38,414 مشاهدة
بقلم الخوري الدكتور نبيل مونس
في حياة الشعوب محطات من الفرح تُحفر في الذاكرة، وأخرى من الألم تترك ندوباً في القلب. لكن الإيمان كان دائماً الجسر الذي يعبر عليه الإنسان من ظلمة المحنة إلى نور الرجاء. واليوم، ونحن نتأمل في المأساة التي أصابت كنيسة حمود في الكرك بالأردن، تقف الكلمات عاجزة أمام حجم الوجع، فيما ترتفع الصلوات من أعماق القلوب طلباً للرحمة والسلام والتعزية.
إن الاعتداء على كنيسة لا يطاول حجارةً صامتة أو جدراناً جامدة، بل يمسّ مساحة مقدسة من الروح الإنسانية، حيث يلتقي الإنسان بخالقه، ويجد المتعب عزاءه، والحزين رجاءه، والخائف طمأنينته. فالكنيسة ليست مجرد بناء، بل هي بيت محبة، وملجأ نفوس، ومكان تُضاء فيه الشموع أملاً، وتُرفع فيه الصلوات من أجل عالم أكثر إنسانية وسلاماً.
وفي خضم هذا الألم، يتذكر المؤمن أن الله لا يترك أبناءه في ساعات المحنة. فالمسيح نفسه سار درب الألم، وشارك الإنسان جراحه وأحزانه، لكي يؤكد أن المعاناة ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية مسيرة جديدة نحو النور. ومن هنا، يبقى الرجاء المسيحي أقوى من الخوف، وتبقى المحبة أقوى من الكراهية، ويبقى الإيمان أكبر من كل محاولات الترهيب والعنف.
وفي كل دمعة تسقط من عين أم فقدت عزيزاً، وفي كل تنهيدة تخرج من قلب موجوع، يكمن سرّ إنساني عميق يدعونا إلى التأمل. فالألم ليس لغة دين أو شعب أو طائفة، بل هو لغة الإنسان أينما كان. وعندما يتألم إنسان، تتألم معه الإنسانية كلها. لذلك فإن هذه المأساة لا تخص جماعة بعينها، بل تمس الضمير الإنساني المشترك الذي يرفض العنف ويؤمن بكرامة الحياة.
لقد علّمنا السيد المسيح أن أعظم أشكال القوة تكمن في المحبة، وأن أسمى معاني البطولة تظهر في التضحية من أجل الآخرين. ولهذا فإن أرواح الأبرياء الذين سقطوا في بيت الصلاة تترك لنا رسالة خالدة مفادها أن الخير لا يُهزم، وأن نور الإنسان أقوى من ظلام الحقد، وأن بذور المحبة التي تُزرع بالدموع يمكن أن تثمر سلاماً للأجيال القادمة.
وفي هذه اللحظات المؤلمة، تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى تعزيز ثقافة اللقاء والتفاهم والاحترام المتبادل. فالعالم المتعب من النزاعات والانقسامات يحتاج إلى قلوب أكثر رحمة، وإلى كلمات أكثر حكمة، وإلى جسور تجمع ولا تفرق، وتضمّد الجراح بدلاً من تعميقها.
الأردن نموذج للتعايش والوحدة الوطنية
لقد كان الأردن عبر تاريخه نموذجاً للتعايش والوحدة الوطنية، وأرضاً احتضنت أبناءها بمحبة واحترام متبادل. ومن هذا الإرث الإنساني النبيل، يخرج الرد الحقيقي على كل أشكال العنف: المزيد من التمسك بالمحبة، والمزيد من الإيمان بالإنسان، والمزيد من الثقة بأن الخير قادر دائماً على الانتصار.
ومن بين الركام والدموع، يظل صوت الصلاة أعلى من صوت الرصاص، وصوت الرجاء أبقى من صوت الخوف. فالإيمان الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات التي يعيشها الإنسان في الراحة، بل بقدرته على التمسك بالله عندما تهب العواصف، وعلى رؤية النور عندما يخيّم الظلام.
واليوم، فيما تنحني الرؤوس بإجلال لأرواح الضحايا، وترتفع الدعوات من أجل شفاء الجرحى وتعزية العائلات المفجوعة، يبقى النداء الإنساني والمسيحي واحداً: أن نحمل في قلوبنا رسالة السلام، وأن نواجه الكراهية بالمحبة، والعنف بالغفران، واليأس بالرجاء.
فالإرهاب يستطيع أن يجرح الجسد، لكنه لا يستطيع أن يهزم الروح. وقد تهتز الجدران، لكن الإيمان يبقى ثابتاً في القلوب. وقد تُطفأ شمعة، لكن آلاف الشموع الأخرى ستبقى مضيئة، شاهدة على أن نور الله لا ينطفئ.
وهكذا، حين تُستهدف الكنيسة، لا يغيب المسيح عنها، بل يحضر في دموع المتألمين، وفي صلوات المؤمنين، وفي الأيادي الممتدة للمواساة، وفي كل قلب يرفض أن يستسلم للكراهية. هناك، وسط الجراح، يولد الرجاء من جديد، وتثبت المحبة مرة أخرى أنها أقوى من الموت.
“لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير.”
هذه هي الرسالة التي تبقى خالدة عبر العصور: أن الإنسان خُلق للمحبة لا للكراهية، وللحياة لا للموت، وللرجاء لا لليأس. وفي هذا الإيمان، تواصل الكنيسة شهادتها، ويستمر نور المسيح مضيئاً الدروب، حاملاً للعالم بشارة السلام والرحمة والقيامة.