تخطي إلى المحتوى الرئيسي
41,448 مشاهدة
بيروت – بيروت تايمز – حوار منى حسن
في ظل التصعيد الأمني المتواصل، وتعثر المسارات الدبلوماسية، وتزايد الضغوط الأميركية والإسرائيلية المرتبطة بملف سلاح حزب الله، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، فيما تبقى احتمالات التصعيد العسكري قائمة، وسط تساؤلات حول قدرة الدولة اللبنانية على حماية سيادتها وتعزيز موقعها التفاوضي.
وفي موازاة ذلك، تبرز الانقسامات السياسية الداخلية والخلافات المرتبطة بملف متفجرات ظهر البيدر وموقف وزراء حزب القوات اللبنانية، باعتبارها مؤشرات إضافية إلى حجم التباينات حول الخيارات الأمنية والسياسية والاستراتيجية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات التماسك الداخلي.
وتتقاطع هذه التحديات مع مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، والدور الأميركي في إدارة هذا المسار، فضلاً عن أهمية التحرك العربي، ولا سيما القطري والسعودي، في دعم الاستقرار ومساعدة لبنان على تجاوز أزماته. كما تفرض المواجهة الأميركية الإيرانية المحتملة أسئلة أساسية حول مستقبل المنطقة وانعكاساتها على لبنان.
في هذا الحوار الخاص مع «بيروت تايمز»، تقدم المحللة السياسية الدكتورة ميساء عبد الخالق قراءة للمشهد اللبناني والإقليمي، وتتناول حدود القرار اللبناني المستقل، وأداء الدبلوماسية، وحسابات واشنطن وطهران، ودور الدول العربية، والسيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة، معتبرة أن لبنان لا يزال في موقع المتأثر بالتطورات الإقليمية والدولية، بانتظار تسوية قد تحدد اتجاه المرحلة المقبلة. والى نص الحوار

س1: كيف تقرئين المشهد السياسي اللبناني في ظل التصعيد الأمني والضغوط الدولية، وما الخيارات المتاحة أمام الدولة لحماية الاستقرار والسيادة؟
ج: يزداد المشهد السياسي اللبناني تعقيداً في ظل تداخل الضغوط الأمنية والسياسية والدولية. وقد برزت هذه التعقيدات أخيراً مع انسحاب وزراء حزب القوات اللبنانية احتجاجاً على عدم إحالة ملف متفجرات ظهر البيدر إلى المجلس العدلي، ما يعكس اتساع الخلافات بين القوى السياسية، ولا سيما في ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح حزب الله.
وتواجه الدولة اللبنانية تحدياً أساسياً يتمثل في الموازنة بين التزاماتها الدستورية وقراراتها الحكومية، ولا سيما القرار المتخذ عام 2025 بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وبين تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701، بما يضمن بسط سلطتها على كامل أراضيها وحماية سيادتها واستقرارها.
وتزداد هذه التحديات في ظل استمرار الضغوط الأميركية والإسرائيلية المرتبطة بنزع سلاح حزب الله، في وقت لا يزال فيه الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية يشكل عقبة أمام تثبيت الاستقرار.
من هنا، تجد الدولة نفسها أمام معادلة دقيقة تتطلب تعزيز مؤسساتها وقدراتها، والتمسك بمرجعياتها الدستورية والقرارات الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لتثبيت وقف التصعيد وضمان الانسحاب الإسرائيلي، بالتوازي مع معالجة ملف السلاح ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، بما يحفظ السيادة اللبنانية ويحول دون انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع.
س2: هل تعتقدين أن لبنان يمتلك قراراً سياسياً مستقلاً في إدارة أزماته، أم أن التطورات الداخلية لا تزال مرتبطة إلى حد كبير بالتفاهمات الإقليمية والدولية؟
ج: تاريخياً، لم يكن لبنان بمنأى عن التدخلات الخارجية منذ نيله الاستقلال عام 1943، بل ارتبطت محطات عديدة من أزماته السياسية بتأثيرات إقليمية ودولية. كما قامت علاقات بعض القوى السياسية مع دول خارجية على اعتبارات وتحالفات انعكست على طبيعة التوازنات الداخلية.
ولا تزال هذه التدخلات تلقي بثقلها على المشهد اللبناني، وتؤثر في فرص التوصل إلى تسويات داخلية مستدامة، وفي قدرة الدولة على إدارة الأزمات ومعالجتها بعيداً عن التجاذبات الخارجية.
وقد برز ذلك بوضوح في حروب الإسناد، التي انخرط فيها حزب الله من خارج القرار الرسمي للدولة، وفق الموقف الذي تبنته السلطات اللبنانية بشأن ضرورة أن يكون قرار السلم والحرب حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل أي تفاهمات داخلية لبنانية عن مسار التفاهمات الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة وإعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى.
وبالتالي، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة تتأثر فيها خياراته السياسية والأمنية بمسارات التسوية على المستويين الإقليمي والدولي، ما يجعل معالجة أزماته الداخلية مرتبطة أيضاً بمدى توافر الظروف الخارجية الملائمة، من دون أن يلغي ذلك مسؤولية القوى اللبنانية عن التوصل إلى تفاهمات تحمي مصالح البلاد وسيادتها.
س3: كيف تقيّمين أداء الدبلوماسية اللبنانية في هذه المرحلة؟ وهل نجحت الدولة في إيصال موقفها إلى المجتمع الدولي؟
ج: تؤكد الدولة اللبنانية، رغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، تمسكها بالمسار الدبلوماسي باعتباره الخيار المتاح لتجنب الحرب والحد من التصعيد، وترى فيه مدخلاً لمعالجة التطورات الأمنية الراهنة والحفاظ على الاستقرار.
إلا أن هذا المسار لا يزال يواجه صعوبات كبيرة. فعلى الرغم من عقد سبع جولات من المفاوضات، لم تتمكن الدولة اللبنانية حتى الآن من تحقيق الأهداف التي تسعى إليها، وفي مقدمتها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من القرى والبلدات المحتلة، وإعادة الأسرى، وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار. وقد أقر مسؤولون لبنانيون، بمن فيهم رئيس الجمهورية، بصعوبة المفاوضات والتحديات التي تعترضها.
وفي ظل تعثر المسار الدبلوماسي، تبقى التطورات الميدانية مصدر قلق، وسط مخاوف من تجدد التصعيد العسكري واتساع نطاق المواجهة. ويمكن وصف المرحلة الراهنة بأنها مرحلة «دبلوماسية مترنحة، فيما تسابق الحرب جهود التسوية»، إذ لم تنجح الاتصالات والمفاوضات حتى الآن في توفير ضمانات كافية لوقف التصعيد وتحقيق المطالب اللبنانية.
وتزداد هذه المهمة تعقيداً في ظل أولوية تضعها الولايات المتحدة وإسرائيل لنزع سلاح حزب الله، بالتوازي مع الضغوط الدولية على الدولة اللبنانية للمضي في تنفيذ قرار حصر السلاح بيدها.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية أمام لبنان: فهو يسعى إلى تثبيت التهدئة وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي ومعالجة ملف الأسرى وإعادة الإعمار عبر الدبلوماسية، في حين لا تزال الملفات الأمنية، وفي مقدمتها سلاح حزب الله، تشكل محوراً أساسياً في المواقف الأميركية والإسرائيلية.
وبالتالي، يبقى نجاح المسار الدبلوماسي مرتبطاً بالقدرة على التوفيق بين المطالب اللبنانية والضغوط الخارجية، وتحويل المفاوضات إلى خطوات عملية تضمن وقف الاعتداءات، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وتعزيز سلطة الدولة وسيادتها، بعيداً عن خطر العودة إلى مواجهة عسكرية جديدة.

س4: ما حقيقة الدور الأميركي في لبنان؟ وكيف يمكن قراءة التحركات الدبلوماسية الأميركية بين دعم الاستقرار والضغوط المرتبطة بالمفاوضات مع إسرائيل؟
ج: تؤدي الولايات المتحدة دور الوساطة في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، إلا أن هذا الدور يرتبط، وفقاً للمواقف الأميركية المعلنة، بأولوية نزع سلاح حزب الله، إلى جانب التأكيد على ضرورة أن يكون قرار الحرب والسلم حصراً بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.
وفي هذا الإطار، تقدم واشنطن الدعم للجيش اللبناني، وتربط جانباً من مقاربتها للملف اللبناني بتعزيز قدرة الدولة على بسط سلطتها وحصر السلاح بيدها، بما يشمل معالجة مسألة سلاح حزب الله.
غير أن هذه المقاربة تضع لبنان أمام ضغوط سياسية وأمنية متزايدة، ولا سيما من الجانب الأميركي، في ظل تصاعد المطالب المتعلقة بنزع سلاح الحزب. وقد برز ذلك في الاتصالات بين المسؤولين اللبنانيين والأميركيين، ومنها الاتصال الذي جرى بين رئيس الجمهورية ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وما رافقه من اهتمام بالمطالب الأميركية المرتبطة بهذا الملف.
وفي موازاة المسار السياسي والدبلوماسي، تبقى الأنظار متجهة إلى الميدان، في ظل استمرار التوترات الأمنية والمخاوف من تجدد التصعيد، ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحدي مواصلة المفاوضات وتخفيف الضغوط، بالتوازي مع حماية الاستقرار والسيادة اللبنانية.
س5: هل يمكن أن تشكّل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مدخلاً إلى تسوية طويلة الأمد، أم أن غياب الضمانات واستمرار التوترات الميدانية يحدّان من فرص نجاحها؟
ج: لا تزال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تواجه صعوبات كبيرة، في ظل تباين الأولويات بين الطرفين. فبينما تضع الولايات المتحدة وإسرائيل نزع سلاح حزب الله في صدارة مطالبهما، تسعى الدولة اللبنانية إلى وقف إطلاق النار، واستعادة الأراضي المحتلة، ووضع حد للاعتداءات الإسرائيلية.
ويضاف إلى ذلك ما يتصل بالحديث الإسرائيلي عن إقامة منطقة أمنية عازلة داخل الأراضي اللبنانية. فقد تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أكثر من مرة عن مساحة تقارب 700 كيلومتر مربع، فيما تشير المعطيات الميدانية إلى أن السيطرة على الأرض ليست على مستوى واحد، بل تتراوح بين انتشار مباشر في نقاط محددة، وتوغلات متحركة، وسيطرة بالنار على مناطق أوسع. ويثير هذا الواقع مخاوف جدية بشأن مستقبل الأوضاع الأمنية والسيادة اللبنانية.
إن الوصول إلى تسوية طويلة الأمد يتطلب معالجة متوازنة للملفات الأساسية، بما يشمل وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، ومعالجة قضية الأسرى، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، إلى جانب تعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
لكن استمرار التباعد بين الأولويات اللبنانية والأميركية والإسرائيلية، وغياب الضمانات الكافية، يجعلان فرص نجاح المفاوضات مرتبطة بالتطورات الميدانية والإقليمية، وبمدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة الأزمة إلى تسوية فعلية ومستدامة.

س6: كيف تقرئين العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وما انعكاسات أي اتفاق أو مواجهة بينهما على لبنان والمنطقة؟
ج: تتزايد المخاوف من احتمال توجيه ضربات أميركية وإسرائيلية إلى إيران، في ظل استمرار الخلافات المرتبطة ببرنامجها النووي وقدراتها الصاروخية الباليستية، إلى جانب مساعي واشنطن للحد من نفوذ طهران الإقليمي ودور حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله.
وفي المقابل، تبرز تداعيات المواجهة على أمن الطاقة العالمي، ولا سيما في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يشكل ممراً أساسياً لإمدادات النفط العالمية. وقد انعكست هذه التطورات، وفق المعطيات المطروحة في هذا السياق، على أسعار النفط والمخاوف من ارتفاعات إضافية، بما يفاقم الضغوط على الاقتصاد العالمي، نظراً إلى ارتباط أسعار الطاقة بكلفة النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
أما بالنسبة إلى إيران، فتبدو حماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية في صلب حساباتها، وهو ما يعني أن موقفها من الحرب في لبنان لا يمكن فصله عن رؤيتها الأوسع للصراع الإقليمي. فعلى الرغم من تأكيد حزب الله أولوية وقف الحرب في لبنان، فإن طهران تتعامل مع التطورات انطلاقاً من حساباتها الخاصة، التي تشمل أمنها القومي وبرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي.
كما أن خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات والتفاوض تجعل من الصعب افتراض أنها ستقبل بتسوية من دون الأخذ في الاعتبار مصالحها الأساسية.
وبالتالي، تبدو المرحلة الراهنة شديدة التعقيد، في ظل ارتفاع كلفة المواجهة والمخاطر التي قد تترتب عليها بالنسبة إلى مختلف الأطراف، سواء الولايات المتحدة أو إيران أو دول المنطقة.
وتبقى احتمالات التصعيد قائمة، بما فيها انعكاس المواجهة الإقليمية على لبنان، وسط مخاوف من تجدد حرب إسرائيلية واسعة على أراضيه أو انخراط حزب الله مجدداً في مواجهة عسكرية ضمن ما يُعرف بحرب الإسناد، الأمر الذي يضع لبنان أمام تحديات أمنية وسياسية واقتصادية إضافية.
س7: ما الدور الذي تستطيع قطر والسعودية أن تؤدياه في دعم الاستقرار اللبناني ومساعدة الدولة على تجاوز أزماتها السياسية والاقتصادية؟
ج: يبرز الدور العربي، ولا سيما القطري والسعودي، في الجهود الرامية إلى احتواء التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة. فقد اعتمدت دولة قطر الدبلوماسية نهجاً أساسياً في تحركاتها الإقليمية، وواصلت أداء دور الوسيط رغم تعرضها لاعتداءات إيرانية، وفق ما أشرت إليه في قراءتي للتطورات الإقليمية.
كما تواصل قطر دعم لبنان، بما في ذلك من خلال المساعدات الإنسانية والجهود الرامية إلى المساهمة في معالجة أزمة الطاقة والكهرباء، التي تشكل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والخدماتية في البلاد.
أما المملكة العربية السعودية، فتواصل بدورها حضورها الدبلوماسي في المنطقة، في وقت تواجه فيه دول الخليج ضغوطاً وتحديات أمنية متزايدة. وتبرز هنا أهمية التحرك العربي المشترك في احتواء الأزمات، ومنع اتساع رقعة المواجهة، وإيجاد مخارج سياسية تحفظ أمن الدول العربية واستقرارها.
ولا يمكن إغفال حجم الضغوط التي تتعرض لها دول الخليج في ظل التوترات الإقليمية والاعتداءات التي طالت عدداً من الدول العربية. وقد عبّر لبنان رسمياً عن إدانته للاعتداءات التي استهدفت دولاً عربية، مؤكداً تضامنه مع الدول الشقيقة، وفي مقدمتها قطر والسعودية والأردن، انطلاقاً من انتمائه العربي وحرصه على أمن الدول العربية واستقرارها.
وفي هذه المرحلة، تكتسب الدبلوماسية العربية أهمية متزايدة، ليس فقط لاحتواء التصعيد، بل أيضاً للمساهمة في تهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى تسويات سياسية تحول دون اتساع المواجهات، وتضمن احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتساعد لبنان على تجاوز أزمته الراهنة في ظل التعقيدات الأمنية والسياسية المحيطة به.
س8: هل نحن أمام إعادة رسم لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط؟ وما موقع لبنان في الحسابات الجديدة للقوى الإقليمية والدولية؟
ج: نحن أمام مرحلة قد تشهد إعادة رسم لخريطة النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، في ظل التصعيد الإقليمي والمواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة. فبعد سنوات من إدارة الصراع عبر الحروب بالوكالة، ولا سيما من خلال القوى الحليفة لإيران في المنطقة، باتت المواجهة المباشرة تفتح الباب أمام تحولات محتملة في موازين القوى وطبيعة التحالفات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يبرز دور عدد من القوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، بالتوازي مع التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد وقيام نظام جديد لا ينتمي إلى ما يُعرف بمحور المقاومة، ما يضيف عاملاً جديداً إلى معادلات النفوذ في المنطقة.
أما لبنان، فيواجه هذه التحولات من موقع لا يتيح له التأثير بصورة حاسمة في مسار التطورات الإقليمية، في ظل تجاذبات داخلية وتحديات سياسية وأمنية، يتقدمها ملف سلاح حزب الله ومستقبل حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
كما تبرز تساؤلات حول قدرة الدولة على تحقيق نتائج ملموسة عبر المفاوضات، في ظل الانتقادات التي وجّهها حزب الله إلى هذا المسار ووصفه بالذل والعار.
وحتى الآن، لم تتمكن الدولة اللبنانية من الوصول إلى نتائج حاسمة في هذهالمفاوضات، فيما يبقى نجاحها مرتبطاً أيضاً بمسار التطورات الإقليمية والدولية. ومن هنا، يبدو لبنان في موقع الانتظار، مترقباً مآلات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وما قد تفضي إليه من تسويات أو تفاهمات تنعكس على وضعه الداخلي ومستقبله السياسي والأمني.
وباختصار، لبنان اليوم على قارعة الانتظار، يترقب التسوية الإقليمية أو الدولية وسط كل هذه التحديات. فهو لم يكن يوماً في موقع المؤثر في مسار التحولات الكبرى، بل غالباً ما كان يتأثر بالتطورات الدولية والإقليمية، الأمر الذي يجعل تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز مؤسسات الدولة ضرورة ملحّة.

س9: إلى أي مدى تستطيع الدولة اللبنانية تعزيز موقعها التفاوضي في ظل الانقسامات الداخلية والتباينات حول الخيارات السياسية والاستراتيجية؟
ج: تبدو المؤشرات مقلقة، ولا سيما أن تجميد المفاوضات السياسية والاكتفاء باجتماعات عسكرية عُقدت في تامبا بولاية فلوريدا، يشيران إلى أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تواجه صعوبات جدية. وقد أشار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى هذا الواقع أيضاً.
أما مسار المفاوضات، فلا يزال غير واضح، خصوصاً في ظل اعتبار الولايات المتحدة وإسرائيل أن نزع سلاح حزب الله يمثل الأولوية الأساسية. وقد عبّرت وزارة الخارجية الأميركية عن ذلك في بيان أكدت فيه التزامها العمل مع لبنان وإسرائيل لإنهاء دوامة الصراع وتحقيق أمن طويل الأمد للبلدين، بالتوازي مع نزع سلاح حزب الله.
وبالتالي، تبدو أولوية الولايات المتحدة في هذه الوساطة متمثلة في نزع سلاح الحزب، وهو ما يثير تساؤلات ومخاوف بشأن مستقبل الوضع الأمني، ولا سيما في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم التوصل إلى تسوية تضمن الانسحاب ووقف التصعيد.
أما قدرة الدولة اللبنانية على تعزيز موقعها التفاوضي، فترتبط بمدى قدرتها على توحيد موقفها الداخلي، وتثبيت مرجعيتها الدستورية، وتعزيز حضور مؤسساتها الشرعية. فالانقسام الداخلي يضعف القدرة على التفاوض، في حين أن التوافق على ثوابت وطنية واضحة يمنح لبنان مساحة أوسع للدفاع عن مصالحه وسيادته.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى المخاوف قائمة من اندلاع عدوان إسرائيلي ثالث على لبنان، ومن انخراط حزب الله في حرب إسناد ثالثة، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد.
س10: ما السيناريوهات التي تتوقعينها للمرحلة المقبلة في لبنان والمنطقة، وما المطلوب من القيادة السياسية اللبنانية لتفادي اتساع الأزمات؟
ج: أعتقد أن السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة تثير القلق، ولا سيما في ظل اتساع دائرة الصراع وتزايد التحديات الأمنية في المنطقة. وما شهدته منطقة الجليل مؤخراً، إلى جانب التطورات الأمنية التي طالت الأردن ودول الخليج، يعكس حجم المخاطر المرتبطة بإمكانية توسع المواجهة وتجاوزها حدود دولة أو دولتين.
نحن أمام مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه الجبهات وتتسع فيه دائرة التوتر، إلى حد يجعل بعض التطورات أقرب إلى مواجهة دولية واسعة النطاق، وليس مجرد نزاع محدود بين أطراف بعينها. وهذا يضع دول المنطقة أمام تحديات أمنية وسياسية متزايدة، في وقت لا تزال فيه مآلات التصعيد غير واضحة.
أما لبنان، فيواجه هذه التطورات وسط أزماته الداخلية والانقسامات السياسية الحادة، التي تزيد من صعوبة التعامل مع التحديات الخارجية. وقد انعكست هذه الانقسامات على عمل الحكومة، ولا سيما في ظل الخلافات المرتبطة بملف متفجرات ظهر البيدر، ورفض إحالة القضية إلى المجلس العدلي، وما تبع ذلك من موقف وزراء حزب القوات اللبنانية.
في هذا السياق، أرى أن الأولوية ينبغي أن تكون للحوار الداخلي وتخفيف حدة الانقسامات، لأن الدخول في مواجهة داخلية، بما في ذلك التصادم مع حزب الله، لن يكون مفيداً في هذه المرحلة الحساسة.
المطلوب هو تعزيز قدرة الدولة على إدارة الخلافات ومعالجة الملفات العالقة ضمن المؤسسات الدستورية، بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويحد من انعكاسات التصعيد الإقليمي على لبنان.
وفي المحصلة، نحن أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل غياب الوضوح بشأن اتجاهات الصراع والتسويات الممكنة. ولا تقتصر التحديات على لبنان وحده، بل تشمل المنطقة بأكملها، ما يجعل المرحلة الراهنة من تاريخ الشرق الأوسط محفوفة بالمخاطر، ويضع القيادة اللبنانية أمام مسؤولية احتواء الانقسام الداخلي والاستعداد لمختلف السيناريوهات المقبلة.
وخلاصة القول، إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق، بين مسار دبلوماسي لم يحقق أهدافه بعد، وتصعيد أمني لا تزال احتمالاته قائمة، وانقسامات داخلية تعقّد مهمة الدولة. وفي انتظار ما ستؤول إليه المواجهة الإقليمية، يبقى الرهان على قدرة المؤسسات اللبنانية على حماية الاستقرار، وتوحيد الموقف الوطني، والدفاع عن السيادة بعيداً عن تداعيات صراعات الآخرين.