تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

الرقص الشرقي… فنٌّ عربي يعبر الحدود بين التراث والاحتراف

من فضاءات الاحتفال الشعبي إلى المسارح العالمية، يواصل الرقص الشرقي حضوره بوصفه أحد أبرز الفنون الحركية وأكثرها إثارة للنقاش

الصحفي ضياء الدين مرزقي

الرقص الشرقي لا يزل يحتفظ بمكانة خاصة في المشهد الفني العربي، رغم مرور سنوات طويلة على ظهوره وانتقاله من المناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية إلى المسارح وقاعات التدريب والمهرجانات الدولية. فهذا الفن، الذي ارتبط طويلًا بالموسيقى العربية والإيقاعات الشرقية، لم يعد مجرد عرض ترفيهي، بل تحول إلى مجال فني متكامل يقوم على التدريب والانضباط وفهم الإيقاع والتعبير الجسدي.

وبينما يراه البعض جزءًا أصيلًا من التراث العربي، يختزله آخرون في صور نمطية ترتبط بالإغراء والابتذال. غير أن هذا الجدل المستمر يعكس تعقيد العلاقة بين الفن والمجتمع، ويطرح أسئلة عديدة حول حدود التعبير، وحقوق الفنانين، وطبيعة الصورة التي يقدمها الإعلام عن الرقص الشرقي.

جذور تتجاوز الحدود

يصعب تحديد نشأة الرقص الشرقي في بلد واحد أو زمن محدد، إذ عرفت الحضارات القديمة في المنطقة أشكالًا متعددة من الرقص المرتبط بالاحتفالات والمناسبات الدينية والاجتماعية. ومع مرور الزمن، تداخلت هذه الأشكال مع الموسيقى المحلية والعادات الشعبية، لتتطور تدريجيًا إلى أنماط مختلفة من الرقص.

أما صورته الحديثة، فقد ارتبطت بصورة خاصة بمصر وبلاد الشام وتركيا وشمال إفريقيا. وأسهمت السينما المصرية، منذ النصف الأول من القرن العشرين، في نشر هذا الفن على نطاق واسع، بعدما ظهرت راقصات في الأفلام والمسرحيات وأصبحن جزءًا من الذاكرة الفنية العربية.

ولم يكن هذا الانتشار منفصلًا عن تطور الموسيقى. فقد ارتبط الرقص الشرقي بالعود والقانون والناي والطبلة، كما استفاد من تنوع الإيقاعات العربية، الأمر الذي منحه قدرة كبيرة على التجدد والتكيف مع الألحان المختلفة.

مصر… مركز التأثير الأبرز

تحتل مصر موقعًا متقدمًا في تاريخ الرقص الشرقي وتطوره. فقد شهدت القاهرة، على مدى عقود، نشوء مدارس فنية وأساليب أدائية أثرت في الراقصين داخل العالم العربي وخارجه. كما ساعدت السينما والمسارح والفنادق الكبرى على ترسيخ حضور هذا الفن وتقديمه أمام جمهور واسع.

ويتميز الأسلوب المصري عادة بالمرونة والاعتماد على الإحساس بالموسيقى والقدرة على الارتجال. ولا يقتصر الأداء فيه على حركة واحدة، بل يقوم على تناغم دقيق بين الجذع والذراعين والكتفين والوركين، إلى جانب التعبير عن طبيعة اللحن ومزاجه.

وقد أسهمت أسماء فنية بارزة في ترسيخ مكانة الرقص الشرقي المصري، حيث قدمت كل واحدة منها أسلوبًا خاصًا يجمع بين التقنية والحضور المسرحي. ومع ذلك، فإن أهمية مصر في هذا المجال لا تعني أنها تمثل الشكل الوحيد للرقص الشرقي، إذ توجد مدارس واتجاهات متعددة تختلف باختلاف البيئة والثقافة والإيقاع.

تركيا وبلاد الشام وشمال إفريقيا

تُعد تركيا من الدول التي طورت أسلوبًا مميزًا في الرقص الشرقي، يتميز بالحيوية والسرعة واتساع الحركات. كما أسهم انتشار مدارس التدريب والمهرجانات في جعلها إحدى الوجهات المهمة للمهتمين بهذا الفن.

وفي بلاد الشام، يتقاطع الرقص الشرقي مع الفنون الشعبية والفلكلورية، خصوصًا في المناسبات والأعراس. ورغم الاختلاف بين الرقص الشرقي الفردي والرقصات الجماعية مثل الدبكة، فإن كليهما يعكس حضور الحركة والموسيقى في الحياة الاجتماعية للمنطقة.

أما في شمال إفريقيا، فقد تأثر الرقص بإيقاعات محلية وتقاليد شعبية متنوعة، ما أنتج أشكالًا مختلفة من الأداء. ففي المغرب والجزائر وتونس وليبيا، تتداخل الرقصات المحلية مع الموسيقى التقليدية والملابس الفلكلورية، لتشكل مشهدًا غنيًا لا يمكن اختزاله في نموذج واحد.

من الفن المحلي إلى الانتشار العالمي

لم يعد الرقص الشرقي حكرًا على العالم العربي. فقد انتشر خلال العقود الأخيرة في دول أوروبية وأمريكية وآسيوية، وظهرت مدارس متخصصة في تدريسه وتنظيم مسابقاته ومهرجانته. كما أصبح عدد من الراقصين الأجانب يتعلمون الأساليب المصرية والتركية واللبنانية، ويقدمون عروضًا أمام جماهير واسعة.

وساعدت منصات التواصل الاجتماعي على تسريع هذا الانتشار، إذ بات بإمكان الراقص أو المدرب نشر عروضه ودروسه والوصول إلى متابعين من مختلف أنحاء العالم. كما أتاحت هذه المنصات تبادل الخبرات بين الفنانين والتعريف بأنماط جديدة من الرقص.

غير أن الانفتاح العالمي يطرح في المقابل تحديًا يتعلق بالحفاظ على الهوية الثقافية. فانتقال الفن إلى بيئات جديدة قد يؤدي أحيانًا إلى تقديمه بصورة سطحية أو فصله عن تاريخه، الأمر الذي يفرض على الممارسين ضرورة فهم أصوله واحترام خصوصيته.

فوائد صحية ونفسية

بعيدًا عن الجدل الاجتماعي، يمكن للرقص الشرقي أن يقدم فوائد بدنية ونفسية عند ممارسته بطريقة صحيحة. فهو يساعد على تحسين المرونة والتوازن والتنسيق الحركي، كما يساهم في تقوية بعض عضلات البطن والظهر والساقين.

وتشير تجارب المدربين إلى أن ممارسة الرقص بانتظام قد تساعد أيضًا على تحسين اللياقة البدنية والتخفيف من التوتر، فضلًا عن تعزيز الثقة بالنفس. فالتدريب يمنح المتعلم فرصة للتعرف إلى جسده والتحكم في حركته والتعبير عن مشاعره أمام الآخرين.

لكن هذه الفوائد لا تعني أن الرقص بديل عن العلاج أو التدريب الرياضي المتخصص. كما أن ممارسة الحركات الصعبة من دون إعداد كافٍ أو إحماء مناسب قد تؤدي إلى إصابات، خصوصًا في الظهر والركبتين والقدمين.

بين التقدير الفني والوصمة الاجتماعية

رغم تطور الرقص الشرقي وانتشاره، لا تزال الراقصات والراقصون يواجهون أحكامًا مسبقة في عدد من المجتمعات. فالبعض يربط هذا الفن بالإثارة فقط، متجاهلًا الجانب التقني والموسيقي والمسرحي الذي يتطلبه الأداء الاحترافي.

وتؤثر هذه النظرة في صورة العاملين في المجال، وقد تدفع بعضهم إلى إخفاء مهنتهم أو مواجهة انتقادات اجتماعية مستمرة. كما أن الإعلام، في بعض الأحيان، يساهم في تكريس هذه الصورة عندما يركز على الملابس والمظهر بدلًا من المهارة والتدريب والتصميم الفني.

في المقابل، يرى مختصون أن مسؤولية تغيير هذه الصورة تقع على عاتق المؤسسات الفنية والإعلامية والمدارس المتخصصة. فكلما قُدم الرقص الشرقي ضمن عروض منظمة ومحترفة، وجرى الحديث عنه بلغة فنية وثقافية، تراجعت الصور النمطية المرتبطة به.

الاستغلال التجاري وضغط الصورة الجسدية

يعاني هذا المجال، مثل غيره من الفنون، من مظاهر الاستغلال التجاري. فقد تتحول بعض العروض إلى منتجات تركز على الإثارة بدل القيمة الفنية، كما قد يتعرض العاملون لضغوط تتعلق بالأجور أو ظروف العمل أو طبيعة التعاقدات.

وتواجه الراقصات بصورة خاصة ضغوطًا مرتبطة بشكل الجسد والعمر والمظهر. إذ تفرض بعض الجهات معايير ضيقة للجمال، رغم أن تاريخ الرقص الشرقي يضم تجارب متنوعة تثبت أن الموهبة والحضور والقدرة على التعبير أهم من الالتزام بنموذج جسدي واحد.

ويؤكد مدربون وفنانون أن المعيار الحقيقي في الرقص يجب أن يكون جودة الأداء، وفهم الموسيقى، والتحكم في الحركة، والقدرة على التواصل مع الجمهور، لا مجرد المظهر الخارجي.

الأصالة في مواجهة التجديد

يعيش الرقص الشرقي اليوم مرحلة من التجديد المستمر. فبعض الفنانين يلتزمون بالمدارس التقليدية ويحافظون على الإيقاعات والحركات المعروفة، بينما يختار آخرون دمجه مع الرقص المعاصر أو الباليه أو الجاز.

ويمنح هذا التداخل الفن فرصة للوصول إلى جمهور جديد، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا حول الحدود الفاصلة بين التطوير وفقدان الهوية. فالتجديد لا يعني إلغاء الجذور، بل يمكن أن يقوم على فهمها وإعادة تقديمها بلغة معاصرة.

ويبدو أن أفضل التجارب هي تلك التي تحقق توازنًا بين المحافظة على روح الفن والانفتاح على تقنيات المسرح الحديثة. فالإضاءة والسينوغرافيا وتصميم الملابس والموسيقى يمكن أن تضيف إلى العرض، شرط ألا تطغى على جوهر الرقص أو تحوله إلى مجرد استعراض بصري.

الحاجة إلى تنظيم مهني

يرى عاملون في المجال أن مستقبل الرقص الشرقي يحتاج إلى مزيد من التنظيم والاحتراف. ويشمل ذلك إنشاء مدارس تدريب مؤهلة، ووضع قواعد تتعلق بالسلامة الجسدية، وتنظيم المسابقات والمهرجانات، وضمان حقوق الفنانين والمدربين.

كما تبرز الحاجة إلى توثيق تاريخ الرقص الشرقي وحفظ أرشيفه من الصور والتسجيلات والموسيقى والشهادات. فالكثير من جوانب هذا التاريخ وصل إلى الجمهور عبر الذاكرة الشفوية أو الأعمال السينمائية، في حين لا تزال هناك حاجة إلى دراسات وأبحاث أكثر دقة.

ولا يقل دور المؤسسات الثقافية أهمية عن دور الفنانين. فالمهرجانات والجامعات والمسارح ووسائل الإعلام قادرة على تقديم هذا الفن ضمن سياق ثقافي وفني يبرز قيمته، ويمنع اختزاله في صورة واحدة.

فن يبحث عن صورته الحقيقية

يظل الرقص الشرقي فنًا مثيرًا للاهتمام، لأنه يقف عند تقاطع الموسيقى والجسد والهوية والمجتمع. وهو في الوقت نفسه مساحة للتعبير الفني ومجال مهني يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وإعلامية.

وبينما تستمر مصر في أداء دور محوري في تطويره، تساهم تركيا وبلاد الشام وشمال إفريقيا، إلى جانب مدارس دولية عديدة، في إثراء أساليبه وتوسيع جمهوره. أما مستقبل هذا الفن، فيتوقف إلى حد كبير على طريقة تقديمه: هل سيظل أسير الصور النمطية التجارية، أم سيحظى باعتراف أكبر بوصفه فنًا قائمًا على التدريب والثقافة والابتكار؟

إن الرقص الشرقي، في جوهره، ليس مجرد حركة تؤدى على أنغام الموسيقى، بل لغة جسدية تحمل تاريخًا طويلًا من التقاليد والتأثيرات. ومنحُه المكانة التي يستحقها لا يعني تجاهل النقاشات المحيطة به، بل يعني التعامل معه بوعي نقدي يحترم الفن، ويحمي الفنانين، ويحافظ على الجذور الثقافية مع فتح المجال أمام التجديد.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock