لم تنهَر إيران بعد خامنئي. وهذه، في حد ذاتها، ليست المفاجأة. فالجديد أن الجمهورية الإسلامية خرجت من قطع رأس قيادتها أقل وضوحاً، وأكثر اعتماداً على أجهزتها الأمنية، وفهمها أصبح أصعب بكثير من ذي قَبل.
بعد سبعة أشهر على مقتل علي خامنئي، وأكثر من ستة أشهر على مقتل علي لاريجاني، لم تستعد إيران الهرمية المركزية التي كانت تتمحور حول المرشد الأعلى، ولكنها أيضاً لم تنزلق إلى الفوضى. ما ظهر بدلاً من ذلك هو نظام أكثر انغلاقاً: فمؤسسات القمع لا تزال تعمل، والسلطة الرسمية لا تزال قائمة، لكن مركز القرار أصبح أكثر غموضاً، وأكثر اعتماداً على المؤسسات الأمنية، وأقل قابلية للقراءة والفهم والتنبؤ.
كما بات من الصعب استمرار سيطرة النظام بشكل موثوق ومحكم على مختلف ساحات تأثيره خارج حدود إيران. يتولى مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى رسمياً، وتستمر التعيينات الرئيسية في الصدور باسمه. لكن الأدلة العلنية لا تظهر أنه يمارس السلطة الشخصية والمرئية التي كان والده يمارسها.
لم يظهر مجتبى علناً في أيّ مناسبة أمكن التحقق منها بشكل مستقل منذ توليه المنصب، ولم يُنشر تسجيل صوتي أو مصوّر موثّق له وهو يتحدث بعد تعيينه. وفي 10 آب/أغسطس، قال الرئيس مسعود بزشكيان إنه أمضى نحو سبع ساعات مع مجتبى في اجتماع لم يوثَّق بصورة مستقلة. لكن السلطة لم تتوقف. صدرت التعيينات والمراسيم، واستمرت المؤسسات في العمل. فباسم مجتبى صدر مرسوم تعيين محسن رضائي ممثلاً للمرشد الأعلى لدى المجلس الأعلى للأمن القومي، قبل أن يعيّنه بزشكيان أميناً للمجلس. وفي اليوم نفسه، عُيّن حسين طائب، الرئيس السابق لاستخبارات الحرس الثوري والمعروف بقربه من مجتبى، قائداً لقوات الباسيج بمرسوم صادر باسم المرشد الأعلى.
هذه ليست صورة نظام انهار. إنها صورة نظام تغيّر مركز ثقله؛ لم تؤدِ عمليات “قطع الرأس” (استهداف القيادة)، وتضرر هيكل القيادة، والحصار الاقتصادي، والضغوط الإقليمية إلى الانهيار؛ بل أفرزت نظاماً باتت فيه الأجهزة الأمنية و”الحرس الثوري الإسلامي” المؤسساتِ الأكثر بروزاً ومحوريةً في زمن الحرب. من قيادة مركزية إلى قمع مفوَّض
لم يختفِ الحرس الثوري الإسلامي في خضم الفوضى، بل أصبح أكثر أهمية لبقاء الدولة، لكن ذلك لم يُؤدِّ بالضرورة إلى نظام قيادة أكثر شفافية أو سلاسة. لكن هنا يجب الحذر من استسهال الوقوع في هذا الاستنتاج الخطير: أن زيادة نفوذ الحرس تعني بالضرورة أن القرار الإيراني أصبح أكثر تماسكاً. فقد يكون العكس هو الصحيح.
خسائر القيادات العليا، وتعدد ساحات الوكلاء، وغموض عملية اتخاذ القرار في زمن الحرب، كلها تجعل من الصعب على من في الخارج معرفة من يقرر ماذا في طهران، ومتى، وبأي سقف.
السلوك الإيراني ليس متطابقاً في هرمز والسعودية العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن. لكن هذا لا يثبت استقلال الوكلاء الكامل عن المركز، ولا يعني أن طهران فقدت السيطرة على ميليشياتها. وهنا حيرة من ينظر إلى هذا النظام من الخارج. قد تبقى الخطوط العريضة لاستراتيجية طهران واضحة، لكن ما أصبح أكثر صعوبة هو تحديد صاحب القرار الفعلي فيها، وتوقيت تفويض الميليشيات، وحدود التصعيد، وهذا هو الخطر الحقيقي. فللنظام الإيراني وكلاء متعددين قد يتحركون لتحقيق أهداف متداخلة في عدة بلدان، في ظل توجيه إيراني عام، مع الحفاظ على هامش الإنكار. وعندها يصبح خفض التصعيد أكثر صعوبة، لأن أحداً في الخارج لا يستطيع بسهولة التأكد ممن يملك زر التوقف في طهران.
ثلاثة مسارات أمام إيران
أولاً: ترسيخ أمني: يحتفظ مجتبى بالسلطة الرسمية، بينما تعيد قيادة صغيرة من الحرس الثوري والأجهزة الأمنية بناء هرم قرار أكثر تماسكاً. المؤشرات ستكون واضحة: رسائل موحدة عبر الساحات، وتعيينات تؤسس تسلسلاً واضحاً ومستداماً للسلطة، وقناة تفاوض قادرة فعلاً على ضمان التزام النظام بما يتعهد به.
ثانياً: توازن أمني محصَّن — وهو السيناريو القائم حالياً: يبقى مجتبى بعيداً عن الأنظار. وتتولى الأجهزة المركزية تمرير القرارات. أدوات القمع مفوَّضة. والتصعيد متفاوت بين ساحة وأخرى. وهذه هي الصورة الأقرب إلى الواقع الحالي: سرية، وتصعيد انتقائي، وتعيينات أمنية أعادت مركز الثقل في زمن الحرب، من دون أن تعيد القيادة الشخصية التي ميزت عهد علي خامنئي.
ثالثاً: تشظٍّ تحت الضغط: إذا تفاقم الضغط الاقتصادي والخسائر العسكرية، فقد تبدأ الانقسامات داخل النخبة بالظهور علناً، أو تتحول تحركات الوكلاء إلى أفعال يصعب احتواؤها، أو تصدر أوامر متناقضة. لكن هذا السيناريو يحتاج إلى أكثر من مجرد مؤشرات على الارتباك. يحتاج إلى انشقاقات واضحة، وصراع داخل النخبة، أو فقدان مستدام للسيطرة على الأمن الداخلي.
لم تعد إيران إلى النظام الذي عرفه العالم قبل مقتل خامنئي، ولم تنجرف نحو الفوضى؛ بل إنها تواصل البقاء بفضل نظام غامض يتمحور حول الأجهزة الأمنية، حيث تظل السلطة في قمته شكلية، في حين أصبحت آليات القسر والإكراه فيه -من الناحية العملية- أكثر تعقيداً وصعوبة في القراءة والتحليل، وأكثر تفويضاً لجهات متعددة داخل النظام. وهذه نقطة لا تستطيع واشنطن والعواصم الإقليمية تجاهلها.
في إيران ما بعد خامنئي، قد لا يكون السؤال الأهم فيما إذا كان المرشد الأعلى هو المُسيطر، بل إلى أي حد تعرف طهران نفسها، لحظة بلحظة، ما الذي يفعله كل جزء من النظام باسمها؟ وهذا قد يكون، في المرحلة المقبلة، أخطر على المنطقة والعالم من انهيار النظام بعد مقتل مرشده الأعلى.