مقالات رأي
الحمار الذي أشفق عليّ

بقلم: محمد ناصر
وقفتُ مستنداً إلى جدار حجري قديم على أطراف البستان، هارباً من إشعارات هاتفي الذكي التي لا تتوقف. كان في رأسي طنين لا يهدأ: التضخم، والخوارزميات، وجدول الأسبوع، وسؤال واحد ملحّ: ماذا سأتناول على العشاء؟
وتحت شجرة زيتون مباركة كان هو. يمضغ حزمة قشٍّ بوقار، ويحرّك أذنيه بإيقاع منتظم كأنه يعزف لحناً لا يسمعه غيره. نظرتُ إليه فاستفزّني هدوءه.
– «ما أسعدك! لا أقساط ولا ترقيات ولا صور محرجة يتندر بها الغرباء!»
توقف عن المضغ، وقال بصوت رصين لم أتوقعه:
– «تغبطني؟ أنا الذي أشفق عليك.»
– «تشفق عليّ؟»
– «أنا آكل لأنني حمار. هذا قدري وهذا ما خُلقتُ له. أما أنت فما عذرك؟»
بُهِتُّ لقدرته على الكلام، لكن الفضول غلب الدهشة. فنحن أبناء هذا العصر لا نستغرب شيئاً أكثر من ثلاث ثوانٍ.
– «أنتم أغرب مخلوقات الأرض»، تابع. «في جيبك مكتبة فيها كل ما كتبه البشر منذ بدأوا الكتابة. قل لي، ماذا فعلتَ بها هذا الأسبوع؟»
فكرتُ قليلاً، ثم اعترفتُ بأنني عرفتُ بها مواعيد المطاعم.
– «هذا ما توقعته. صارت بطونكم وزيرة الدفاع والاقتصاد والثقافة. تأكلون وتشربون وتتبعون شهواتكم، وتسمّون ذلك حياة، ونحن نسميه يوماً عادياً في الحظيرة. والفرق الوحيد أننا لا نصوّر العلف قبل أن نأكله.»
حاولتُ الدفاع عن بني جنسي:
– «لكننا نملك عقولاً! نخطط ونبني مدناً من الزجاج ونفهم مفاهيم معقدة مثل القيمة المضافة!»
– «أعرف أنكم تملكونها، وهنا المصيبة. أين وضعتموها؟»
– «في…»
– «على الرفّ. بجانب الكتب التي اشتريتموها لتزيّنوا بها الصالون.»
ثم خفض صوته، وقال بنبرة من يتذكر شيئاً قديماً:
– «سمعتُ ابن الشيخ يتلو عند البستان أن كتابكم ضرب مثلاً بنا: الحمار يحمل أسفاراً. ولم يظلمنا. نحن نحمل الأسفار على ظهورنا ونشعر بثقلها، أما أنتم فتحملونها على الرفوف ولا تشعرون بشيء. فمن الأولى بالتشبيه؟»
ساد الصمت. كان القش قد انتهى، ولم يبقَ في جعبتي حجة واحدة.
– «سأسألك سؤالاً واحداً،» قال أخيراً. «متى آخر مرة سألتَ نفسك سؤالاً لا يجيب عنه محرك البحث؟»
حاولتُ أن أتذكر، ومرّت دقيقة كاملة. قال برفق قاسٍ:
– «لا تتعب نفسك. سؤال كهذا لا يظهر في نتائج البحث.»
– «ما العمل إذن؟» سألتُه بصوت خافت. «أغلق الهاتف؟»
– «ستغلقه دقيقة ثم تعود إليه. ابدأ من آخر ما تهرب منه بهذه الشاشة، فهناك سؤالك. والعقل كالعضلة: يضمر إن لم يُستعمل. وأنا، كما ترى، أعرف شيئاً عن العضلات.»
ثم استعد للنوم، وانكفأ يغمض عينيه في طمأنينة تامة.
أما أنا فأضاء هاتفي بإشعار جديد: «عرض خاص: وجبة العائلة بنصف السعر لمدة ساعتين». وكنتُ جائعاً فعلاً. فتحتُ الإعلان وقرأتُه كاملاً، وأطلق الحمار في نومه نهيقاً قصيراً، لا أدري أكان يحلم أم يعلّق.
ومشيتُ نحو البيت أفكر: أي المطاعم أقرب؟ ولم يخطر لي السؤال الآخر إلا عند الباب، فتركتُه هناك مع حذائي.
*كاتب محتوى مستقل ومروّي علامات تجارية، يكتب بالعربية والإنجليزية في التقنية والأعمال والمقالات الفكرية، من الأردن.
صفحتي على لينكدإن: linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.


















