تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

غربة الإنسان… أم غربة الإنسانية؟

رشيد ج. مينا

في الغربة نعيش الوطن، وفي الوطن نعيش الغربة.

إنها مفارقة تختصر جانبًا من الحالة الإنسانية الباحثة عن وجودها بين الخيال والواقع، بين ما تختزنه الذاكرة من صور وأحلام وآمال، وما تصطدم به في واقع الحياة من تناقضات وخيبات وانكسارات.

نغادر الوطن فنحمله معنا أينما حللنا، نستحضره في وجوه من نحب، وفي تفاصيل طفولتنا وشبابنا، وفي الشوارع والأحياء والبيوت التي شهدت أفراحنا وأحزاننا. نراه في خيالنا كما عرفناه، وربما كما تمنينا أن يكون، ونظل نبحث عنه في كل مكان نذهب إليه.

ثم نعود إليه، فنكتشف أحيانًا أن المسافة التي تفصلنا عما نبحث عنه ليست تلك التي قطعناها في السفر، بل المسافة بين الوطن الذي يسكن وجداننا والوطن الذي نعيشه على أرض الواقع.

لكن هل الغربة هي الابتعاد عن الوطن وحسب؟ وهل يكفي أن نعود إلى الأرض التي ولدنا عليها حتى تنتهي غربتنا؟

أم أن الغربة أصبحت أوسع وأعمق، حتى بات الإنسان يعيشها في وطنه وخارجه، وفي علاقته بالجغرافيا والتاريخ والدين والانتماء والقيم والمثل العليا، بل وفي علاقته بإنسانيته نفسها؟

لقد اتسعت معاني الغربة حتى لم تعد مرتبطة بالمكان، وإنما أصبحت حالة يعيشها الإنسان حين تتسع المسافة بين ما يؤمن به وما يراه، وبين ما يأمله وما يتحقق، وبين ما يُرفع من شعارات وما يُمارس من أفعال.

فقد يعيش الإنسان بعيدًا عن وطنه، لكنه يجد في مكان إقامته احترامًا لكرامته وحقوقه وحريته، وأمانًا واستقرارًا وفرصًا للعمل والحياة، فيشعر بشيء من الانتماء إلى مجتمع لم يولد فيه.

وقد يعيش في وطنه وبين أهله، لكنه يشعر بالغربة حين يفتقد الأمن والعدالة والطمأنينة، وحين تصبح حقوقه مرهونة بالواسطة والتبعية، وحين لا يجد في مؤسسات دولته ما يحفظ كرامته ويصون إنسانيته.

وهنا تبرز مفارقة أشد إيلامًا: أن يصبح الإنسان غريبًا عن واقع يفترض أنه ينتمي إليه، وأن يجد نفسه أمام عالم يتحدث كثيرًا عن الإنسانية، لكنه لا يمنحها المكانة التي تستحقها في سلوكه وعلاقاته وصراعاته.

كم من الشعارات تُرفع باسم العدل والحق والحرية والسلام والإيمان وحقوق الإنسان!

وكم من المؤسسات والهيئات والمنظمات والمؤتمرات والمواثيق أُنشئت للدفاع عن هذه المبادئ!

وكم من الخطب والبيانات والمواقف تصدر كل يوم لتؤكد حرمة الحياة الإنسانية وكرامة الإنسان وحقه في الأمن والحرية والعيش الكريم!

لكن ماذا نجد حين ننتقل من العناوين إلى الواقع؟

حروبًا وصراعات، واحتلالًا وتهجيرًا وقتلًا ودمارًا، ومصالح تتقدم على الحقوق، وموازين قوى تتحكم في تطبيق المبادئ، ومعايير تختلف باختلاف هوية الضحية وموقع المعتدي وحسابات النفوذ والمصلحة.

تُخاض حروب تحت عناوين السلام، وتُرتكب مظالم باسم العدالة، وتُنتهك حقوق الإنسان تحت شعارات الدفاع عنها، وتُستحضر الأديان والإيمان في صراعات تتناقض ممارساتها مع قيم الرحمة والعدل وحرمة الحياة.

وليس المقصود أن المبادئ فقدت قيمتها، أو أن كل من يدافع عنها يتخذها ستارًا لمصالحه، فهناك من يحملها بإخلاص ويدفع ثمنًا في سبيلها. إنما المأساة أن تتحول المبادئ لدى بعض القوى والسلطات من غايات إنسانية إلى أدوات سياسية، وأن يصبح تطبيقها انتقائيًا، خاضعًا لموازين القوة والمصلحة.

وهنا لا يعود السؤال لماذا يشعر الإنسان بالغربة، بل كيف لا يشعر بها وهو يرى هذا التناقض الهائل بين ما بلغته البشرية من تقدم علمي وتكنولوجي ومعرفي، وبين ما لا تزال تمارسه من ظلم وعنف واستغلال؟

لقد استطاع الإنسان أن يختصر المسافات بين القارات، وأن يصل إلى الفضاء، وأن يطور وسائل الاتصال والطب والصناعة والإنتاج، وأن يفتح آفاقًا غير مسبوقة للمعرفة والذكاء الاصطناعي.

لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في اختصار المسافة بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولا في جعل العدل والرحمة والكرامة مرجعية ثابتة تحكم علاقات الأفراد والمجتمعات والدول.

فهل المشكلة في عجز الإنسان عن إدراك القيم الإنسانية، أم في تغليب المصالح والسلطة والقوة عليها؟ وهل أصبحت الإنسانية غريبة عن العالم الذي صنعه الإنسان، أم أن الإنسان هو الذي أبعدها عن واقع حياته؟ ولعل الغربة عن التاريخ والدين والانتماء لا تقل خطورة عن الغربة الجغرافية.

فما قيمة أن نتغنى بتاريخ حضاري عظيم، إذا لم نستطع أن نستخلص منه ما يعيننا على بناء حاضر يليق بنا ومستقبل يليق بأجيالنا؟ وما قيمة أن نرفع رايات الإيمان، إذا غابت عن سلوكنا الرحمة والعدل والصدق واحترام كرامة الإنسان؟

وما قيمة أن نعلن تمسكنا بالانتماء الوطني، إذا لم نترجم ذلك إلى شعور بالمسؤولية المشتركة، وإلى استعداد للدفاع عن حقوق جميع أبناء الوطن، بعيدًا عن الانقسامات المذهبية والطائفية والسياسية؟

إن الغربة الحقيقية قد تبدأ حين تتحول الانتماءات من روابط تجمع الناس إلى حدود تفصل بينهم، وحين تصبح القيم التي يفترض أن توحدهم أدوات للصراع والتنازع والاستقواء. ولو عدنا من هذا الأفق الإنساني الواسع إلى واقعنا في لبنان، لوجدنا الغربة حاضرة بكل معانيها، وربما بأشد صورها تناقضًا وإيلامًا.

فنحن في وطن نحبه ونعشق أرضه وتاريخه، ونحمل في وجداننا صورته التي نتمناها، لكننا نعيش منذ عقود في واقع تتسع فيه المسافة بين الدولة والمواطن، وبين القرارات وتنفيذها، وبين الوعود والوفاء بها، وبين المأمول والمنجز.

كم من قرارات صدرت، وكم من خطط أُعلنت، وكم من عهود قُطعت، وكم من خطابات تحدثت عن الإصلاح والإنقاذ وبناء الدولة واستعادة الثقة!

لكن المواطن لا يقيس نجاح الدولة بعدد القرارات ولا بجمال البيانات، وإنما بما يتحقق في حياته من أمن وعدالة وتعليم وطبابة وكهرباء ومياه وفرص عمل وحقوق مصونة وقضاء مستقل.

فأي معنى لقرار لا يجد طريقه إلى التنفيذ؟ وأي قيمة لوعد يتكرر من دون وفاء؟ وأي ثقة يمكن أن تنشأ بين المواطن ومؤسسات الدولة حين تصبح المسافة بين الإعلان والإنجاز جزءًا من الحياة اليومية؟

والأخطر أن يعتاد المواطن هذه المسافة، وأن يتكيف مع غياب ما يفترض أن يكون حقًا له، فيبحث عن البدائل بنفسه أو لدى الزعيم والطائفة والحزب، فتتحول حقوق المواطنة إلى خدمات ومنن، ويتحول الانتماء إلى علاقة حاجة وتبعية.

عندها يصبح الإنسان غريبًا عن دولته، وتصبح الدولة غريبة عن الوظيفة التي وُجدت من أجلها. لكن الغربة في لبنان لا تقف عند حدود العلاقة بين الدولة والمواطن، بل تمتد إلى العلاقة بين اللبنانيين أنفسهم، وإلى مفهوم الوطن الواحد والمصير المشترك.

ولعل من أشد صور هذه الغربة أن يصبح الاعتداء الإسرائيلي على لبنان، واحتلال جزء من أرضه، وما يتعرض له بعض أبنائه من قتل وتهجير ودمار، وكأنه شأن يخص فئة أو طائفة أو منطقة دون سائر اللبنانيين.

كيف يمكن أن تكون الأرض وطنًا للجميع، ثم يصبح الاعتداء على جزء منها قضية بعضهم وحدهم؟ وكيف ننشد جميعًا للوطن والعلى والعلم، بينما تتفاوت مشاعرنا ومواقفنا تجاه ما يصيب أرضه وأبناءه، تبعًا للانتماء السياسي أو المذهبي أو الموقف من هذا الطرف أو ذاك؟

إن الاختلاف حول السلاح وقرار الحرب والسلم، وحول السياسات التي أوصلت لبنان إلى ما يعانيه، حق مشروع، بل ضرورة في أي مجتمع يريد بناء دولة حقيقية.

لكن الاختلاف حول الوسائل والمسؤوليات لا ينبغي أن يتحول إلى اختلاف حول حق الوطن في السيادة، أو إلى تبرير للاعتداء عليه، أو إلى لامبالاة بمعاناة بعض أبنائه.

فالأرض المحتلة ليست أرض طائفة، والسيادة ليست حق فئة، والكرامة الإنسانية لا تتبدل باختلاف المذهب أو المنطقة أو الموقف السياسي. وليست هذه المفارقة جديدة في تاريخ لبنان.

فإذا عدنا إلى مرحلة الوجود الفلسطيني المسلح، وجدنا أن قضية فلسطين، بما تحمله من أبعاد إنسانية ووطنية وقومية، دخلت في حسابات الصراع الداخلي اللبناني، واكتسب الموقف من السلاح الفلسطيني أبعادًا سياسية وطائفية واضحة.

فقد رأت فيه قوى لبنانية امتدادًا للنضال الفلسطيني ولمواقفها السياسية، بينما رأت فيه قوى أخرى تهديدًا لسيادة الدولة والتوازنات الداخلية، وتداخلت تلك المواقف مع صراعات السلطة والإصلاح والتدخلات الإقليمية. ولم تكن الانقسامات يومها مطابقة تمامًا للحدود الطائفية، كما لم تكن مواقف اللبنانيين من عدالة القضية الفلسطينية واحدة مع مواقفهم من وجود السلاح الفلسطيني على أرضهم.

لكن النتيجة كشفت عجزًا عن الوصول إلى مرجعية وطنية جامعة، تميز بين عدالة القضية الفلسطينية وبين حق الدولة اللبنانية في سيادتها وقرارها. وها نحن، بعد كل ما مر على لبنان من حروب واحتلالات ووصايات وانقسامات، نواجه وجوهًا من الإشكالية نفسها، وإن اختلفت الظروف والأطراف.

فهل كُتب علينا أن نبقى مختلفين حول من يملك حق الدفاع عن الوطن، إلى حد نكاد نختلف فيه على أن الوطن كله يستحق الدفاع عنه؟

وهل يجوز أن يتحول رفض الاحتلال والعدوان إلى شعار فئة، كما يتحول مطلب قيام الدولة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم إلى شعار فئة أخرى، مع أن الأمرين ينبغي أن يكونا من الثوابت المشتركة لجميع اللبنانيين؟

إن الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله، ورفض الاحتلال والعدوان عليه، واستكمال بناء الدولة ومؤسساتها وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيدها، ليست مشاريع متناقضة في جوهرها، ولا ينبغي أن تكون موضوع مقايضة بين اللبنانيين. بل هي مسؤوليات متلازمة لا يستقيم مشروع الوطن من دونها.

وهنا تتجلى الغربة بأشد معانيها:

أن نعيش على أرض واحدة، ونحمل هوية وطنية واحدة، لكننا نعجز عن الشعور بأن ما يصيب أي جزء من الوطن أو أي فئة من أبنائه يصيبنا جميعًا.

إن الوطن لا يتجزأ في الجغرافيا وحدها، بل قد يتجزأ في الوجدان، وحين يحدث ذلك تصبح استعادة وحدته أصعب من استعادة أرضه. ومع ذلك، لا أعتقد أن الغربة قدر محتوم، ولا أن الإنسان محكوم بالبقاء أسير التناقض بين ما يؤمن به وما يعيشه.

فإذا كانت الغربة قد امتدت من المكان إلى الانتماء، ومن الوطن إلى الدولة، ومن القيم إلى الممارسات، فإن العودة منها لا يمكن أن تبدأ من الجغرافيا وحدها.

إن العودة من الغربة تبدأ بالعودة إلى الإنسانية، إلى معانيها وجوهرها، وإلى الرسالة التي أرادها الله، خالق السماوات والأرض، من وجود الإنسان فيها.

فالإنسان لم يُخلق ليكون مجرد أداة في صراعات الآخرين، ولا رقمًا في حسابات السلطة والاقتصاد، ولا تابعًا تُصادر إرادته باسم الدين أو الوطن أو المصلحة العامة.

إن الإيمان بالله ينبغي أن ينعكس رحمة وعدلًا وصدقًا ومسؤولية واحترامًا لكرامة الإنسان وحرمة حياته، وأن يكون دافعًا إلى عمارة الأرض وإصلاحها، لا إلى استباحتها وإشاعة الظلم والعداوة فيها.

ولا يكفي أن نتحدث عن هذه القيم أو نعلن التزامنا بها؛ فحقيقتها تُقاس بما نمارسه في علاقاتنا، وبما نبنيه من مؤسسات، وبما نوفره للإنسان من حقوق وفرص وحياة كريمة.

وليست العودة إلى الإنسانية دعوة للانفصال عن التاريخ أو الدين أو الهوية الوطنية، وإنما دعوة إلى استعادة جوهرها، وتحريرها من الاستغلال والتعصب والتوظيف في صراعات السلطة والمصالح.

كما أنها ليست حنينًا إلى ماضٍ خالٍ من الظلم والحروب، فالتاريخ الإنساني لم يعرف مثل ذلك الماضي، وإنما هي مسؤولية مستمرة عن الحاضر والمستقبل.

وفي لبنان، تبدأ هذه المسؤولية بإعادة الاعتبار إلى مفهوم الوطن المشترك، وإلى الدولة التي تستمد شرعيتها من إرادة مواطنيها الحرة، وتحمي أرضها وسيادتها، وتصون حقوقهم وحرياتهم، وتخضع فيها السلطة للقانون والمحاسبة، ولا يكون فيها المواطن محتاجًا إلى حماية زعيم أو طائفة ليحصل على حقه.

وتبدأ كذلك بإدراك أن الاختلاف في الرأي والانتماء لا يلغي وحدة المصير، وأن كرامة الإنسان لا يجوز أن تكون انتقائية، وأن حب الوطن لا يُختبر في الأناشيد والخطابات وحدها، بل في المواقف والممارسات، وفي الشعور بمسؤوليتنا عن بعضنا بعضًا.

فالعودة من الغربة لا تتحقق بمجرد أن يعود المغترب إلى وطنه، ولا بأن يعود الوطن حاضرًا في ذاكرته وأحلامه.

إنها تتحقق حين يجد الإنسان في وطنه ما يحفظ كرامته، وفي دولته ما يصون حقوقه، وفي مجتمعه ما يجسد قيم التعاون والرحمة والعدل، وفي انتماءاته ما يعزز إنسانيته بدل أن يعزله عن الآخرين.

وحين تتقارب المسافة بين القول والفعل، وبين الوعد والوفاء، وبين المبادئ والممارسة، وبين المأمول والمنجز.

عندها فقط يمكن أن نبدأ رحلة العودة الحقيقية.

فليست غربتنا الكبرى أننا ابتعدنا عن أوطاننا، بل أن نبتعد عن المعاني التي تجعل من الأرض وطنًا، ومن المجتمع شراكة إنسانية، ومن الدولة ضمانة للحقوق، ومن الإيمان رسالة رحمة وعدل.

وليست العودة أن نستعيد المكان وحده، بل أن نستعيد الإنسان؛ لأن الوطن الذي تغيب عنه الإنسانية قد يصبح غربة لأبنائه، أما الوطن الذي تصان فيه كرامة الإنسان، فهو الوطن الذي يستحق أن نعود إليه، وأن نبقى فيه، وأن نبنيه للأجيال القادمة.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock