تخطي إلى المحتوى الرئيسي
35,528 مشاهدة
بقلم: مارون سامي عزّام
الخوف هو الحلقة المفقودة في هذه الانتخابات، فقرّر نتنياهو أن يجعلها ضمن حملته الدّعائيّة. وهو معروف بهوسه، منذ عشر سنوات وأكثر، بنشر “جريدة الهلع” التي يصدرها منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا، بشكل فصلي، أو حسب مزاجه العام، فأرفقَ بها ملحق سرديّات مخاوفه، الذي يصف تصريحاته المرعبة، بما يتعلّق بعودة الحرب مع إيران… أو الخوف من عودة “اليسار المحتار”… أو خوفه الأكبر من سماعه صوت صولجان انتهاء مستقبله السياسي، لصالح كتلة “المفرفطين”… عفوًا، التغيير.
في عهد نتنياهو، أصبح الخوف عقيدته، فانطبعت في عقول سكّان الدولة، الذين يرون أن الأمل الوحيد بالتخلُّص من حكمه، هو الخلاص الانتخابي القادم. هناك جيل كامل وُلِد ولم يعرف إلّا بيبي نتنياهو رئيسًا للحكومة، ورسّخ صورته بوصفه “منقذ إسرائيل” من تهورها، ليقنعهم بالتصويت له، دعمًا لاستمرار مُلكِهِ. منذ عودته القويّة إلى الحُكم عام 2022، صدَّر كميّات كبيرة من حبوب الرعب المخدّرة إلى أعداء إسرائيل المرابطين عند الحدود، وبالأخص حركة حماس، مُعتقدًا أنّها قد ارتدعت منها، ولن تجرؤ على مهاجمة الدولة.
لقد شعر نتنياهو بالاطمئنان الأمني والهدوء العسكري، إذ اعتقد أنّ الأمور في غزّة تحت السيطرة، رغم سلسلة التحذيرات الاستخباراتيّة الداخليّة والخارجيّة التي تلقّاها… ولكنه بقي متغافلًا، إلى حين وقوع أحداث السابع من أكتوبر عام 2023، التي غيّرت رؤيته كلّها، فجعل القضاء على حكم حماس أولويّة عليا لديه، ولم يتراجع عن تنفيذها، طالما أنه “يتباهى” بقوة الجيش الأسطوري!!
استيقظ الجيش العرمرم من أنقاض التقهقر، وشنّ حربه على غزّة وكافّة الجبهات بلا هوادة، فاعتقد أنّه حقّق بنك أهدافه المفلس من أيّ نصر، ما عدا النصر الإعلامي الساحق الذي افتخرت به حكومة اليمين المتطرّفة، فهي التي أثارت الذُّعر في منطقة الشرق الأوسط، حتّى نبذها العالم، وشجب سياساتها القمعيّة في المنطقة، وكذلك في الضفّة الغربيّة المحتلّة.
بقاء حماس في الحكم يتيح لنتنياهو توجيه الضّربات القاصمة لها في حال تماديها، رغم وجود مجلس السّلام الدّولي الذي أقامه ترامب في كانون الثاني من هذا العام، لحل النّزاعات، خارج إطار الأمم المتحدة، ولكن نتنياهو نزع منه فتيل شرعيته، لأنه فُرِضَ عليه بالقوّة، لذلك دائمًا ينتابه القلق والشّك من الحلول المعروضة عليه، فإذا لم يكن طرفًا فيها، يبدأ بالبحث بين أوراقها عن دعّامة تكفل بقاء حكومته. بعد الجلسة الافتتاحيّة، لم ينعقد مجلس الاستسلام لإسرائيل ثانيةً لأنه ليس هناك رقابة على إدارة شؤون غزّة.
كلّما شعرت إسرائيل بضيق نفس دولي، جرّاء بطشها الإقليمي، حالًا يختبئ وزراء الحكومة خلف مقولتهم الشهيرة: “العالم كلّه ضدنا”. هذا غير صحيح، بل هو ضد الاحتلال الذي حوّل الأراضي الفلسطينيّة إلى دويلات استيطانيّة، لقطع التواصل الجغرافي، هكذا يمنعون إقامة الدولة الفلسطينيّة، التي في حال أصبحت واقعًا ملموسًا، ستُغطّي بُقَع الخوف وجوههم.
هناك تخوّف تجاري لدى دهاقنة الاستيطان من فرض عقوبات دوليّة على منتجات قادمة من الأراضي المحتلّة، التي تحمل علامة “منتَج في المستوطنات”. الإرهاب اليهودي على اتصال مباشر بالقيادات الأمنيّة والعسكريّة، لذا يؤجّج نتنياهو خوفه منه، حتّى لا يعربد عليه المستوى السياسي. أمّا المستوطنون، فيجتاحون مناطق الضفّة بأرتال أحقادهم، ويمنعون السكّان من قطف الزيتون… لأنّ الحكومة تمنع الجيش من مواجهة المتطرّفين الناقمين على حراك الفلسطينيّين داخل بلداتهم.
شهدت عمليّة السلام محاولة بارزة لاستعادة زخمها عام 2007، في عهد إيهود أولمرت، لكنّ آليتها التفاوضيّة تعثّرت لاحقًا. ومع عودة نتنياهو إلى الحُكم، أصبح السلام بنظره محظورًا في سياساته… أصبح عبئًا استراتيجيًّا على أجندة اهتماماته، لذلك شطب عبارة “الأرض مقابل السلام”، وركّز على السلام الاقتصادي مع “حبايبو” دول الخليج. ما زال التاجر العقاري ترامب عرّاب الصفقات… عفوًا الاتفاقات الإبراهيميّة. الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد على التصدير، فمن المهم أن تحافظ إسرائيل على استعداد العالم للتجارة معها.
كان نتنياهو نشيطًا في رفع أسهم نجاحه السياسي داخليًّا، إثر ارتفاع أرباح بورصة سلامه الاقتصادي المدلَّل، وذلك بصفته صاحب خبرة في هذا المجال، وترك عمليّة السلام ميتةً سريريًّا، بسبب تردّده، والأفظع خوفه من اتّخاذ أيّ قرار جريء لصالح الفلسطينيين، لأنّه يرتعب تلقائيًّا من دمى اليمين التي ستغتال أيّ تحرّك سلمي لا يرضي أطماعها الاستيطانيّة.
أيّ تفكير بعقد مفاوضات، أو تسوية حدوديّة مع لبنان أو سوريا، سيكون كارثيًّا على نتنياهو “الخوّيف”، لذلك استسلم وطوى صفحة أيّ تسوية سلميّة تُخرج إسرائيل من عزلتها الدوليّة، التي فرضتها حروب الاستقلال الجديد بعد السابع من أكتوبر. وسّع نتنياهو احتلالاته لمناطق في جنوب سوريا ولبنان، لأنّ إسرائيل لا حدود ثابتة لها، فيزيل عن كاهله خوفه من طغمة اليمين.
الاحتلال سيُشكّل تهديدًا استراتيجيًّا لها، وسيُثير مخاوف أيّ رئيس حكومة قادم. والإرث الذي سيتركه نتنياهو هو تعزيز الخوف في الشعب الذي بات يتلفّت حوله، بعدما سقاه يوميًّا جرعات عالية من التوتّر، ليُنسيه قضايا فساده العالقة، ليبقى يتذكّر دومًا “أفضاله الاستفزازيّة على العالم”. يجهل نتنياهو، الحامل لمنبّه الخوف في جيب عقليته، أنّ الاحتلال سيحطّم أهمّ المقوّمات التي تمتلكها إسرائيل: التماسك الداخلي، الديمقراطيّة ومكانتها الدوليّة التي باتت في الحضيض.
قيادة نتنياهو لن تجلب الأمان لشعبه، بل إنّها تمسّ أمنه، وليس من الضروري أن تكون حماية الحدود داخل أراضي الغير، بل من خلف أسلاك المراقبة الإلكترونيّة. على إسرائيل أن تكفّ عن حماية نفسها بترهيب دول المنطقة بقوّة جيشها وصقور سلاحها الجويّ… وممنوع الاستهتار أبدًا بالخوف، فكلّما تراكم، ازداد الشعب ارتعادًا، ممّا سيُزعزع استقراره.