إيران بعد أربعة عقود... قوة إقليمية أم مشروع استنزاف؟

08/16/2026 - 15:43 PM

Arab American Target

 

الحلقة السادسة والأخيرة من سلسلة: "إيران... بين الثورة والجغرافيا والنفوذ: كيف تشكل المشروع الإيراني؟"

 

معتز فخرالدين *

بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة نشأة المشروع الإيراني الحديث، وكيف انتقلت الجمهورية الإسلامية بعد عام 1979 من مرحلة الثورة وتصدير الأيديولوجيا إلى بناء دولة ذات طموح إقليمي واسع، ثم بحثنا في أثر التاريخ والجغرافيا في صياغة العقيدة الأمنية والإستراتيجية الإيرانية، وصولًا إلى بناء شبكة النفوذ في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وانتهاءً بمرحلة انتقال الصراع من حرب الظل إلى المواجهة المباشرة، نصل اليوم إلى السؤال الأكثر تعقيدًا:

ما الذي حققته إيران بعد أكثر من أربعة عقود؟ وما حدود هذا المشروع؟

هل استطاعت طهران أن تبني قوة إقليمية مستقلة فرضت نفسها لاعبًا أساسيًا في الشرق الأوسط؟

أم أن هذا المشروع، رغم ما حققه من مكاسب، دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها كلفة النفوذ أكبر من قدرته على إنتاج مكاسب مستقرة؟

الإجابة لا يمكن أن تكون أحادية.

فالتجربة الإيرانية تحمل عناصر قوة حقيقية، لكنها تحمل في الوقت نفسه تناقضات عميقة.

لقد نجحت إيران في الانتقال من دولة واجهت عزلة وحربًا طويلة إلى دولة تمتلك حضورًا مؤثرًا في محيطها الإقليمي. لكنها في المقابل وجدت نفسها أمام بيئة أكثر تعقيدًا، حيث أصبح الحفاظ على هذا النفوذ مرتبطًا بقدرتها على إدارة أزمات متعددة، داخلية وخارجية، في وقت تتغير فيه موازين القوة في المنطقة والعالم.

ولهذا فإن تقييم المشروع الإيراني لا يجب أن ينطلق من سؤال: هل نجح أم فشل؟

بل من سؤال أكثر دقة: ما نوع النجاح الذي حققته إيران؟ وهل تستطيع تحويله إلى استقرار طويل الأمد؟

أولًا: نجاحات المشروع الإيراني... كيف تحولت طهران إلى قوة إقليمية؟

لا يمكن إنكار أن إيران حققت خلال العقود الماضية تحولات استراتيجية كبيرة. فبعد قيام الثورة عام 1979، وجدت الجمهورية الإسلامية نفسها في مواجهة بيئة إقليمية ودولية صعبة، ثم دخلت حربًا طويلة مع العراق استنزفت قدراتها، لكنها دفعتها إلى إعادة بناء مفهومها للأمن القومي.

فبدل الاعتماد فقط على حدودها الجغرافية، اتجهت إلى بناء شبكة نفوذ خارجية تمنحها قدرة على التأثير وتمنع نقل التهديدات إلى داخلها.

ومن هذا المنطلق، تمكنت إيران من تطوير أدوات متعددة:

- علاقات سياسية وأمنية في العراق.

- تحالف استراتيجي مع حزب الله في لبنان.

- حضور طويل الأمد في سوريا خلال فترة حكم بشار الأسد.

- علاقة مع الحوثيين في اليمن.

- برنامج صاروخي وقدرات نووية متقدمة أصبحت جزءًا من معادلة الردع.

وقد نجحت هذه الاستراتيجية في تحقيق هدف أساسي بالنسبة لصانعي القرار الإيراني: منع عزل إيران وتحويلها من دولة محاصرة إلى لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه.

لكن النجاح في بناء النفوذ لا يعني بالضرورة النجاح في تثبيته، وهنا تبدأ المرحلة الأكثر تعقيدًا من تجربة المشروع الإيراني.

ثانيًا: عندما يتحول النفوذ إلى عبء... كلفة الانتشار الإقليمي

إن بناء النفوذ الإقليمي منح إيران قدرة كبيرة على التأثير، لكنه في الوقت نفسه وضعها أمام معادلة صعبة: كلما اتسعت دائرة النفوذ، اتسعت معها دائرة المسؤوليات والمخاطر. فالمشروع الذي نجح في الوصول إلى ساحات متعددة أصبح مطالبًا بإدارة هذه الساحات، والدفاع عن مصالحه فيها، وتحمل نتائج الصراعات التي تنشأ داخلها. وهنا تظهر مفارقة أساسية: الأدوات التي منحت طهران قدرة على الردع، أصبحت في الوقت نفسه مصدر تعرضها لضغوط مستمرة.

العراق

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، توسع النفوذ الإيراني سياسيًا وأمنيًا، لكنه أصبح جزءًا من نقاش داخلي حول استقلال القرار الوطني وحدود تأثير القوى الخارجية.

لبنان

شكل حزب الله إحدى أهم ركائز الاستراتيجية الإيرانية، لكنه أصبح محور خلاف لبناني واسع حول مفهوم الدولة والسيادة واحتكار القرار الأمني.

سوريا

كانت الساحة السورية أحد أعمدة المشروع الإيراني، لكن التحولات بعد سقوط نظام بشار الأسد أعادت تعريف موقع سوريا داخل التوازنات الإقليمية، وفتحت الباب أمام أدوار عربية وتركية وأميركية جديدة.

اليمن

منحت العلاقة مع الحوثيين إيران ورقة استراتيجية، لكنها ربطت الملف بصراع دولي أوسع وأمن الملاحة العالمية.

وهكذا يتبين أن النفوذ ليس مجرد امتلاك أوراق قوة، بل هو أيضًا تحمل لكلفتها.

ثالثًا: بين النفوذ والقبول... المعضلة العربية

لا يكفي امتلاك أدوات التأثير حتى تصبح الدولة جزءًا طبيعيًا من النظام الإقليمي. فالنفوذ يحتاج إلى قبول من البيئة المحيطة، لا مجرد قدرة على فرض الحضور.

وهنا تواجه إيران معضلة أساسية: عدد من الدول العربية ترى أن نفوذ إيران يمثل تهديدًا لأمنها، خصوصًا بعد هجمات مرتبطة بقوى حليفة لطهران.

السؤال الذي سيحدد مستقبل العلاقة:

هل تستطيع إيران الانتقال من سياسة بناء النفوذ إلى سياسة بناء الثقة؟

رابعًا: الفراغ العربي وصعود المشاريع المقابلة... لماذا تمددت إيران أصلًا؟

صعود المشروع الإيراني لا يمكن فهمه دون النظر إلى البيئة العربية التي تحرك فيها.

فالمنطقة شهدت:

- تراجع النظام العربي المشترك.

- ضعف عدد من الدول المركزية.

- انهيار مؤسسات إقليمية.

- غياب مشروع عربي موحد للأمن والاستقرار. وعندما يحدث فراغ في القوة، تتقدم قوى أخرى لملئه: إيران، تركيا، إسرائيل... كل منها وجد مساحة للتحرك. لكن صعود إيران لم يكن نتيجة قوتها وحدها، بل أيضًا نتيجة ضعف الآخرين.

خامسًا: الداخل الإيراني... حدود القوة الخارجية

مهما بلغ تأثير الدولة خارج حدودها، فإن قدرتها على الاستمرار مرتبطة بصلابة بنيتها الداخلية.

إيران تواجه:

- عقوبات اقتصادية واسعة.

- تضخم وتراجع القوة الشرائية.

- صعوبات في جذب الاستثمارات.

- مجتمعًا متعدد القوميات يحتاج إلى إدارة دقيقة للتنوع.

القوة الخارجية تحتاج إلى قاعدة داخلية قوية، وإلا يصبح النفوذ عبئًا بدل أن يكون مصدر قوة.

سادسًا: التحولات الدولية والثورة والدولة... السؤال الذي سيحدد مستقبل إيران

إيران تتحرك اليوم داخل نظام دولي متغير:

- إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة.

- صعود قوى دولية جديدة.

- صراعات كبرى تعيد تشكيل التوازنات.

وهنا يظهر التناقض الأكبر في التجربة الإيرانية:

التداخل بين مشروع الدولة ومشروع الثورة.

الدولة تحتاج إلى الاستقرار والبراغماتية.

الثورة تقوم على المواجهة وتغيير النظام القائم.

السؤال المصيري: هل تستطيع إيران الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة؟

الخاتمة: إيران والمنطقة أمام مرحلة إعادة تشكيل بعد أكثر من أربعة عقود، لا يمكن اختزال التجربة الإيرانية في صورة واحدة.

إيران ليست مجرد مشروع توسع، وليست فقط قوة مقاومة.

إنها دولة ذات تاريخ طويل وطموح إقليمي كبير، لكنها تواجه اليوم حدود نموذجها. فالمنطقة تتغير، والتحالفات يعاد تشكيلها، والدول تبحث عن توازنات جديدة.

مستقبل إيران لن يتحدد فقط بأدوات القوة التي تمتلكها، بل بقدرتها على التكيف مع واقع إقليمي ودولي متغير.

ومستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بما تفعله إيران، بل أيضًا بقدرة الدول العربية على بناء مشروع إقليمي قادر على ملء الفراغ.

وفي النهاية، فإن تقييم التجربة الإيرانية يحتاج إلى الابتعاد عن الأحكام السريعة، فالدول لا تُقاس بلحظة واحدة، بل بمسار طويل ومعقد.

 

كاتب وباحث سياسي

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment