تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

الأب نجيب العميل أمام القضاء:

حين تصبح الدولة قاسية على الصامدين ومتساهلة مع أصحاب النفوذ!

بقلم: فرانسوا الجردي

ليست قضية الأب نجيب العميل مجرّد استدعاء كاهن إلى التحقيق، وليست تفصيلاً قضائياً عابراً يمكن التعامل معه بمعزل عن الظروف التي أحاطت به. إنها قضية تتجاوز شخصاً ورجل دين، لتطرح سؤالاً جوهرياً عن العدالة في لبنان: هل يُطبّق القانون على الجميع بالمعيار نفسه، أم أن هناك مواطنين يُستدعون بسرعة ويُلاحقون بصرامة، فيما ينجح أصحاب النفوذ والسلاح والغطاء السياسي في الإفلات من المساءلة؟

الأب نجيب العميل، كاهن رعية رميش، ليس في موقع مسؤول أمني أو سياسي، ولا يملك سلطة تنفيذية أو نفوذاً يفرض به إرادته على أحد. هو رجل دين يعيش مع أبناء بلدته واقعاً حدودياً بالغ الخطورة، حيث الخوف والتهديد والقلق اليومي، وحيث يصبح البقاء في الأرض موقفاً وطنياً بحد ذاته.

وبحسب ما نُقل عن القضية، فإن تدخّله لدى القضاء جاء في سياق محاولة تجنيب أبناء بلدته إجراءات أمنية قد تعرّضهم لمخاطر إضافية، في ظل ظروف استثنائية لا يمكن تجاهلها. وقد اعتُبر كلامه تهديداً بسبب إشارته إلى احتمال اللجوء إلى الإسرائيلي إذا تعذّر الوصول إلى الدولة.

وهنا تبدأ المشكلة: هل المطلوب محاسبة رجل الدين على عبارة قيلت في سياق الاعتراض والاستغاثة، أم فهم الظروف التي دفعته إلى إطلاقها؟ وهل يُعقل أن تتحول محاولة الدفاع عن سلامة أبناء بلدة حدودية إلى شبهة تستوجب الاستدعاء والتحقيق، قبل التحقق من النية والسياق والوقائع؟

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً: ميزانان للعدالة

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تكمن في أن القضاء الذي يستطيع استدعاء كاهن من بلدة حدودية، ومطالبته بالمثول أمامه رغم صعوبة التنقل والظروف الأمنية، يبدو في ملفات أخرى أمام تحديات مختلفة تماماً، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمطلوبين مرتبطين بقوى سياسية وعسكرية نافذة.

ولعل المثال الأبرز ما كُشف عن مذكرات الإحضار بحق مسؤولين في حزب الله في ملف شاحنة المتفجرات، حيث بقيت المذكرات، وفق ما أوردته تقارير صحافية، من دون تنفيذ، في ظل رفض الحزب تسليم المطلوبين.

هنا لا بد من طرح السؤال بصراحة: لماذا تبدو إجراءات الملاحقة سريعة وحازمة عندما يتعلق الأمر بمواطن أعزل أو رجل دين، بينما تتعثر عندما تصطدم بنفوذ سياسي أو قوة مسلحة ترفض الانصياع للقضاء؟

لسنا هنا بصدد المطالبة باستثناء الأب نجيب العميل من القانون، ولا بمنح أبناء رميش حصانة خارج إطار الدولة. بل نطالب بأن يكون القانون واحداً على الجميع، وأن تكون هيبة القضاء مستمدة من عدالته واستقلاليته، لا من قدرته على ممارسة سلطته على من لا يملكون قوة لردعه.

العدالة التي تُطبّق على الضعيف وتتردد أمام القوي ليست عدالة مكتملة، بل صورة من صور الخلل الذي يضرب ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم.

رميش ليست متهمة لأنها تتمسك بأرضها!

ثمة أمر آخر لا يجوز تجاهله. رميش ليست بلدة تعيش ظروفاً عادية. إنها بلدة حدودية دفع أهلها ثمناً باهظاً من أمنهم واستقرارهم وبيوتهم ومصالحهم، ومع ذلك اختاروا البقاء والصمود وعدم التخلي عن أرضهم.

هؤلاء لا يحتاجون إلى استعراض سلطة الدولة عليهم، بل يحتاجون إلى دولة تقف إلى جانبهم، تحميهم، وتؤمّن لهم مقومات الحياة، وتتفهم أن معالجة المخالفات الإدارية والعمرانية لا يمكن أن تنفصل عن الواقع الأمني والعسكري الذي يعيشونه.

وإذا كان هناك بناء مخالف، فالقانون يجب أن يُطبّق، ولكن ضمن الأصول وبما يراعي الظروف الاستثنائية. فلا يجوز أن تتحول مخالفة بناء إلى أزمة قضائية وأمنية مع بلدة بأكملها، ولا أن يُحمّل رجل دين مسؤولية محاولة احتواء إشكال كان يسعى إلى تفاديه.

أما اعتبار عبارة الأب العميل تهديداً، فهذا أمر ينبغي أن يخضع للتحقيق الموضوعي، مع الاستماع إلى مضمون الحديث كاملاً، وتحديد النية والسياق، لا الاكتفاء بتفسير واحد للكلام.

أين هيبة الدولة عندما يرفض الأقوياء الامتثال للقضاء؟

المشكلة اللبنانية ليست في غياب النصوص القانونية، بل في غياب المساواة في تطبيقها. فالدولة التي تريد استعادة سلطتها لا تستطيع أن تطلب من مواطن في رميش المثول أمام القضاء، فيما تعجز عن تنفيذ مذكرات قضائية بحق أشخاص ترفض جهات نافذة تسليمهم.

ولا يجوز أن يصبح الانتماء السياسي أو امتلاك السلاح أو القدرة على فرض الأمر الواقع عوامل تحدد مدى احترام القانون.

إننا نريد قضاءً لا يخاف من أصحاب السلاح، ولا يتشدد في مواجهة من لا حول لهم ولا قوة. نريد قضاءً يلاحق كل من يخالف القانون، أياً كان موقعه، ويحاسب من يهدد السلم الأهلي، ومن يعرقل عمل المؤسسات، ومن يضع نفسه فوق سلطة الدولة.

فهيبة الدولة لا تُقاس بعدد الاستدعاءات ومذكرات الجلب، بل بقدرتها على تنفيذ القانون على الجميع، من أصغر مواطن إلى أكبر مسؤول، ومن رجل الدين إلى صاحب النفوذ والسلاح.

كلمة أخيرة

إلى الأب نجيب العميل وأبناء رميش نقول: إن تمسككم بأرضكم ليس جريمة، وصمودكم ليس مخالفة، وحرصكم على سلامة أبناء بلدتكم ليس تحدياً للدولة.

وإلى القضاء نقول: إن استقلاليتكم لا تُختبر أمام المواطنين الذين يسهل استدعاؤهم، بل أمام أصحاب النفوذ الذين يرفضون الامتثال لقراراتكم.

وإلى المسؤولين في الدولة نقول: لا تطلبوا من الناس احترام دولة لا يشعرون بأنها تحميهم بالقدر نفسه الذي تطالبهم فيه باحترام قوانينها.

لبنان لا يحتاج إلى قضاء قوي على الضعفاء، بل إلى قضاء قوي على الجميع. ولا يحتاج إلى دولة تستعرض سلطتها في رميش، فيما تتراجع أمام دويلات الأمر الواقع، بل إلى دولة واحدة، وقانون واحد، وعدالة واحدة.

فإذا كان الأب نجيب العميل سيُسأل أمام القضاء عن كلام قاله دفاعاً عن أبناء بلدته، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: متى يُسأل الذين يضعون الدولة أمام الأمر الواقع، ويمنعون مؤسساتها من ممارسة سلطتها؟

تلك هي العدالة التي نريدها، وتلك هي الدولة التي يستحقها لبنان.

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock