تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

سقوط الحياد في “جدل التنزيل”

قراءة نقدية في منهج كتاب رشيد الخيون

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

يدخل كتاب جدل التنزيل مع كتاب خلق القرآن للجاحظ للدكتور رشيد الخيون إلى الساحة الفكرية متلفعاً برداء الدراسة الأكاديمية الحيادية، ومقدماً نفسه كقراءة مراجعة تهدف إلى إعادة الاستكشاف والتنقيب في طبقات التراث الإسلامي. غير أن القارئ الفاحص، والمتأمل في أبعاد الطرح ومداراته الفكرية، سرعان ما يكتشف أن النص يتجاوز الضوابط الصارمة للعرض العلمي المنصف؛ إذ يقع في حومة الخلط المنهجي بين المقولات التاريخية لفرقة المعتزلة من جهة، وبين الاستنتاجات والتأويلات الذاتية التي يسقطها المؤلف نفسه على الأحداث والنصوص من جهة أخرى، وهو ما يفضي بالبحث إلى الوقوع في ثغرات وانزلاقات منهجية بيّنة.

وما يزيد هذا الخلل عمقاً هو الطابع الأسلوبي الذي صيغ به العمل؛ إذ يتوسل المؤلف بلغة هادئة، رصينة الظاهر، تبدو للمتلقي العابر مجردة من كل انحياز أو مأرب مسبق. غير أن هذا السكون الأسلوبي يخفي تحته إشكاليات فكرية عميقة ومباشرة، تتصادم بشكل صريح مع الثوابت العقائدية الراسخة المتعلقة بالنص القرآني الخالد, وعصمته المطلقة من أي نقصان أو تحريف.

وهنا نقف عند اهم المحطات التي توقفنا عند قراءة كتاب رشيد الخيون, وهي امور مهمة جدا:

 رأي اليومToday's Opinionاسعد عبدالله عبدعلي: سقوط الحياد في “جدل التنزيل” قراءة نقدية في منهج كتاب رشيد الخيون

  • تضخيم روايات النقص والتحريف وإسقاط السياق الموضوعي

يقف القارئ لكتاب الدكتور رشيد الخيون (جدل التنزيل) أمام منهجية تُسجل عليها مآخذ علمية وأسلوبية بارزة؛ إذ يعتمد الكاتب بشكل مفرط على استحضار روايات “النقص والتحريف” والعمل على إبرازها كأنها حقيقة مُسلّم بها أو موضع إجماع، متجاهلاً عمداً أو غفلة التحقيق العلمي الرصين, الذي أرساه محققو علماء المدرسة الإمامية عبر تاريخهم الطويل.

وفي هذا السياق، يتجاوز الكاتب المحكمات المستقرة في الفقه الإمامي، محاولاً ترويج شبهة مفادها أن القول بنقصان القرآن كان أمراً مروياً ومقبولاً في مصادر الشيعة والسنة على حد سواء. وهو بذلك يقفز على الموقف الحاسم لأعلام الطائفة، وفي مقدمتهم السيد الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن»، والذي أكد فيه بصريح العبارة صيانة القرآن الكريم المتداول بين أيدينا اليوم من أي زيادة أو نقصان، موضحاً أن ما ورد من روايات آحاد تفيد خلاف ذلك إما أنها ضعيفة السند لا يُحتج بها، أو أنها نصوص مُؤولة تتطلب فهماً عميقاً لمدلولاتها.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التشنيع على التراث الروائي الشيعي؛ حيث يسيء الخيون توظيف النصوص الواردة في الأصول الحديثية المعتمدة  ككتاب «الكافي» للكليني  ويوحي للقارئ بأن المصحف الكامل محتجب عند أهل البيت، وأن المصحف الذي بين أيدي الناس اليوم منقوص. وهذا الادعاء يرده جمهور علماء الشيعة الإمامية قاطبة، مؤكدين أن المصحف الشريف الحالي هو عين ما نزل على النبي الأكرم (ص).

أمّا ما ورد في بعض الروايات من تفاصيل، فهو لا يمس النص القرآني المتلو، وإنما يتعلق بوجوه التفسير والتأويل، أو بما جمعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) من ترتيبٍ بحسب أسباب النزول وبيان لأحكام الآيات.

  • الخلط بين “خلق القرآن” المعتزلي والرؤية العقدية الإمامية

يتتبع القارئ عبر صفحات الكتاب محاولة دؤوبة من الكاتب لسحبه نحو مقولة «خلق القرآن»، متخذًا منها ممرًا إجباريًا لا محيد عنه لتنوير العقل وممارسة التفكير الحر. ويظهر الكاتب في هذا المسار تعاطفًا جليًا وطرحًا مائلًا لنظريات المعتزلة ورؤى الجاحظ، غير أن هذا التناول يستنزل خللًا منهجيًا واضحًا عند مقاربته من منظور الرؤية الشيعية الإمامية.

يتجلى الجانب الأول من هذا الخلل في تغيب الموقف الصريح والمدون لأئمة أهل البيت (ع)؛ إذ يعرض الكتاب آراء المتكلمين والمعتزلة وكأن الفكر الشيعي يتبنى الطرح المعتزلي بحذافيره ودون تفكيك.

والحال أن النصوص المأثورة عن الأئمة (ع) كما وثقها المحدثون كالشيخ الصدوق في كتابيه «الأمالي» و«عيون أخبار الرضا» قد حسمت النزاع المذهبي والجدل البيزنطي الذي استنزف الطاقات الفكرية في ذلك العصر. فقد قرر الأئمة قاعدة عقدية دقيقة مفادها أن القرآن «ليس بخالق ولا مخلوق، بل هو كلام الله عز وجل»، لتنزيه النص الإلهي عن صفات الحوادث والمخلوقات، ولقطع دابر الفتنة المدرسية؛ وهو بعُد عقائدي ودقيق أغفل الكاتب إبرازه واستيعابه بعمق.

أما الجانب الآخر، فيتمثل في النزعة الوضعية التي اعتمدها الكاتب في تفسير ظاهرة الوحي الإلهي؛ إذ يحاول إضفاء قراءات مادية أو أنثروبولوجية على كيفية نزول القرآن وتلقي النبي (ص) له، في محاولة لسلب الهيبة الغيبية والقداسة الإلهية عن النص وإرجاعه كليًا إلى ظروف سياقية وبيئية بحتة. وتتصادم هذه المقاربة بشكل مباشر مع العقيدة الإمامية الراسخة التي تجزم بأن القرآن الكريم وحي إلهي مطلق، منزه عن أوهام التأويل البشري أو التفكيك المادي الذي يفرغه من حقيقته الغيبية واتصاله المباشر بالسماء.

  • الانتقائية في قراءة التاريخ وتهميش الدور الحقيقي للامام علي (ع)

يأخذنا الكتاب في محطة أخرى لاستعراض تاريخ جمع القرآن وتوحيد المصاحف في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وهنا يقع الكاتب في مطبات منهجية وتاريخية تجعل سرده بعيداً عن الإنصاف العلمي والموضوعية المطلوبة.

وتتجلى المحطة الأولى في تهميشه الواضح لمصحف الإمام علي بن أبي طالب (ع)؛ فبالرغم من إشارة الكاتب السريعة والعابرة إلى قيام الإمام بجمع القرآن بعد وفاة النبي (ص)، إلا أنه تعمد التقليل من شأن هذه النسخة المباركة وساواها بسائر المصاحف الأخرى التي اعتراها الاضطراب. متجاهلاً حقيقة أن مصحف الإمام علي (ع) كان يمثل النسخة التوقيفية الكاملة، المشتملة على ترتيب النزول الصحيح، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول الموثقة، وهو كنز معرفي تم تغيبه سياسياً لحسابات السلطة المركزية التي أرادت فرض مصحف موحد يخدم سيطرتها وإدارتها للدولة.

أما المحطة الثانية، فتتمثل في نزوع الكاتب نحو تبرير إجراءات حرق المصاحف وإلغاء القراءات الأخرى المتعددة، متذرعاً بضرورة الحفاظ على وحدة الأمة. وفي زحمة هذا التبرير، يتغاضى الكاتب عن الاحتجاجات العنيفة والمواقف الرافضة التي أبداها كبار الصحابة, كعبد الله بن مسعود وأهل العراق, المواقف التي تدين مصادرة التنوع في القراءآت السبع المشروعة, عبر حديث الأحرف السبعة، ليكون المردود في النهاية فرض قراءة لغوية واحدة تخدم أطر السلطة الحاكمة وتطلعاتها السياسية يومئذ.

  • ختاما:

 نصل في ختام هذه القراءة إلى النتيجة الحتمية التي يخرج بها القارئ الفاحص لكتاب «جدل التنزيل» للدكتور رشيد الخيون؛ فبالرغم مما يبذله الكتاب من جهد توثيقي ظاهر في استعراض المخطوطات والمنقولات التاريخية، إلا أنه يسقط في انحراف منهجي خطير. يتمثل هذا الانحراف في محاولة التعسف بإسقاط المفاهيم العقلانية المعتزلية, وفي بعض الأحيان المتطرفة, على التراث الإسلامي بشموله، فضلاً عن تعميم روايات آحاد ضعيفة أو منقطعة لإرباك القارئ وزراعة الشكوك حول سلامة النص القرآني الخالد.

ومما يكرس هذه الخاتمة، أن هذا الطرح ليس سوى إعادة تدوير لشبهات قديمة أُلبست ثوب البحث الأكاديمي المعاصر؛ إذ جرى تناولها بعيداً عن المنهج العلمي الاستقرائي الدقيق الذي يوازن بين أصالة النص القرآني وسلامته الحتمية، وبين حصانة التراث الروائي الصحيح الذي يتولى تنقية السير والآثار مما علق بها عبر التاريخ من إسرائيليات ونصوص موضوعة.

كذلك الكتاب عمل على توظيف التاريخ المعقد لمسألة جمع القرآن, والتركيز المكثف على الخلافات الشكلية وتعدد القراءات القديمة, بغية الحجب والصرف للأنظار عن القيمة التشريعية والروحية العظمى للنص الإلهي المحفوظ بين الدفتين.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock