تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

علياء.. لاتقولي إنكِ خائفة

كتبت  الدكتورة علياء إبراهيم 

لطالما راودني هذا التساؤل: هل نحن حقًّا من نقرأ الأدب، أم أن الأدب هو الذي يقرؤنا؟ هل الكلمات التي نمرّ عليها عابرة، أم أنها مرايا تتسلل إلى مناطقنا المظلمة لتلمس ما توارى في داخلنا، فتارةً تداوي جراحنا وتارةً تفتحها على مصراعيها لنعيد اكتشاف ذواتنا؟ كيف يمكن لجملةٍ كُتبت في زمنٍ ومكانٍ بعيدين أن تُحدث هذا الدويّ في أعماقنا، وكأنها صيغت خصيصًا لترمم ما انكسر في أرواحنا؟. 

في غمار هذه التساؤلات، كنتُ أجلس في صالة ترانزيت بأحد المطارات، وسط أصوات إقلاع الطائرات وهبوطها، ونداءات الوصول والمغادرة المتتابعة لرحلاتٍ معلومة الوجهة، محاطةً بمسافرين يملكون رفاهية السفر، وخرائط العبور، وتذاكر المرور الآمن. 

في تلك الأثناء، وضعتُ سماعات الهاتف لأستمع إلى روايةٍ بعنوان: «لا تقولي إنكِ خائفة» للكاتب الإيطالي (جوزِبِّه كاتوتْسِيلّا)، بترجمة (معاوية عبد المجيد).

استوقفني العنوان بحدّ ذاته؛ بدا لي سؤالًا نفسيًّا صادمًا: أي خوفٍ هذا الذي يُطلب من الإنسان ألا يعترف به؟ ولماذا يُنهى الإنسان عن إعلان خوفه؟

غير أن الصدمة تضاعفت حين تبيّن لي سريعًا أنني لستُ أمام قصةٍ من نسج الخيال، بل سيرةٍ واقعيةٍ موجعةٍ لعدّاءةٍ أولمبية من لحمٍ ودم: الصومالية (سامية يوسف عمر)؛ فتاةٌ صنعت من الركض في شوارع مقديشو المحترقة، بين الركام وتحت تهديد التطرف الديني والجوع والفقر، درعًا للمقاومة ومرساةً تحمي روحها من التفتت؛ فالحلم كان ملاذها الوحيد، كما عبّرت هي: «في أرضٍ تحترق، إما أن تبتكر لك حلمًا يمنح لوجودك معنى، أو تموت ببطءٍ في زوايا الانتظار».

وحين ضاقت بها الأرض، واصلت ركضها في رحلة عبورٍ مميتةٍ عبر الصحراء والبحر لبلوغ أولمبياد لندن، حتى ابتلعت الأمواج جسدها النحيل في ريعان العشرين. ورغم فجيعة الموت، إلا أنها ماتت وهي تركض، بكامل إرادتها، دون أن تستسلم؛ تمسّكت بالأمل لآخر نَفَسٍ لأنها كما قالت: «من يفقد الأمل يموت واقفًا»، أي يموت روحًا حتى لو استمرت الحياة بجسده.

ومع تقدّم الرواية، تكشّف لي سرّ ذلك العنوان الصادم؛ لقد كانت وصية والدها التي غرسها فيها: «يجب ألا تقولي إنكِ خائفة أبدًا يا صغيرتي (سامية)، وإلا كَبُر الخوف حتى يلتهمكِ». لم يكن الأب يقمع مشاعرها؛ فالأب يعلم أن قلبها يرتجف، ولم يقل: «لا تخافي»، بل قال: «لا تقولي». كان يدرك بفطرته أن الخوف متى تحوّل إلى كلماتٍ يكررها الإنسان على نفسه، أفضى إلى الاستسلامٍ والهزيمةٍ .

عند تلك النقطة الموجعة، أدركتُ بيقينٍ أن الأدب هو الذي يقرؤنا وينكأ جراحنا؛ فقد ارتدّت الكلمات إلى داخلي بعنف، وجعلت حكاية (سامية) مرآةً حيّةً لما عشته منذ أكثر من عشر سنوات. استعدتُ اللحظات التي كنت أردد فيها العبارة ذاتها لنفسي: «(علياء).. لا تقولي إنكِ خائفة»، وأنا أواجه في الغربة ألمًا يفوق طاقتي أثناء رحلة علاجٍ كيماويٍّ قاسٍ من السرطان. في تلك الساعات الصامتة في بلادٍ باردة، وحين تحوّل جسدي نفسه إلى ساحة معركةٍ بين الألم والأمل، لم يكن لي من عاصمٍ إلا حسن الظن بالله والتوكل عليه، وأدركتُ الحكمة الكامنة خلف عدم التصريح بالخوف في بعض الأحيان: ليس إنكارًا للوجع، بل حمايةً لآخر قلاع الإرادة؛ كي لا تسقط الراية معلنةً الاستسلام في اللحظة الحرجة.

أدركتُ حينها أن لكلٍّ منا “مقديشو” خاصة به؛ بيئةً أو ظرفًا يضيق عليه ويخنقه، ولكلٍّ منا “بحرًا” هائلًا ومجهولًا يخشى عبوره، ولكلٍّ منا “هجرةً” اضطراريةً يبحث فيها عن الخلاص من شيءٍ ما. مواجهة الخوف ليست حكراً على ميادين الحروب؛ بل هي المعركة اليومية لكل من يقرر ألا يستسلم لألمه الصامت، وأن يواصل الركض حتى وإن كانت الأرض تهتز تحت قدميه.

حين انتهى الصوت في أذني بنهاية الرواية، وارتفع نداء طائرتي في صالة الترانزيت، وجدتني أنهض مثقلةً بتساؤلاتٍ حملتها معي فوق السحاب. نزعتُ السماعات لكن صدى وصية والد (سامية) ظل يتردد في روحي: «لا تقولي إنكِ خائفة».

نظرتُ إلى وجوه العابرين حولي متسائلة: كم (سامية) أخرى في هذا العالم تركض الآن وحيدةً تحت سماءٍ بلا نجوم، تواجه بحرها الخاص، وتبحث عن ضفة نجاةٍ تقيها برد الموت وقسوة الحياة، وأرضٍ خصبةٍ لحلمٍ.. كَبُر أم صَغُر؟

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock