روضة المري و«الإمارات 101»… الثقافة وهي تروي حكايتها
منذ 11 ساعة
3 دقائق
فاروق غانم خداج *
الكتابة عن بلد ليست دائمًا محاولة لوصف جغرافيته أو تعداد معالمه، بل قد تكون بحثًا عن روحه؛ عن التفاصيل الصغيرة التي تكشف كيف يعيش أهله، وكيف يفكرون، وكيف تتحول العادات اليومية إلى ذاكرة مشتركة وهوية ثقافية. من هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب «الإمارات 101: حكايات وتعلّمات ثقافية» لروضة المري وإيلاريا كاييلي، الصادر عن «قنديل للطباعة والنشر والتوزيع» عام 2018 في 159 صفحة، بوصفه محاولة للاقتراب من الثقافة الإماراتية من داخل تفاصيلها اليومية، بعيدًا عن الصورة السياحية المعتادة.
تبدأ حكاية الكتاب من علاقة إنسانية عابرة للثقافات. فقد كانت إيلاريا، وهي إيطالية، تطرح على روضة المري أسئلة كثيرة عن الإماراتيين وعاداتهم وتقاليدهم، حتى سألتها عن سبب كونها الإماراتية الوحيدة تقريبًا بين صديقاتها. اقترحت المري عليها أن تدوّن أسئلتها، فتحولت الأسئلة إلى نحو مئة سؤال، ثم إلى فكرة كتاب يجيب عن كثير مما قد يخطر في ذهن المقيم أو السائح وهو يحاول فهم المجتمع الإماراتي.
وفي حوار صحافي، أوضحت المري أن ما يميز الكتاب هو الجمع بين المعلومة والحكاية؛ فبدل تقديم الثقافة في صورة دليل تعريفي مباشر، اختارت أن تستند إلى قصص من طفولتها وإلى الطريقة التي عاشت بها تلك العادات وتعلمتها داخل بيئتها. لذلك لا تبدو المعلومات منفصلة عن الحياة، وإنما تأتي من تجربة شخصية تمنحها قدرًا من الدفء والقرب.
حتى الرقم «101» ليس اختيارًا اعتباطيًا. فالكتاب يتناول 101 موضوع، والرقم يحيل إلى المقررات التمهيدية في الجامعات، أي إلى بداية التعرف إلى مجال جديد قبل التخصص فيه. ومن هنا ينسجم العنوان مع طبيعة العمل: إنه مدخل إلى الثقافة الإماراتية، وليس محاولة للإحاطة بكل تفاصيلها.
ويمر هذا المدخل عبر تفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة: طريقة التحية، الضيافة، القهوة، الطعام، المناسبات، زيارة البيوت، المجالس، العطور، العلاقات الاجتماعية، الإشارات الجسدية، وحدود المسافة الشخصية بين الناس. غير أن هذه العناصر اليومية تكشف أن الثقافة لا تسكن الكتب وحدها؛ إنها تظهر في طريقة مدّ اليد، ونبرة الحديث، وأسلوب استقبال الضيف، وفي أفعال يمارسها الإنسان تلقائيًا من غير أن يتوقف عند دلالاتها.
وتبرز لغة الجسد مثالًا واضحًا على ذلك. فالإيماءة، ونظرة العين، وطريقة الوقوف أو الجلوس، قد تحمل معاني مرتبطة بالاحترام والخصوصية والعلاقة بين الأفراد. وكذلك الضيافة التي لا تُختصر في تقديم القهوة أو الطعام، بل تكشف تصورًا أوسع لمكانة الضيف وللعلاقة بين البيت والمجتمع.
أما العطر، فيحضر في الكتاب ضمن تفاصيل الحياة الإماراتية، لكنه يتجاوز الجانب الجمالي إلى الذاكرة. فالرائحة قادرة على استدعاء البيت والمجلس والمناسبات والأشخاص، وبذلك يتحول التفصيل الحسي إلى جزء من التجربة الاجتماعية، ويصبح الماضي حاضرًا عبر حاسة بسيطة ومألوفة.
ويتسع الكتاب ليضم التاريخ والتراث إلى جانب الحياة اليومية، من دون أن يفقد طريقته الأساسية في تقديم المعرفة عبر الحكاية. وهذه ميزة مهمة؛ لأنها تجعل القارئ أمام ثقافة حية تتحرك في السلوك والذاكرة والعلاقات، لا أمام مجموعة معلومات منفصلة.
ويأخذ التعاون بين المري وكاييلي أهمية خاصة في هذا السياق. فوجود كاتبة إماراتية إلى جانب شريكة إيطالية يتيح زاويتين للنظر إلى الثقافة نفسها: واحدة تنطلق من الداخل، من الذاكرة والتجربة، وأخرى تبدأ بالسؤال والاستغراب والرغبة في الفهم. وهنا يتحول الاختلاف الثقافي من حاجز إلى وسيلة للحوار.
ولا يتوقف مشروع المري عند «الإمارات 101». ففي عمل لاحق حمل عنوان «101 مفهوم خاطئ عن الإمارات»، عادت إلى الأسئلة التي يمكن أن تنشأ لدى الآخرين حول المجتمع الإماراتي، محاولة تفكيك بعض التصورات المسبقة عن الإماراتيين وعاداتهم. ويكشف هذا المسار عن اهتمام يتجاوز تقديم المعلومات إلى بناء مساحة للتفاهم بين الثقافات، من خلال السؤال والحوار وتصحيح الصور النمطية.
أما من الناحية البصرية، فقد اختارت المؤلفتان الرسومات بدل الصور، انطلاقًا من رغبتهما في الابتعاد عن الشكل المألوف للكتب السياحية التي تعتمد كثيرًا على التصوير. وأضفت الرسومات هوية خاصة على العمل، فلم تعد الصورة مجرد وسيلة لإيضاح النص، بل أصبحت جزءًا من الطريقة التي يُقدَّم بها المكان إلى القارئ.
وقد ذكرت المري أن الطبعة الأولى، التي صدرت في تشرين الأول 2018، نفدت خلال شهرين، وتلتها طبعة ثانية، مع العمل على ترجمة الكتاب إلى الصينية ثم إلى لغات أخرى. وهذه المعطيات، بصرف النظر عن قيمتها التجارية، تشير إلى أن العمل وجد اهتمامًا يتجاوز القارئ المحلي، وهو أمر ينسجم مع فكرته القائمة على مخاطبة الآخر وتعريفه بثقافة المكان.
مع ذلك، لا ينبغي تحميل «الإمارات 101» أكثر مما يحتمل. فالكتاب ليس دراسة أنثروبولوجية شاملة، ولا يقدم تفسيرًا تاريخيًا معمقًا لكل عادة أو ظاهرة اجتماعية يتناولها. واتساع موضوعاته يجعل بعض القضايا أقرب إلى التعريف السريع منها إلى البحث التفصيلي. وقد يحتاج القارئ المتخصص إلى مصادر أخرى تمنحه خلفيات أوسع حول نشأة بعض العادات وتحولاتها.
لكن هذه الحدود لا تنتقص من وظيفة الكتاب الأساسية. فالقيمة هنا تكمن في سهولة الدخول إلى الموضوع، وفي قدرته على تحويل التفاصيل المألوفة إلى أسئلة عن الإنسان والمجتمع. وهو حين يروي العادة بدل أن يشرحها فقط، يمنح القارئ فرصة لرؤيتها من خلال تجربة شخصية، لا من خلال تعريف جامد.
في النهاية، لا تكمن أهمية «الإمارات 101» في أنه يقول كل شيء عن الإمارات، بل في أنه يعرف كيف يبدأ الحكاية. إنه كتاب عبور ثقافي أكثر منه كتابًا نهائيًا في التعريف بثقافة بلد؛ يفتح نافذة على مجتمع من خلال قهوته وعطره ومجالسه وحكاياته وإشاراته اليومية، ويترك للقارئ مهمة مواصلة الطريق.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله كتاب عن ثقافة ما هو أن يجعل القارئ يشعر بأن وراء التفاصيل التي يراها للمرة الأولى تاريخًا وذاكرة ومعنى. وهذا ما تحاول روضة المري وإيلاريا كاييلي أن تفعلاه في «الإمارات 101»: أن تجعلا الثقافة تُروى قبل أن تُشرح، وأن يصبح السؤال بدايةً للفهم، والحكاية طريقًا إلى الآخر.