تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

العبور الصامت لأسطول بوتين : لعبة الاستخبارات البحرية في الممرات التونسية . .

من يراقب من في المتوسط ؟

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

في البحر المتوسط لا تتحرك السفن الكبيرة وحدها ، فأحيانًا تتحرك معها خرائط قديمة وذاكرة إمبراطوريات ومصالح لا تظهر على أجهزة التتبع ، ولهذا فإن مرور سفن روسية قرب ” تونس ” لا يمكن قراءته بوصفه مجرد حركة بحرية عابرة ، فالمشهد الذي ظهر في الفترة الأخيرة كان أكثر تعقيدا ، في ” قوافل روسية دخلت المتوسط ، وسفن تحمل شحنات مرتبطة بالآلة العسكرية واللوجستية لموسكو ” ، بينما كانت أعين أوروبية تلاحق مساراتها من بعيد

ففي العاشر من سبتمبر رصدت قافلة روسية بين ” صقلية وتونس ” تضم سفينة الإنزال ” ألكسندر شابالين ” وسفينتي الشحن ” أناستاسيا ” و” يوري أرشينيفسكي ” ، وهما سفينتان خاضعتان للعقوبات وارتبط اسمهما سابقا بنقل شحنات عسكرية ، وكانت القافلة تتجه شرقا وسط مراقبة جوية إيطالية مع إيقاف أنظمة التعريف الآلي للسفن الثلاث ، لتبدأ القصة الحقيقية من هنا ، بلماذا تونس تحديدا ؟ ، لتأتي الأجابة من التحرك ذاته ، وهو : لأن تونس ليست في مركز الخريطة فقط بل إنها على حافتها الأكثر حساسية ، فمن شواطئها يمكن النظر في اتجاه صقلية وأوروبا ، وفي الاتجاه الآخر نحو ليبيا والجزائر ، ومن خلف ليبيا يمتد الطريق إلى شرق المتوسط ، والبحر الذي يبدو مفتوحا على الجميع يصبح في لحظات التوتر أكثر شبها بغرفة مغلقة ولكل دولة فيها كرسي ومفتاح

فروسيا التي بدا حضورها البحري في المتوسط أكثر هشاشة بعد سقوط نظام ” بشار الأسد ” عادت خلال صيف وخريف ” 2026 ” إلى تحريك سفن مرتبطة بشبكة الإمداد المعروفة باسم ” الإكسبرس السوري ” وقد دخلت مجموعة روسية المتوسط عبر جبل طارق في أغسطس ووصلت سفن منها إلى طرطوس ، بينما كانت مجموعة أخرى تتحرك شرقا في المسار القريب من تونس ، لتعود طرطوس هنا من ميناء إلى سؤال أعمق وعابر الحدود ، حيث تحاول روسيا اليوم الحفاظ على موطئ قدم لها في المتوسط رغم التحولات التي أعقبت سقوط الأسد ، فيما تشير تقارير إلى ترتيبات جديدة بشأن وجودها في ” طرطوس وحميميم  “، كما وتصف مصادر غربية طرطوس بأنها مركز الصيانة وإعادة التزود الروسي الأساسي في المتوسط ، الا أن الطريق إلى طرطوس يمر فوق بحر تراقبه أوروبا ، وهذا ما يفسر اقتران حركة السفن الروسية بحركة المراقبة ”  الإيطالية والأوروبية “

فقد صعدت البحرية الإيطالية في اغسطس إلى ناقلة مرتبطة بما يسمى ” أسطول الظل الروسي ” قرب ” بانتيليريا ” الجزيرة الواقعة بين ” صقلية وتونس ” ، ضمن عملية ” إيريني ” الأوروبية لمراقبة حركة الأسلحة والنفط في المتوسط ، ثم جاءت بعد ذلك قوافل سبتمبر لتقول شيئا آخر ، وهو : ان روسيا لا تتحرك في المتوسط كما كانت تفعل قبل سنوات بل تتحرك تحت ضغط العقوبات وتحت عين الاستخبارات البحرية ، وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح الروسية والأوروبية والأمريكية مع ليبيا وسوريا وشمال أفريقيا ، والأكثر إثارة في ذلك أن بعض السفن تطفئ أجهزة ” التتبع ” ،  نعم قد يبدو الأمر تقنيا ، لكنه ” سياسي ” بامتياز ، فعندما تختفي سفينة من شاشة الملاحة لا يعني ذلك بالضرورة أنها اختفت من البحر ، فربما تكون قد اختفت فقط من الصورة التي يسمح الآخرون لأنفسهم برؤيتها

ومن ذلك تصبح تونس أكثر من مجرد نقطة جغرافية في الخبر ، حيث في سبتمبر نفسه استضافت تونس مناورات ” فينيكس إكسبرس 2026 ” بمشاركة 14 دولة بينها ” الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا وتركيا وليبيا والجزائر والمغرب ومصر ” ، في تدريبات ركزت على الأمن والتعاون البحري ، وفي الجهة المقابلة كان الحضور ” الروسي ” يتحرك في البحر نفسه ، لا مواجهة معلنة ولا حرب ، لكن شيئا يشبه اختبار الأعصاب ، فروسيا تختبر قدرتها على إبقاء خطوطها البحرية مفتوحة ، وأوروبا تختبر قدرتها على الرصد والاعتراض ، وإيطاليا تراقب الممرات التي تصل شمال أفريقيا بجنوب أوروبا ، أما ليبيا فتظل إحدى أكثر النقاط غموضا في هذه المعادلة ، خصوصا مع تنامي الوجود الروسي في شرق البلاد وتحرك سفن روسية باتجاه ” توبروك “

لذلك لا يكمن أهمية السؤال الحقيقي المطروح هنا، بـ : ماذا تفعل سفن بوتين قرب تونس؟ بل :

من يعيد رسم حدود النفوذ في المتوسط؟ ، فالسفينة الروسية التي تعبر البحر لا تحمل فقط حمولتها بل تحمل معها رسالة ايظا ، ومع كل مسار تختفي تفاصيله من أجهزة التتبع يعود المتوسط تدريجيا إلى زمن كانت فيه السفن العسكرية لا تنقل البضائع وحدها بل تنقل معها معنى القوة ، وهنا في هذا  البحر تحديدا لا تحتاج ” موسكو ” إلى احتلال شاطئ جديد كي تقول إنها ما زالت موجودة ، فيكفي أن تمر سفنها في المكان الذي يعرف الجميع أنه تحت المراقبة

وبين ” تونس وصقلية ” يبدأ البحر في الكلام ، ليبقى السؤال مفتوحا ، في : هل عادت روسيا إلى المتوسط لتثبت أنها لم تغادره أصلا ؟ أم أن موسكو تبحث عن خريطة نفوذ جديدة بعدما تغيرت خريطة المنطقة بأكملها ؟ .

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock