إسراء الملا… من ذاكرة الحكاية إلى خيال الطفل

08/16/2026 - 15:49 PM

Your Ad Here

 

 

فاروق غانم خداج *

ليست الحكاية الشعبية مجرد قصة قديمة نجت من النسيان، ولا مادة تصلح للترفيه في جلسة عابرة. في جوهرها، هي طريقة مجتمع ما في تذكّر نفسه: كيف عاش، وما الذي خاف منه، وما الذي حلم به، وكيف أراد أن يترك شيئًا من حكمته للأجيال التي ستأتي بعده. ولعل تجربة إسراء الملا تفتح هذه الأسئلة في قلب عمل ثقافي يتعامل مع الحكاية بوصفها ذاكرة قابلة للحياة، لا أثرًا محفوظًا في صندوق الماضي.

لفتني في إسراء الملا أولًا تنوّع أعمالها، ثم طبيعة المساحات التي اختارت أن تتحرك فيها؛ فالكتابة عندها لا تبدو منفصلة عن البحث، ولا الحكاية عن التراث، ولا أدب الطفل عن سؤال الذاكرة. وهذا التداخل هو ما جعلني أقرأ تجربتها لا بوصفها قائمة من الأعمال والنشاطات، بل بوصفها محاولة لبناء صلة حيّة بين الثقافة والإنسان.

تبدو سيرتها، في جانب منها، كأنها عودة إلى المكان الأول. فقد كانت من منتسبي «أطفال الشارقة» في طفولتها، وتصف تلك التجربة بأنها كانت بداية ارتباطها بالبرامج الهادفة. وبعد سنوات، وجدت نفسها في موقع مختلف داخل المشهد الثقافي نفسه، إذ تشغل منصب مديرة المدرسة الدولية للحكاية في معهد الشارقة للتراث. بين الطفلة التي تتلقى التجربة والكاتبة التي تسهم في صناعتها مسافة زمنية، لكنها ليست قطيعة؛ إنها أشبه باستمرار هادئ لفكرة بدأت مبكرًا ثم أخذت شكلًا مهنيًا وثقافيًا.

إسراء الملا أديبة وباحثة في اللغة العربية والتراث الثقافي، حاصلة على ليسانس اللغة العربية ودبلوم الأرشفة الإلكترونية، وتتابع دراستها للماجستير في اللغة العربية. وهذه الخلفية مهمة في قراءة تجربتها، لأن الحكاية عندها لا تقف عند حدود السرد، بل تتصل باللغة من جهة، وبالذاكرة الثقافية من جهة أخرى. وحين تصبح موضوعًا للبحث والتعليم والتدريب، فإن السؤال لا يعود: كيف نرويها؟ بل أيضًا: ماذا يبقى منها عندما نعيد روايتها؟

هنا تبرز المدرسة الدولية للحكاية باعتبارها أكثر من إطار للفعاليات. ففي برنامج «درر الحكايات وجواهرها» عام 2023، تحدثت الملا عن هدف يتمثل في تعزيز مكانة الشارقة بوصفها وجهة تراثية وإبداعية حاضنة للأفكار في مجال الحكايات وسردها. لكن قيمة هذا المشروع، في القراءة النقدية، لا تقاس فقط بما تعلنه المؤسسة عن أهدافه، وإنما بما يفعله فعليًا بالسرد الشعبي: هل ينقله إلى أجيال جديدة من دون أن يفصله عن طبيعته المتحركة؟

فالتراث، إذا بقي محفوظًا فقط، قد يتحول إلى قطعة متحفية؛ أما إذا أعيدت روايته للأجيال، فإنه يظل قادرًا على إنتاج معنى جديد. غير أن الانتقال من الذاكرة الشعبية إلى المؤسسة الثقافية يفتح في المقابل سؤالًا لا يمكن تجاهله: كيف نحافظ على أصالة الحكاية من دون أن نحولها إلى قالب جامد؟

وتزداد المسألة حساسية حين يتعلق الأمر بالطفل. فالكتاب الموجه إليه لا يستطيع أن يعتمد على النوستالجيا وحدها، لأن الطفل لا يعيش في الزمن الذي جاءت منه الحكاية. إنه يعيش في عالم سريع، بصري، ومفتوح على آلاف القصص والصور والشاشات. لذلك فإن استعادة الموروث لا تعني أن نطلب منه العودة إلى الماضي، بل أن نبحث عن الطريقة التي تجعل الماضي قادرًا على مخاطبته في حاضره.

في هذا السياق يأتي كتاب «من هنا أبدأ»، وهو من الكتب المسجلة باسم إسراء الملا، والصادر عام 2024 عن كلمن للنشر والتوزيع. والعنوان نفسه يفتح سؤالًا أكثر مما يقدم إجابة: من أين يبدأ الإنسان حين يريد أن يكتب أو يتذكر أو يعرف ذاته؟ لا نحتاج إلى تحميل العنوان أكثر مما يحتمل، لكن اختياره يلفت إلى فعل البداية، وإلى أن الكتابة قد تكون بحثًا عن نقطة انطلاق شخصية وثقافية في آن واحد.

ثم يأتي «سر سبع سنابل»، الصادر في فبراير 2026 عن معهد الشارقة للتراث، والموجه إلى الأطفال بين السادسة والتاسعة. ولا تتوافر في المصادر المفتوحة التي أمكن الوصول إليها مادة كافية تسمح بتقديم قراءة تفصيلية في أسلوب الكتاب أو اقتباس مقاطع منه، ولذلك فإن الأمانة النقدية تقتضي ألا ننسب إلى النص خصائص لم نقرأها مباشرة. لكن وضع هذا الكتاب إلى جانب عملها في الحكاية يتيح ملاحظة اتجاه يستحق التأمل: الكتابة للطفل عندها لا تأتي في مسار منفصل عن سؤال التراث، وإنما تبدو جزءًا من محاولة أوسع للبحث عن صيغة تصل بها الذاكرة إلى قارئ لم يعش زمنها.

ولعل هذا هو الاختبار الأصعب في الكتابة التراثية للأطفال. فالطفل لا يتلقى الماضي باعتباره حقيقة مكتملة؛ إنه يعيد تشكيله وفق مخيلته وحاضره. ومن ثم فإن نجاح الحكاية لا يقاس فقط بمدى أمانتها للمادة الأصلية، بل بقدرتها على إنتاج علاقة جديدة معها. هنا تصبح إعادة السرد فعلًا إبداعيًا، لا مجرد عملية نقل.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده أن إسراء الملا لا تتعامل مع الحكاية باعتبارها ملكًا للماضي وحده. ففي جلسة «الحكاية الشعبية: ذاكرة الإنسان وصوت المكان» التي أُقيمت عام 2025، وأدارتها الملا في معهد الشارقة للتراث، كان البحث في دور الحكاية الشعبية في بناء الهوية ونقل القيم من جيل إلى آخر، وفي الدور الذي أدته المرأة في حفظها ونقلها.

لكن الانتقال بالسرد الشعبي من الذاكرة إلى المؤسسة الثقافية لا يخلو من مفارقة تستحق السؤال: هل يؤدي التنظيم المؤسسي إلى حماية الحكاية أم إلى تهذيبها أكثر مما ينبغي؟ فالحكاية الشعبية في أصلها ليست نصًا مغلقًا؛ كانت تتبدل من راوٍ إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، وتحمل أحيانًا تناقضات المجتمع ومخاوفه وأوهامه. وحين تدخل المؤسسة، تصبح أكثر قابلية للأرشفة والتعليم والتقديم، لكنها قد تصبح أيضًا أكثر انتظامًا وأقل فوضى.

وهنا لا يكون التحدي في حماية الحكاية من النسيان فقط، بل في حماية قدرتها على التغير. فالحكاية التي تُحفظ حرفيًا قد تنجو بوصفها وثيقة، لكنها قد تفقد قدرتها على أن تكون حكاية. أما التي تسمح بإعادة الرواية، فإنها تخاطر ببعض التغيير، لكنها تكتسب في المقابل فرصة جديدة للحياة. وربما يكون التحدي الحقيقي أمام تجربة إسراء الملا هو الوقوف في هذه المنطقة الدقيقة بين الوفاء للموروث وحق الأجيال الجديدة في إعادة تشكيله.

ومن هنا يمكن النظر إلى تجربتها باعتبارها اختبارًا عمليًا للسؤال الذي يرافق الحكاية في زمننا: ماذا يحدث لها حين تنتقل من الذاكرة الشفوية إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى الطفل؟ في كل انتقال يتغير شيء منها؛ قد تخسر بعض عفويتها، لكنها قد تكسب قارئًا جديدًا، وقد تفقد بعض تفاصيلها الأصلية، لكنها تكتسب إمكانية الاستمرار. وهنا لا تكمن أهمية التجربة في تعداد أدوارها، بل في السؤال الذي تتركه مفتوحًا: هل نستطيع أن نحفظ الحكاية من دون أن نجمدها؟

هذا السؤال لا يخص إسراء الملا وحدها، بل يمس علاقتنا بالتراث كله. فكثيرًا ما نتحدث عن ضرورة حفظ الموروث، لكن الحفظ وحده لا يكفي. فالتراث ليس مجموعة أشياء نضعها في خزائن الذاكرة، وإنما علاقة مستمرة بين الماضي والحاضر. وإذا انقطع هذا الحوار، تحولت الذاكرة إلى أرشيف، وتحول التراث إلى عنوان بلا حياة.

وربما يكون الطفل هو الاختبار الحقيقي. فالطفل الذي يستمع إلى حكاية قديمة لا يستمع إليها بالطريقة التي استمعت إليها جدته أو أمه. إنه يضيف إليها عالمه، وصوره، وأسئلته، وربما لغته الجديدة. وإذا نجحت الحكاية في أن تترك داخله سؤالًا أو دهشة أو صورة لا ينساها، فإنها تكون قد عبرت فعلًا من الماضي إلى المستقبل.

أما ما شدّني في تجربة إسراء الملا، فهو أن تنوّعها لا يبدو تشتتًا بين الكتابة والتراث وأدب الطفل والعمل الثقافي، بل بحثًا عن سؤال واحد يتخذ أشكالًا مختلفة: كيف يمكن لذاكرة الماضي أن تجد مكانًا في وعي جيل جديد؟ وهنا تحديدًا تكمن قيمة تجربتها، لا في حفظ الحكاية كما وصلت إلينا، وإنما في اختبار قدرتها على أن تتغير من دون أن تفقد روحها.

فالحكاية التي لا تُروى من جديد تتحول إلى أثر، أما التي تجد في كل جيل صوتًا جديدًا، فتبقى ذاكرةً للمستقبل.

 

* كاتب وباحث في الأدب والفكر الإنساني

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment