تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

رامون: الجاسوس الذي أقسم على حماية أمريكا… وباعها لموسكو

 محمد ناصر *

في صباح الثاني عشر من يناير 1976، رفع شاب من شيكاغو يدَه اليمنى وأقسم أن يحمي الدستور الأمريكي من «كل الأعداء، في الخارج والداخل». كان اسمه روبرت فيليب هانسن، وقد صار عميلًا خاصًا في مكتب التحقيقات الفيدرالي. وبعد ربع قرن وصفه المكتب نفسه بأنه أكثر جاسوس إضرارًا في تاريخ الـ FBI.

من شيكاغو إلى مكافحة التجسس

وُلد هانسن عام 1944 في عائلة لوثرية بحي نوروود بارك، وكان أبوه شرطيًا يعامله بقسوة بحسب روايات عدة. درس الكيمياء ثم المحاسبة وإدارة الأعمال، وعمل محققًا في الشؤون الداخلية بشرطة شيكاغو، ثم انتقل إلى الـ FBI في يناير 1976.

بعد ثلاث سنوات نُقل إلى مكافحة التجسس، وكُلّف ببناء قاعدة بيانات عن الاستخبارات السوفيتية. هنا صار الرجل الذي يطارد الجواسيس هو من يعرف أسرار المطاردة كلها.

البداية: عام 1979

في العام نفسه عرض خدماته على الاستخبارات العسكرية السوفيتية (GRU). ولم يكن دافعه أيديولوجيًا، فقد قال بعد القبض عليه إن المال وحده كان الدافع.

وتجدر الإشارة إلى أن التعاون لم يبدأ مع الـ KGB مباشرة، بل مع الـ GRU، ثم توقف حتى عام 1981. أما الدفعة الكبرى فبدأت في الأول من أكتوبر 1985، حين أرسل رسالة مجهولة إلى الـ KGB يعرض فيها خدماته مقابل 100 ألف دولار، وسلّمهم أسماء ثلاثة ضباط سوفيت يعملون سرًا لصالح الأمريكيين.

ضحايا لم يعرفوا اسمه

كان بعض هؤلاء قد كُشف قبل أن يصل خطاب هانسن، لأن ألدريش أيمز من الـ CIA كان قد باعهم إلى موسكو في العام نفسه. لكن النتيجة واحدة: أُعدم فاليري مارتينوف وسيرغي موتورين رميًا بالرصاص، وسُجن بوريس يوزين ست سنوات.

وفي رواية الـ FBI، كشف هانسن كذلك هوية ضابطين سوفيتيين جنّدتهما واشنطن عميلين داخل سفارة بلادهما، وقد حوكما وأُعدما بعد عودتهما إلى موسكو. ومن أبرز من وصل إليهم هانسن وأيمز الجنرال دميتري بوليكوف، الذي كان من أثمن مصادر الـ CIA داخل الجيش السوفيتي، وأُعدم عام 1988.

ثم جاءت مفارقة تبدو كأنها من رواية: ففي عام 1987 كلّفه الـ FBI بدراسة كل الاختراقات المحتملة لجهازه بحثًا عن الخائن الذي كشف مارتينوف وموتورين. بحث هانسن عن نفسه، ثم سلّم الدراسة كاملة إلى الـ KGB.

نفق تحت السفارة وملفات مفتوحة

في سبتمبر 1989 كشف للسوفييت النفق الذي حفرته أمريكا تحت سفارتهم الجديدة في واشنطن للتنصت على غرفة التشفير، ثم تقاضى بعد شهر 55 ألف دولار. وفي العام نفسه أفسد تحقيقًا بشأن دبلوماسي أمريكي يُدعى فيليكس بلوخ، إذ حذّر الـ KGB من أنه تحت المراقبة. وهذا الإخفاق نفسه هو ما أطلق عملية البحث عن «الخلد»، وانتهت بعد سنوات إلى هانسن.

كيف تجسس دون أن يُمسك؟

اتبع هانسن قواعد صارمة تعلّمها من عمله:

  • لم يلتقِ مشغّليه الروس وجهًا لوجه، ولم يكشف لهم هويته أو مكان عمله.

  • استخدم الاسم المستعار «رامون غارسيا».

  • اعتمد على «صناديق البريد الميتة»: أكياس تُترك في أماكن عامة ويلتقطها الطرف الآخر لاحقًا.

  • وضع شريطًا لاصقًا أبيض على لافتة حديقة ليعلن للروس أن طردًا ينتظرهم.

  • رفض السفر لمقابلتهم، ورفض حتى قبول وسائل التجسس التي عرضوها عليه.

  • لم يُظهر ثراءً مفاجئًا، فهو بحكم عمله يعرف كيف يُكتشف من يُنفق المال المجهول.

لكن الحذر لم يكن مطلقًا. ففي عام 1993 دخل إلى حاسوب زميل له وطبع منه وثيقة سرية بحجة إثبات هشاشة الأمان في الجهاز، وصدّقه المسؤولون. وكان صهره، وهو موظف في الـ FBI أيضًا، قد أبلغ مسؤوليه عام 1990 بأن شقيقته وجدت كومة نقود في منزل هانسن، لكن أحدًا لم يتحرك.

الحياة المزدوجة

كان هانسن في الظاهر أبًا لستة أطفال وكاثوليكيًا متدينًا مرتبطًا بجماعة «أوبوس داي»، يحضر القداس يوميًا ويشجّع زملاءه على الصلاة. وفي الخفاء كان يتواصل مع جهاز استخبارات دولة يصفها بأنها «بلا إله»، وينفق على امرأة تعمل في ملهى ليلي بواشنطن، فيمنحها المال والمجوهرات وسيارة مستعملة.

بريء دفع الثمن

بعد اعتقال أيمز عام 1994 بقيت قضايا غير مفسَّرة، مثل النفق وبلوخ، لأن أيمز لم يكن يعرف عنهما شيئًا. فتشكّل فريق مشترك بين الـ FBI والـ CIA للبحث عن جاسوس ثانٍ. لكن التحقيق ركّز على الـ CIA، فاشتُبه خطأً في ضابط يُدعى براين كيلي، واستُجوب هو وعائلته وتعرضوا للمراقبة، وبقي تحت الشبهة حتى القبض على هانسن.

الصفقة التي كشفته

جاء الحسم من الداخل الروسي. دفع الـ FBI سبعة ملايين دولار لعميل في الـ KGB مقابل ملف عن جاسوس مجهول يُرمز له بحرف «B». لم يتضمن الملف الاسم، لكن فيه شريطًا صوتيًا لمحادثة عام 1986. تعرّف أحد المحققين على الصوت، وتبيّن أن بصمتين على كيس القمامة الذي يحوي الملف تعودان لهانسن.

ولضمان إبقائه تحت العين، رُقّي إلى منصب شكلي في مقر الـ FBI، وسُلّم مكتبًا مليئًا بكاميرات ومايكروفونات خفية، وعُيّن له مساعد شاب هو إريك أونيل، مهمته مراقبته. وفي النهاية حصل المحققون على أدلة قاطعة من جهاز Palm الشخصي الذي كان يخزّن عليه معلوماته مشفّرة. وفي فبراير 2001 كان نحو 300 شخص يعملون على القضية.

الأحد 18 فبراير 2001

بعد أن ودّع صديقًا في المطار، قاد هانسن سيارته إلى حديقة فوكسستون قرب منزله في فيينا بولاية فرجينيا، ثبّت الشريط الأبيض على اللافتة، وعلّق كيسًا من الوثائق تحت جسر خشبي صغير. وعندما عاد إلى سيارته أحاط به فريق الاعتقال. وبحسب الروايات، سأل: «ما الذي أخّركم كل هذا الوقت؟»

الثمن والنهاية

  • المقابل: أكثر من 1.4 مليون دولار نقدًا وأموالًا مصرفية وألماسًا، بعضها في حسابات روسية.

  • الحكم: اعترف في 6 يوليو 2001 بتهم التجسس والتآمر، وتفادى بذلك الإعدام. وفي 10 مايو 2002 حُكم عليه بالسجن المؤبد دون إفراج مشروط، وهي في الحقيقة 15 حكمًا بالمؤبد.

  • النهاية: قضى سنواته في سجن ADX فلورنس شديد الحراسة في كولورادو، وتوفي في 5 يونيو 2023 عن 79 عامًا، وأظهر التشريح أن سبب الوفاة سرطان القولون.

ما الذي تعلّمته أمريكا؟

كلّف مدير الـ FBI حينها لويس فريه القاضي ويليام ويبستر بمراجعة الإجراءات الأمنية الداخلية، وأقرّ بأن أنظمة الأمن الداخلي لم ترصد شيئًا من نشاط موظف خان الثقة دون أن يُكتشف. وهذه هي الخلاصة الأعمق للقصة: أخطر ثغرة في أي جهاز استخبارات ليست في الأسوار، بل في من يملك مفاتيح البوابة.

وبينما اتجه أيمز إلى المال بشراهة ظاهرة، اختار هانسن طريقًا أهدأ وأكثر خداعًا: رجل متديّن في العلن، وخائن في الخفاء، ولم يعرف الروس اسمه الحقيقي حتى كُشف أمره.

المصادر

صفحة قضية روبرت هانسن على موقع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وبيان مدير المكتب لويس فريه بتاريخ 20 فبراير 2001، وتقرير مكتب المفتش العام بوزارة العدل الأمريكية (2003)، وكتاب «Spy» لديفيد وايز (2002).

عن الكاتب

* محمد ناصر، كاتب محتوى مستقل وراوي قصص للعلامات التجارية، ثنائي اللغة (العربية والإنجليزية)، من الأردن. يكتب في التكنولوجيا والأعمال والمقالات الفكرية، ويهتم بالسرد الإنساني الأصيل والكتابة التحليلية.

لينكدإن: linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock