تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

ما وراء تحذيرات المغادرة : رسائل دولية تسبق تحولات الشرق الأوسط ..

ل تستعد العواصم لسيناريو يتجاوز حدود التوتر ؟

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

لم تعد السماء في الشرق الأوسط مجرد فضاء تعبره الطائرات بل أصبحت مرآة تعكس ما يعتمل تحت سطح السياسة الدولية من مخاوف وحسابات واحتمالات مؤجلة ، ففي اللحظات التي تسبق التحولات الكبرى لا تكون الإشارات دائما صاخبة فأحيانا تظهر في لغة التحذير وفي قرارات المغادرة وفي خرائط الطيران التي تبدأ بالتغير قبل أن تتغير خرائط المواجهة ، وحين تتجه دول كبرى إلى تنبيه رعاياها بشأن مغادرة منطقة بأكملها يصبح السؤال أكبر من حدود السفر ، ويتحول إلى محاولة لفهم ما الذي يتشكل في عمق المشهد ! وما الذي يجعل عواصم بعيدة تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مساحة تتقلص فيها هوامش الأمان وتتسع فيها احتمالات المفاجأة

فالتحذيرات البريطانية المتعلقة بمخاطر السفر الى الشرق الأوسط وما يتداول بشأن دعوات روسية مماثلة ، تأتي اليوم في توقيت بالغ الحساسية تتشابك فيه الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية ، وتبدو فيه المنطقة وكأنها تقف أمام احتمالات متعددة لا يمكن فصل بعضها عن بعض ، فالتنبيه إلى احتمال ” إغلاق المجالات الجوية واضطراب حركة الطيران وتعذر بعض مسارات السفر ” يحمل دلالة تتجاوز حركة الطائرات ، لأن السماء هنا تتحول إلى مؤشر على مستوى القلق الذي يحيط بالأرض ، حيث إن المجال الجوي في الشرق الأوسط ليس مجرد مساحة زرقاء تعبرها الطائرات بين القارات بل هو شريان استراتيجي يربط ” أوروبا بآسيا وأفريقيا ” وتلتقي فوقه مصالح اقتصادية وعسكرية وأمنية بالغة التعقيد ، وأي اضطراب واسع فيه سيعيد رسم طرق التجارة والسفر وسيضع شركات الطيران أمام حسابات جديدة وسيكشف كيف يمكن لتوتر عسكري في نقطة جغرافية محددة أن يمتد أثره إلى مدن بعيدة لم تسمع أصوات المواجهة

الا ان السؤال الأكثر عمقا في كل ذلك ليس لماذا تغادر الطائرات ؟ بل لماذا تطلب الحكومات من مواطنيها المغادرة قبل أن تتضح صورة المشهد؟ ، فالتحذيرات الرسمية في السياسة الدولية لا تتحرك دائما بمعزل عن تقديرات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ، حيث تستند عادة إلى قراءة للمخاطر والتهديدات المحتملة وإلى حسابات تتعلق بسلامة المواطنين وقدرة الدولة على تقديم المساعدة لهم إذا تدهورت الظروف ، لذلك فأن صدور تحذير بالمغادرة اليوم يكشف أن هامش الاطمئنان بدأ يتقلص في حسابات بعض الحكومات ، فالدول التي تمتلك ” الأقمار الصناعية ، وشبكات الرصد ، وأجهزة الاستخبارات ، وقدرات التنبؤ العسكري ” تدرك تماما أن أخطر ما في الأزمات ليس الحدث الذي يقع أمام العيون بل ذلك الذي يتشكل في الظل ، حيث تتداخل التحركات العسكرية مع الرسائل الدبلوماسية وتصبح القرارات الاحترازية جزءا من الاستعداد لسيناريوهات لم تصل بعد إلى العلن

ومن هنا يجد نفسه الشرق الأوسط اليوم مرة أخرى داخل دائرة جغرافية شديدة الحساسية ، ” فالعراق والخليج وإيران وإسرائيل والبحر الأحمر وباب المندب ” كلها نقاط تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية ، وأي تصعيد في واحدة منها سيترك انعكاساته على بقية المشهد سواء عبر المجال الجوي أو الملاحة البحرية أو أسواق الطاقة أو حركة الإمدادات الدولية ، ومن هذه النقطة تحديدا تأتي ” الجغرافيا اليمنية ” ضمن هذا التقاطع المهم ، فاليمن يطل على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم ويجاور خطوطا استراتيجية ترتبط بأمن التجارة الدولية ، ولذلك فإن أي اضطراب إقليمي واسع يضع ” البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب ” ضمن دوائر المتابعة الدولية حتى عندما تكون بؤرة التوتر في مكان آخر

وما يستحق التأمل هنا هو أن السماء التي كانت دائما رمزا للاتصال والانفتاح وحرية الحركة قد تتحول في لحظة سياسية مضطربة إلى حدود غير مرئية تتوقف عندها الرحلات ، وتتغير فوقها المسارات ، وتصبح المغادرة سباقا مع احتمالات لا يعرف أحد مداها ، فالتحذيرات الدولية لا تمنحنا إجابة نهائية عما سيحدث في الأيام المقبلة ، لكنها تضع أمامنا حقيقة أكثر قلقا ، وهي : أن المنطقة تعيش مرحلة تتراجع فيها قدرة اليقين على تفسير الأحداث ، وأن المسافة بين التوتر السياسي والاحتياط الأمني باتت أضيق من أن تُقرأ باعتبارها تفصيلا عابرا ، فهل نحن أمام إجراءات احترازية تفرضها طبيعة مرحلة مضطربة ، أم أن عواصم العالم تستعد لاحتمالات أوسع من حدود المواجهة القائمة ؟

فلا تكمن الإجابة في عدد الطائرات التي ستغادر ولا في المطارات التي قد تتوقف بل في الرسائل التي تحملها هذه التحذيرات إلى العالم ، فحين تصبح مغادرة المكان أولوية في حسابات الدول وتتحول السماء إلى مساحة تخضع للقلق والحسابات العسكرية يكون ذلك مؤشرا على أن السياسة وصلت إلى منطقة شديدة الحساسية ، وأن ما يجري خلف الأبواب المغلقة يستحق مراقبة تتجاوز العناوين العاجلة ، فالشرق الأوسط لا يقف اليوم أمام سؤال الحرب وحده بل أمام سؤال أعمق ، في : كم من الوقت تستطيع المنطقة أن تبقى معلقة بين احتمالات الانفجار ومحاولات تجنبه ، قبل أن تتحول التحذيرات من لغة احتياط إلى واقع يرسم خرائط جديدة للأرض والسماء؟ .

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock