مقالات رأي
السعودية تجمع بين بين منع التصعيد والاستعداد لمواجهة التهديدات
السعودية ليست مقاول أمني دولي بلا شريك

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
دفعت السعودية منذ عام 2015 أثمانا باهظة، وانفقت المليارات دفاعا عن أمنها، وعن امن اليمن ودول الخليج والدول المتشاطئة في البحر الأحمر، وعن الملاحة الدولية، وعانت من انتهازية المجتمع الدولي، ولن تقبل السعودية ان تظل مصرفا بلا قاع، أو خزينة مفتوحة لتمويل مغامرات، وممولا لإعمار ما دمروه، وممن يطالبونها اليوم بالتحرك والاشتراك في محاربة إيران عندما دافعت عن أمنها وعن اليمن اتهمت بالعدوان، يودون من السعودية حماية باب المندب والبحر الأحمر دون تحمل أي حصة عسكرية ومالية وسياسية.
مثل اتفاق التهدئة بين الرياض وطهران برعاية بكين في 10 مارس 2023 صدمة دبلوماسية للولايات المتحدة وإسرائيل، كسر الاستراتيجية الأمريكية التقليدية لعزل إيران إقليميا، إلى جانب الدور الصيني المتنامي كوسيط سياسي وثقيل في منطقة كانت تعتبر تقليديا عمقا للنفوذ الأمريكي، كذلك رأت إسرائيل في هذا التقارب تقويضا لاستراتيجيتها القائمة على بناء تحالف إقليمي واسع لمواجهة إيران بشكل مباشر.
كان الرد على الصدمة الجيوسياسية لاتفاق بكين واستعادة أمريكا زمام المبادرة، سارعت إدارة بايدن في صيف وخريف 2023 للضغط بقوة نحو إبرام اتفاق تطبيع تاريخي بين السعودية وإسرائيل يتضمن تحالفا دفاعيا أميركيا سعوديا ودعما للمسار الاقتصادي ممر IMEC الذي أعلن عنه الأمير محمد بن سلمان في سبتمبر 2023 في قمة العشرين في نيودلهي، لكن كان الدافع الأساسي لهجوم 7 أكتوبر 2023 محاولة إفشال التطبيع التاريخي الوشيك بين السعودية وإسرائيل برعاية أمريكية كما يعتقدون، فيما السعودية لن تقبل أي تطبيع دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، رغم ذلك غيرت حرب غزة الحسابات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بالكامل.
تتركز الدوافع الأمريكية والأهداف في الملف الإيراني حول عدة عوامل رئيسية معلنة وغير معلنة، بينما تتبنى السعودية سياسة حذرة لتجنب الانجرار إلى هذا الصراع، وتود أمريكا توريط السعودية ودول الخليج لتخفيف العبء المالي والعسكري، وتوفير عمق جغرافي ولوجستي كمنصات أو نقاط دفاع، إلى جانب توزيع مخاطر الردود الإيرانية في حال حدوث مواجهة، بان تكون دول الخليج في واجهة التداعيات لضمان التزامها الأمني بالرؤية الأمريكية الإسرائيلية، في حين ان السعودية تتجنب الحرب بحزم لحماية اقتصادها ومشاريع رؤية 2030 واستقرار المنطقة.
هذه الحرب أيا تكن مع إيران، لكن السعودية ترى أنها ورؤيتها مستهدفة، ولن تقبل تحويل الإقليم إلى فخ يصعب الخروج منه بسهولة، حينما تم التخطيط للحرب كانت إيران المستهدفة فعليا، وفي نفس الوقت ترى السعودية هذه الحرب أيضا مؤامرة تستهدفها وتستهدف رؤيتها لجرها إلى أتون مواجهة مباشرة لغايات خبيثة من أجل إجبار السعودية على مشروع التطبيع.
حينما اتصل الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما سيطر الحوثي على باب المندب كبديل لمضيق هرمز من أجل رفع أسعار الطاقة العالمية، وليس من المقبول أن تدافع السعودية بمفردها عن أمن الطاقة العالمي، فعرض ترمب عليه التعاون مع إسرائيل ولديها الاستعداد للمشاركة في ردع الحوثي، لكن الأمير محمد بن سلمان لم يستجيب لهذا العرض، واعتبر أن حماية باب المندب مسؤولية دولية اتجه إلى دول العالم ووجد استجابة من عدد من الدول منها بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول، رغم قدرة السعودية على مواجهة الحوثيين بمفردها، لكن العالم منعها من تحرير الحديدة عام 2018 واستبدال التحرير باتفاق استكهولم الذي لم ينفذه الحوثي بل اتجه إلى تكديس الذخيرة والصواريخ والطائرات المسيرة وجلب الخبرات العسكرية لإدارة هذه الترسانة، فتكاليف مواجهتها ليست مثل تكاليف مواجهتها في عام 2018.
السعودية قرأت المشهد بعمق، رغم أن إيران لم تلتزم بالتهدئة التي رعتها بكين معها، استهدفت إيران السعودية ودول الخليج محاولة استفزاز السعودية والالتقاء مع المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية المشتركة، وفهمت السعودية بواطن المؤامرة، وعندما أيقنوا أن محاولاتهم باءت بالفشل، قام ترمب بالإعلان عن مشروع الحرية لفتح مضيق هرمز مطالبا السعودية ان تكون شريكة في هذا الإعلان، فجاءه الرد بان المضيق كان مفتوحا والحرب التي ترفضها السعودية هي التي كانت سبب في هذا الاغلاق، بل رفضت السعودية أيضا ان تكون أراضيها منطلقا لطائراتهم.
وعندما استبدلت السعودية هرمز بتصدير نفطها عبر خط شرق غرب لتثبت السعودية للعالم بان أمن الطاقة يمر عبر قرارها السيادي، وان خطوطها الاستراتيجية لا تقبل الحصار والابتزاز، حرك أصحاب المؤامرة مليشيات الحشد الشعبي في العراق بالتعاون مع الحوثيين في اليمن لاستهداف هذا الخط.
لكنها كانت فرصة استراتيجية للسعودية بالقضاء على تهديد الحوثيين وعلى ابتزازهم بعدما ظنوا أن السعودية عاجزة عن مواجهتهم والقضاء عليهم، وظنوا أن بلطجة إيران قادرة على منع السعودية في الدفاع عن أمنها وعن مكتسباتها.
شكلت السعودية حلف مكة الدفاعي مكون من السعودية وتركيا والباكستان، وذهب الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع بقيادة حلف مكة الى طهران وهي تجمع بين منع التصعيد والاستعداد لمواجهة التهديدات، يتحرك نحو التفاوض والسير نحو الحفاظ على القدرة على حماية امن السعودية، قبل أن تتحول الأزمة إلى مواجهة أوسع وأكثر كلفة على الجميع، والدبلوماسية لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن الجاهزية للردع، فالزيارة أتت لخفض التوتر، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطة التي تقودها قطر وباكستان، والهدف من فتح قنوات التفاوض من أجل منع عودة التصعيد العسكري، والوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة ويعزز امن المنطقة واستقرارها.
وحسب موقع أكسيوس نقل عن أحد المسؤولين الأمريكيين المعنيين بالملف الإيراني، أن السعودية طلبت من ترمب ألا يستعجل المواجهة العسكرية مع إيران، فمشاورات تحالف مكة بقيادة الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع في طهران أعطت مؤشرات باحتمال الوصول إلى حلول وسط مع إيران، لأن السعودية تدرك سياسة الضربات العمياء التي تلجأ إليها إيران حال تضيق الخناق عليها، كما تريد الرياض في نفس الوقت حماية مصالح دول الخليج.
قدم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس للإيرانيين ضمانات أو شبه ضمانات أميركية باستمرار النظام في طهران، وهي أولوية إيرانية، لتشجيع القيادة الحالية على تلبية مطالب ترمب وعلى رأسها ضمانات تمنع تصنيع السلاح النووي بما يسمح لترامب بالقول للناخب الأمريكي إنه حقق الهدف من الحرب، خصوصا وأن الإيرانيين ينظرون إلى جي دي فانس أقل ميلا إلى الحرب والعمليات العسكرية ويريدون منحه فرصة للتوصل إلى تفاهمات.
كذلك هناك احتواء من قبل حلف مكة الدفاعي، فالمتحدث العسكري الباكستاني شودري قال إن بلاده ملتزمة بالدفاع عن السعودية، وإن اتفاق مكة الدفاعي لا يمنع انضمام إيران مستقبلا، لكن القرار يعود إلى القيادات السياسية.
وفي نفس الوقت ذكر وسطاء قطريون انهم قد حققوا تقدما نحو اتفاق أمريكي إيراني جديد، تمتنع فيه إيران عن الهجمات مقابل عدم شن واشنطن الحرب عليها، وتمتنع إيران عن استهداف الملاحة في هرمز، ولم يذكر رفع الحصار الأمريكي عن موانئ إيران، وتسليم اليورانيوم لدولة ثالثة، مقابل مبالغ مالية لطهران من مستحقاتها المجمدة، إلى جانب اشراك الصين كضامن ضد استهداف القيادة الإيرانية من أجل استكمال المباحثات حول النووي، بذلك تكون السعودية قد جنبت المنطقة حرب مدمرة، وأنقذت النظام الإيراني، وقدمت هدية ثمينة لترمب للفوز في الانتخابات النصفية.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا
[email protected]
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.


















