؟ لأن التضخم يقيس سرعة تغيّر الأسعار، لا مقدار ما بلغته الأسعار، ولا ما تدفعه أسرة بعينها. إذا ارتفع المؤشر بوتيرة أبطأ، فهذا يعني أن الأسعار ما زالت ترتفع لكن بمعدل أهدأ؛ ولا يعني أنها عادت إلى ما كانت عليه. وتوضح مقارنة الولايات المتحدة ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة والهند والأرجنتين ومصر أن عبارة «التضخم انخفض» تخفي وراءها تجارب ومكونات مختلفة، كما أن معدلات هذه الاقتصادات لا تُقارن آلياً كأنها تقيس السلة نفسها.

ست صور لغلاء المعيشة

تختلف أحدث الفترات المتاحة في النتائج: أرقام الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند والأرجنتين ومصر تخص أغسطس 2026، بينما رقم منطقة اليورو لشهر سبتمبر هو تقدير سريع. لذلك تصلح الأرقام لقراءة أنماط الضغط ومكونات الأسعار، لا لترتيب البلدان ترتيباً مباشراً أو الحكم على تجربة الأسر فيها.

لماذا لا تكفي مقارنة النسب؟

تُظهر الأرقام اختلافاً مهماً في مصدر الزيادة. ففي الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، برزت الطاقة بارتفاع سنوي قوي، بينما كانت زيادات الغذاء أدنى بكثير من الطاقة في القراءة المذكورة. وفي المملكة المتحدة، كان تضخم الإسكان والخدمات المنزلية أعلى من تضخم الغذاء. أما في الهند، فتجاوز تضخم الغذاء المعدل العام، فيما كانت زيادة مجموعة السكن والمرافق أقل. وفي الأرجنتين، سجل السكن والطاقة زيادات سنوية أعلى من الغذاء، رغم أن الأغذية نفسها بقيت مرتفعة. وفي مصر تباينت القراءة الشهرية للأغذية عن القراءة السنوية، كما اختلف التضخم العام الوطني عن المؤشر الحضري للبنك المركزي.

ومن ثم، لا تخبرنا نسبة التضخم وحدها أي فاتورة تثقل الأسرة أكثر. قد يتباطأ الغذاء بينما تظل تكاليف السكن أو الطاقة تضغط، أو يحدث العكس. كما أن السلة التي يستخدمها المؤشر متوسط إحصائي: لا تمثل بالضرورة توزيع إنفاق كل أسرة، ولا مقدار دخلها أو قدرتها على تحمل الكلفة. في الولايات المتحدة مثلاً، CPI-U يقيس تغير أسعار سلة إنفاق استهلاكي حضري واسعة التغطية، لكنه ليس تقديراً لما تدفعه كل أسرة ولا مقياساً مباشراً لفروق مستوى المعيشة بين المدن. وفي المملكة المتحدة، لا ينبغي مساواة CPI بـCPIH؛ فالأخير يضيف تكاليف سكن مالكي المنازل وضريبة المجلس، ولذلك يختلف نطاقه.

وتبرز مصر مثالاً واضحاً على ضرورة قراءة تعريف المؤشر قبل تفسيره: رقم CAPMAS هو مؤشر عام لكل الجمهورية، بينما رقم CBE حضري، ولكل منهما نطاقه ومنهجيته. لذلك لا يعني الفارق بين 12.7% و14.5% أن إحدى الجهتين أخطأت؛ إنهما سلسلتان مختلفتان. وبالمثل، فإن سلالتي الغذاء الأساسية والفقر في الأرجنتين تخصان منطقة بوينس آيرس الكبرى، ولا تمثلان قيمة وطنية موحدة أو إنفاقاً فعلياً لكل أسرة.

العالمي والمحلي: ما الذي تقوله البيانات، وما الذي لا تقوله؟

يمكن تمييز البعد العالمي من ظهور ضغط الطاقة في أكثر من حالة: سجلت الولايات المتحدة زيادة سنوية للطاقة، وقفزت الطاقة في تقدير منطقة اليورو السنوي، كما ارتفعت مكونات الكهرباء والغاز والوقود في أرقام مصر والأرجنتين. هذا التزامن يبيّن أن الطاقة بند حساس في سلة المعيشة عبر بلدان متعددة؛ لكنه، وحده، لا يثبت أن سبب الزيادة واحد أو أن صدمة عالمية بعينها تفسرها كلها. ولا تقدم الأرقام المتاحة تفصيلاً يسمح بعزل أثر أسعار الاستيراد أو سعر الصرف أو الضرائب أو الدعم أو قرارات التسعير المحلية.

أما العوامل المحلية فتظهر هنا بوضوح في اختلاف تكوين المؤشرات ومجالاتها، لا في بيانات سببية عن سياسة بعينها. فالهند تُظهر تفاوتاً بين الريف والحضر، والأرجنتين تفصل بين المؤشر الوطني وسلال بوينس آيرس الكبرى، ومصر تنشر قراءة وطنية وأخرى حضرية، والمملكة المتحدة تضمّن CPIH تكاليف سكن مالكي المنازل. هذه الفروق مهمة لأنها تحدد كيف يصل تغير الأسعار إلى المؤشر، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على أثر قرار نقدي أو مالي أو دعم حكومي. لذلك فإن نسبة الزيادة المرصودة ليست تفسيراً كاملاً لأسبابها؛ وأي إسناد سببي إلى سياسة محلية أو عامل خارجي يتطلب بيانات إضافية غير واردة في النتائج المتاحة.

الغذاء والسكن: بندان يحددان الإحساس بالضغط

في الغذاء، تتراوح الصورة بين زيادة شهرية محدودة نسبياً في الولايات المتحدة، وتضخم غذائي سنوي أعلى من العام في الهند، وزيادة سنوية كبيرة في الأرجنتين. وفي مصر انخفضت أسعار الغذاء والمشروبات على أساس شهري في أغسطس، لكنها بقيت أعلى من مستواها قبل عام. لا تناقض بين القراءتين: الأولى تقارن شهراً بسابقه، والثانية تقارن الشهر نفسه بالعام السابق. كما أن مصطلح «الغذاء» ليس موحداً تماماً بين الجداول؛ فالهند تورد مؤشراً لأسعار الغذاء وآخر لقسم الأغذية والمشروبات، ولكل منهما رقمه.

وفي السكن والطاقة، يوضح ارتفاع مجموعة الإسكان والخدمات المنزلية في المملكة المتحدة أن اعتدال الغذاء لا يعني اعتدال كل كلفة معيشية. وفي الأرجنتين ومصر تظهر زيادات سنوية في مجموعات تشمل السكن والمرافق والوقود، بينما تكشف بيانات الولايات المتحدة ومنطقة اليورو ضغطاً واضحاً في الطاقة. وهذه مكونات لا يستبدلها المستهلك بسهولة مثل بعض السلع الاختيارية؛ لكن النتائج المقدمة لا تقيس حصة كل بند من ميزانية كل أسرة، فلا يصح تحويل نسب المؤشر إلى تقدير موحد لعبء الأسرة.

الخلاصة: إعلان التراجع ليس فاتورة أقل

حين يقال إن التضخم تراجع، فالسؤال الأول هو: تراجع أي مؤشر، وفي أي فترة، وبأي مكونات؟ قد يكون التراجع سنوياً بينما الأسعار ما زالت ترتفع شهرياً؛ وقد يقترب التغير الشهري من الصفر فيما يظل مستوى الأسعار أعلى بوضوح من العام السابق، كما توضح قراءة مصر. وقد ينخفض معدل بند، بينما يستمر بند آخر- كالطاقة أو السكن – في تسجيل زيادات أقوى.

لهذا لا يكفي إعلان انخفاض التضخم كي يشعر المواطن بانخفاض تكاليف المعيشة. الإعلان يصف تباطؤاً في وتيرة ارتفاع سلة إحصائية، لا تراجعاً تلقائياً في أسعارها، ولا تحسناً مضموناً في قدرة الأسر على الشراء. ولتقييم التحسن فعلياً، ينبغي النظر معاً إلى مستوى الأسعار، ومكونات السلة، والفترة المقارنة، ونطاق المؤشر، ثم إلى أثر ذلك على الأسر المختلفة. ما لم تهبط الأسعار نفسها أو تتحسن قدرة الدخل على مجاراتها، يمكن أن يهدأ التضخم على الورق وتظل الحياة اليومية غالية.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock