مقالات رأي
بين الوعود والشلل: الأمم المتحدة في عامها الحادي والثمانين

بقلم الأستاذ الدكتور محمد حسين *
في الرابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر عام 1945، دخل ميثاق الأمم المتحدة حيّز النفاذ رسميًا، بعد التصديق عليه من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومن غالبية الدول الموقّعة عليه. وقد وُلدت هذه المنظمة من بين أنقاض الحرب العالمية الثانية التي لم تكن نيرانها قد خمدت تمامًا، ومن رحم الانهيار المؤسسي المأساوي لعصبة الأمم. ومع ذلك، لم يُقدَّم تأسيسها يومًا بوصفه علاجًا سحريًا لمآسي البشرية أو حلًا شاملًا لمشكلاتها. وكما قال الدبلوماسي السويدي الأسطوري داغ همرشولد، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، في عبارته الشهيرة: «لم تُنشأ الأمم المتحدة لتأخذ البشرية إلى الجنّة، بل لتنقذها من الجحيم».
وبعد واحد وثمانين عامًا، لم تعد هذه الذكرى مجرّد مناسبة بروتوكولية تستحضر أمجاد الدبلوماسية الماضية، بل أصبحت محطة فكرية ملحّة تفرض علينا تجاوز المظاهر الاحتفالية والخطابات الرسمية، والانتقال إلى تقييم موضوعي لمؤسسة تعيش مفارقة استثنائية: فهي لا غنى عنها في أداء وظائفها اليومية على امتداد العالم، لكنها تعاني، على نحو مأساوي، من العجز والشلل عند أعلى مستويات القرار السياسي فيها.
إن اهتمام الرأي العام وتعليقات وسائل الإعلام ينصرفان، في الغالب، إلى المواجهات الصاخبة داخل قاعة مجلس الأمن، حيث تتصادم المواقف وتُستخدم الفيتوات وتتعطّل القرارات. غير أن هذا التركيز الضيّق يحجب عن الأنظار المجال الذي تتجلّى فيه عبقرية الأمم المتحدة الحقيقية والأكثر رسوخًا. فبعيدًا عن عدسات الكاميرات المتوهّجة والمسرح السياسي الذي تصنعه الاعتراضات، نجحت المنظمة، بهدوء وعلى مدى عقود، في بناء البنية التأسيسية للحياة الحضارية الحديثة.
فمن خلال العمل الدؤوب والمنهجي للجنة القانون الدولي واللجنة السادسة التابعة للجمعية العامة، أسهمت الأمم المتحدة في تحويل القانون الدولي من منظومة مجزّأة، تتنازعها الأعراف الثنائية والممارسات ذات الطابع الإمبراطوري، إلى نظام قانوني عالمي شامل يسعى إلى توحيد القواعد الناظمة للعلاقات بين الدول. وقد أرست اتفاقيات دولية رائدة، من بينها اتفاقيتا فيينا لعامي 1961 و1963 بشأن العلاقات الدبلوماسية والعلاقات القنصلية، واتفاقية فيينا لعام 1969 لقانون المعاهدات، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، قواعد واضحة للتعامل بين الدول، بما يحدّ من احتمالات الانزلاق إلى الفوضى في العلاقات الدولية.
وحين تطلّعت البشرية إلى الفضاء الخارجي، كانت الأمم المتحدة حاضرة أيضًا، واضعةً الأسس القانونية للإدارة الجماعية للأنشطة البشرية في هذا المجال، من خلال معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967. وهي تواصل، حتى اليوم، تطوير القواعد والمعايير الدولية المتعلقة بحماية البيئة ومواجهة التحديات المستجدة على الحدود الغامضة والمتسارعة للتكنولوجيا والفضاء السيبراني.
غير أن هذه المنظومة القانونية المتينة كانت ستبقى، إلى حدّ بعيد، إطارًا نظريًا لولا الشبكة الواسعة من الوكالات المتخصصة التي تؤدي دور الجهاز العصبي المركزي غير المرئي لكوكبنا المترابط.
فقلّما يتوقف المواطن العادي للتفكير في أن الإشارات غير المرئية التي تتيح الاتصالات الفورية عبر الحدود، أو تمكّن البيانات من الانتقال عبر الإنترنت، تعتمد اعتمادًا أساسيًا على تخصيصات الطيف الترددي التي يديرها الاتحاد الدولي للاتصالات. والأقل إدراكًا أن الطائرات التجارية، حين تعبر الأجواء الأجنبية، والسفن التي تجوب الممرات البحرية الدولية، تعمل وفق منظومة دقيقة من معايير السلامة والأمن والحماية البيئية التي وضعتها المنظمة الدولية للطيران المدني والمنظمة البحرية الدولية.
ومن حماية التراث الإنساني المشترك وتعزيز تكافؤ الفرص في التعليم، وهي من أبرز مجالات عمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إلى رصد الأمراض ومتابعة انتشارها عالميًا عبر منظمة الصحة العالمية، وصولًا إلى الجهود المتواصلة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مكافحة الفقر المدقع، تتداخل وظائف الأمم المتحدة مع تفاصيل الحياة اليومية للبشر في كل ساعة من ساعات اليوم، وفي كل يوم من أيام السنة.
ولو اختفت هذه البنية المؤسسية المعقّدة غدًا، لتفككت سلاسل الإمداد العالمية على الفور، وتوقفت الرحلات الجوية الدولية، وتحولت الاتصالات إلى ضجيج متقطّع، وانتشرت الأوبئة العابرة للحدود من دون رقابة أو تنسيق فعّال. وهذه الحقيقة تكشف أن أهمية الأمم المتحدة لا تقتصر على ما يصدر عنها من قرارات سياسية، بل تمتد إلى شبكة واسعة من الوظائف القانونية والتقنية والإنسانية التي تجعل استمرار الحياة الدولية المنظمة أمرًا ممكنًا.
ومع ذلك، يقابل هذا النجاح التقني الهادئ سجلّ سياسي مثقل بخيبات الأمل العميقة. فالخلل الدستوري الجوهري في بنية الأمم المتحدة يكمن في الفصل السابع من ميثاقها، الذي ينظّم التدابير المتعلقة بالتهديدات التي يتعرض لها السلم والأمن الدوليان، ويمنح مجلس الأمن صلاحيات واسعة لاتخاذ إجراءات إنفاذ جماعية، ضمن بنية سياسية تخضع لحق النقض، أو «الفيتو»، المنصوص عليه في المادة 27، الفقرة الثالثة، من الميثاق.
وقد صيغ هذا الترتيب المؤسسي ليعكس موازين القوى الجيوسياسية القائمة عام 1945، حين اعتُبر توافق الدول الكبرى شرطًا أساسيًا لاتخاذ إجراءات جماعية حاسمة. وعندما تحقق هذا التوافق، تمكّنت المنظمة من تحقيق إنجازات استثنائية؛ إذ أدّت دورًا محوريًا في إنهاء الاستعمار، واستقبلت عشرات الدول التي نالت استقلالها وسيادتها ضمن أسرة الدول، وأسهمت في إرساء حركة حقوق الإنسان الدولية من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. كما طوّرت أداة نبيلة لحفظ السلام، تمثّلت في إرسال قوات حفظ السلام، المعروفة بالخوذ الزرقاء، لاحتواء النزاعات وتهيئة الظروف اللازمة لترسيخ سلام هشّ في مناطق مثل قبرص وناميبيا وتيمور الشرقية.
لكن المأساة تكمن في أن البنية ذاتها التي أتاحت هذه الإنجازات تضمن، عند تصادم مصالح القوى الكبرى، شللًا قد تكون عواقبه كارثية. فقد تحطّمت ضمائر العالم أمام صمت مجلس الأمن وعجزه خلال الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، والمجزرة التي شهدتها سربرنيتسا عام 1995. وفي واقعنا المعاصر، تفاقم هذا الشلل حتى تحوّل إلى اختلال وظيفي مكشوف في آليات العمل الدولي.
فقد كشفت الإخفاقات المتكررة في التعامل مع المأساة السورية المستمرة، والهجوم العسكري على أوكرانيا، والقتل والدمار الكارثيين والانهيار الإنساني في قطاع غزة، عن واقع مرير يتمثّل في إفلات القوى الكبرى من المساءلة. وعندما تتعامل الدول دائمة العضوية مع القانون الدولي الإنساني باعتباره أداة خطابية اختيارية، بدلًا من الالتزام به بوصفه واجبًا قانونيًا لا يجوز انتهاكه، فإن السلطة الأخلاقية والقانونية للمنظومة الدولية برمّتها تتآكل أمام أعيننا، ويجد المواطنون العاديون أنفسهم أمام سؤال مقلق: هل كان النظام الدولي القائم على احترام القواعد مجرّد وهم؟
إن هذا الإخفاق السياسي المتكرر ليس حادثًا إداريًا عابرًا، بل هو نتيجة حتمية لبنية دستورية جامدة توقّفت عن مواكبة التحولات التاريخية. فتركيبة مجلس الأمن لا تزال أشبه بأحفورة حيّة من عالم إمبراطوري لم يعد قائمًا، إذ تمنح امتيازات مطلقة لخمس عواصم، في حين تحرم أفريقيا وأميركا اللاتينية تمامًا من التمثيل الدائم، وتتجاهل قوى سكانية واقتصادية كبرى، مثل الهند والبرازيل واليابان وألمانيا.
ويزداد هذا الجمود البنيوي تعقيدًا بفعل ممارسات متكررة من الضغط المالي، حين تحجب بعض الدول الأعضاء الرئيسية مساهماتها المالية أو تمتنع عن سداد مستحقاتها بهدف التأثير في سياسات المنظمة وتوجيه قراراتها. ويضاف إلى ذلك جهاز إداري متشعّب ومعقّد، يحتاج إلى إصلاحات جادة تعزّز المساءلة، وتبسّط الإجراءات، وترفع كفاءة الأداء.
وعلى مدى العقود الماضية، رسم فقهاء القانون الدولي والدبلوماسيون مسارات معقولة للإصلاح، تضمّنت مقترحات واعدة، من بينها توسيع عضوية مجلس الأمن الدائمة وغير الدائمة على أسس إقليمية أكثر إنصافًا، وإضفاء طابع مؤسسي على المبادرة الفرنسية المكسيكية الداعية إلى الامتناع الطوعي عن استخدام حق النقض عند وقوع جرائم الفظائع الجماعية، فضلًا عن تعزيز دور الجمعية العامة من خلال تفعيل قرار «الاتحاد من أجل السلام» كلما وصل مجلس الأمن إلى طريق مسدود.
غير أن أي تقييم قانوني واقعي لهذه الإصلاحات لا بدّ أن يصطدم بعقبة بالغة الصعوبة. فبموجب المادتين 108 و109 من ميثاق الأمم المتحدة، يتطلب تعديل الميثاق موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، ثم التصديق عليه وفقًا للإجراءات الدستورية الوطنية لدى ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، على أن تشمل هذه التصديقات جميع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.
ومن ثمّ، فإن توقّع أن تتخلّى دول تمتلك ورقة ضغط جيوسياسية حاسمة عن امتيازاتها طوعًا، ليس سوى ضرب من التمنّي الذي يتعارض مع أبسط مبادئ الواقعية السياسية التقليدية. ففي المشهد الدولي الراهن، الذي تمزّقه المنافسة الاستراتيجية العميقة بين الولايات المتحدة والصين، والنزعة الروسية إلى استعادة النفوذ والمكانة اللذين فقدتهما، والتراجع العالمي نحو تحالفات إقليمية ومحدودة العضوية، مثل الحوار الأمني الرباعي «كواد»، وتكتل «بريكس بلس»، والشراكة الأمنية الثلاثية «أوكوس»، يبدو التوصل إلى إعادة تفاوض دستورية شاملة بشأن ميثاق الأمم المتحدة أمرًا شبه مستحيل في المستقبل المنظور.
وبدلًا من ذلك، يُرجّح أن يتخذ التطور الواقعي للأمم المتحدة مسارات جانبية وغير رسمية، بعيدًا عن التعديلات الدستورية الكبرى. وسيجري هذا التطور من خلال بناء المعايير الدولية عبر تحالفات وأغلبيات شجاعة داخل الجمعية العامة، والآراء الاستشارية المتقدمة التي تصدرها محكمة العدل الدولية، والتوسع التدريجي والهادئ في أدوار الوكالات المتخصصة، التي تواجه تحديات لا تعترف بالحدود، مثل الذكاء الاصطناعي، والهجرة الناجمة عن التغير المناخي، والأوبئة العالمية.
وتظل الأمم المتحدة، في نهاية المطاف، أداة غير مكتملة، كثيرًا ما تثير الإحباط، وتعمل داخل عالم تمزّقه الانقسامات والصراعات. لكن لا بدّ من مقاومة إغراء التخلي عنها بكل قوة، لأن انهيارها لن يفضي إلى السلام، بل إلى فوضى عالمية عارمة لا ضوابط لها.
وفي اليوم العالمي للأمم المتحدة، في ذكراها الحادية والثمانين، لا تتمثل مسؤوليتنا المهنية والأخلاقية في الانخراط في خطاب تشاؤمي يسلب المنظمة كل قيمة، ولا في الاستسلام لمديح ساذج يتجاهل عيوبها وإخفاقاتها. بل تتمثل مسؤوليتنا في الدفاع بحزم عن منجزاتها القانونية والإنسانية والتقنية التي تسهم في إبقاء عالمنا الهشّ قائمًا، بالتوازي مع المطالبة المستمرة بالشجاعة السياسية اللازمة لجعل هذه المنظمة تعكس العالم كما هو اليوم، لا العالم كما كان عام 1945.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الأمم المتحدة وغيابها، بل في كيفية الحفاظ على ما حققته من إنجازات، ومواجهة أوجه قصورها، والعمل على جعلها أكثر عدالة وفاعلية وقدرة على الاستجابة لتحديات عصرنا.
* أستاذ القانون الدولي، ومستشار قانوني، وخبير في السياسات العامة والتدريب

















