تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

بين الخبيث والمجنون

شبل الزغبي

تعدّدت الأسباب والمعركة واحدة: معركة الأشقاء. كانت حرب ١٩٩٠ أقسى ما أصاب المنطقة المحررة، وضربت في الصميم مجتمعاً مسيحياً كان رأس حربة في صياغة الهوية اللبنانية وحارساً لواحة الحرية في هذا الشرق المعتم. واليوم، وقد انقلبت المنطقة والعالم رأساً على عقب، لا يزال الفريقان يتناحران كأن الدم لم يعلّمهما شيئاً. يتراشقان بأبشع النعوت، ويزرعان في عروق شبابنا حقداً يرثونه كما تُورث الأمراض، حتى بات كلٌّ منا يرى في أخيه عدواً بلا أفق ولا نهاية.

والنتيجة أمام أعيننا: شبابٌ يحزم حقائبه بلا قضية ولا حسٍّ وطني، وضغينةٌ تعشعش في النفوس منذ التسعينات، ولا حلّ، ولا رؤية استراتيجية تقرأ الأخطار المتربصة بنا عند كل مفترق. فريقٌ ترك القضية التي قاتلنا من أجلها وسقط رفاقنا شهداء في سبيلها، وفريقٌ أوهمنا أننا على يده سنتحرر من الإقطاع ونبلغ الإصلاح والتغيير. فماذا حصدنا من هذا ومن ذاك؟ بعنا القضية وبعنا الشهداء، ولم نرَ إصلاحاً، بل تخلفاً فكرياً وحقداً مقيماً وتراجعاً مريراً للدور المسيحي في لبنان. بين خبيثٍ يتاجر بالوجع ومجنونٍ يقامر بالمصير، ضاعت الطائفة ضياع القافلة بين لصٍّ وأعمى.

ولا عجب، فأحزابهم وتياراتهم لا تعرف تداولاً للقيادة ولا تحفظ للكفاءة مقعداً. زعيمٌ يتربع كالصنم، يمرّ الزمن من حوله وهو باقٍ، يسوقنا من سياسة خاطئة إلى أخرى، حتى لا يبقى لنا حليفٌ خارجي يؤازرنا يوم الشدة. ألم تمدّنا إسرائيل بالذخائر سنة ١٩٧٥ لنشدّ صمودنا؟ ألم تطرد عرفات من لبنان سنة ١٩٨٢؟ ألا تكسر اليوم، بهزيمتها حزب الله، هيمنةً أرادت أن تجعل من لبنان ولايةً للفقيه؟ ومع ذلك يُراد لنا أن نقطع كل يدٍ تمتد إلينا وأن نبقى وحدنا في العراء. فهل يُعقل أن تعقم طائفة بأكملها فلا تلد رجلاً كفؤاً يقود غير هذا الجاثم الذي لا ينجح ولا يُنجحنا؟

انظروا إلى أوروبا اليوم، وما يجري فيها من تحوّلٍ يضرب حضارةً عريقة في جذورها، وأنتم متلهّون بصغائر الأمور، تتقاسمون الحصص وتتبادلون الشتائم والعاصفة على الأبواب. من لم يتعظ بمصير غيره سيكون عبرةً لغيره.

أما الحل فيبدأ بوقفة صدق أمام المرآة. فليسأل المسيحي نفسه بلا مواربة: هل وضعي اليوم أفضل؟ أين الهوية؟ أين الانتماء اللبناني؟ كم شاباً هاجر، وكم شاباً يتجهز للرحيل؟ أليس في الجواب وحده ما يحاكم القيادات التي سارت بنا من هزيمة إلى هزيمة؟

لقد أرضيتم الخارج فشطرتم مرجعيتنا الوطنية بين الخليج وبلاد فارس، فصرنا أتباعاً بعد أن كنا صانعين. فالوعي الفكري مطلوبٌ اليوم قبل الغد، فأهلنا ما دفعوا علينا كل ما يملكون، في أفضل المدارس والجامعات ليكون نصيب أولادهم أن يصيروا خدماً لإقطاعٍ وأولاده وعائلاته وحاشيته.

وصلنا إلى ساعة الحسم، ساعة نكون فيها أو لا نكون. فلا تتركوا تاريخ أجدادنا ملطخاً بطغمة اليوم، ولا تدعوا دماء الشهداء تُباع في سوق المزايدات. لنحرر نفوسنا أولاً، فتتحرر عقولنا، وعندها نكسر قيد التبعية على رؤوس من كبّلونا به.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock