تخطي إلى المحتوى الرئيسي
35,602 مشاهدة
حسام عبد الحسين *
في فرنسا وأوروبا كل يوم يتم سرقة الناس بأشكال مختلفة؛ أجور قليلة، أسعار ترتفع، إيجارات تأكل الدخل، خصخصة الخدمات، ووظائف بلا حماية، وبيوت غالية جداً. ثم يأتي من استفاد من هذا الوضع ويقول للناس “خافوا من السرقة”، “واحموا الممتلكات، “والفوضى أخطر من الظلم والفساد”. وكأن الخوف من الفوضى صار غطاءً ليستمر الظلم.
الاحتجاجات والثورات في التاريخ كانت دافعاً للتغيير؛ أسقطت أنظمة، وفرضت قوانين أفضل للناس، وفتحت أبواباً لتغييرات اقتصادية وعلمية. لكن الإعلام الرسمي ينسب الإنجاز لنفسه، وينسى أن الشارع هو الذي دفع الثمن. وفرنسا ليست استثناءً، بل مثال يتكرر في كل المجتمعات، ولها تاريخ طويل من الاحتجاجات، وحكومات تتحدث عن الإصلاح بينما تحافظ على نفس النظام الاقتصادي.
ما يجري في فرنسا وأوروبا ليس مجرد غضب من الغلاء أو إصلاح التقاعد، بل تعبير عن خلل أكبر في النظام الرأسمالي، حيث أصحاب رأس المال يريدون أرباحاً أكثر، وغالباً على حساب أجور الناس وحقوقهم. والسياسات النيوليبرالية، مثل الخصخصة وتجميد الأجور وتحويل المال إلى العسكرة ليست أخطاء عابرة، بل ضرورة للحفاظ على أرباح الطبقة الحاكمة. النتيجة أن الدولة تعجز عن توفير الصحة والتعليم والسكن والخدمات، لأن الربح والأسواق يأتيان أولاً.
والاحتجاجات لا تحدث بسبب واحد؛ الشرارة قد تكون رفع سعر وقود أو قانوناً ظالماً. لكن الانفجار الجماهيري يحدث عندما تتراكم المشاكل؛ تضخم، بطالة، أزمة سكن، خدمات سيئة، ثم يدرك الناس أن النظام لم يعد يضمن حتى الحد الأدنى من الحياة الكريمة. عندها تتحول الأزمات المتراكمة إلى فعل جماعي.
الدولة ليست دائماً محايدة في الصراع الاجتماعي؛ كثيراً ما تعكس سياساتها مصالح أصحاب رأس المال والنفوذ والأراضي الكبيرة والمنصات الرقمية والبنوك. والفساد ليس فقط رشوة فرد، بل نظام كامل يعيد إنتاج الفقر والتفاوت، مثل سياسات وعقود وامتيازات تسمح بتركز الثروة والنفوذ. من يملك المصانع والمنصات والتمويل هو من يقرر الأجور والأسعار وشروط العمل. وما ننتجه بأيدينا يتحول جزء كبير منه إلى ربح لغيرنا.
الحكومات تعرف كيف ترد على الاحتجاجات. لا تواجه المطالب فقط، بل تشن هجوماً مضاداً؛ قمع، اتهامات، تشويه، تجنيد مجموعات تدخل بين المحتجين، وتوجيه الرأي العام نحو “السرقة” “وحماية الممتلكات”، بينما تدفع مطالب الناس إلى الخلف. وتستخدم العاطفة بكلمات مثل “الفوضى” “والاستقرار”. وفي الوقت نفسه توجد شركات ومتاجر وعلامات تجارية هي واجهات لغسيل الأموال؛ ملكية شخصية على الورق، لكنها في الحقيقة جزء من شبكة نفوذ.
المجتمع ليس كتلة واحدة. فيه جزء مع السلطة، وجزء معارض، وجزء صامت ينتظر من يخاطبه بصدق. المحرك الحقيقي هو الفارق الطبقي الذي تخلقه السياسات، والفساد المنظم الذي يجعل الشارع الصوت الوحيد. لكن الشارع وحده لا يكفي إذا بقي بلا تنظيم. التغيير يحتاج إلى تنظيم مستقل يربط مطالب الناس اليومية بتغيير علاقات الملكية والسلطة.
في الوضع الحالي صار الأمر أوضح، حيث منصات رقمية يملكها قليلون، عقود عمل هشة، ديون، تضخم، أزمة سكن، ومراقبة إلكترونية. ومع ذلك يمكن للوعي أن يتشكل، وللتنظيم المستقل أن يولد. ولا يكفي أن نطلب من السارق أن يحمينا من السرقة. التغيير الحقيقي لا يبدأ بتبديل الوجوه، بل بمن يملك وسائل الإنتاج والمنصات والقرار، ومن يستفيد من التطور التقني.
الحرية الحقيقية ليست في الخوف من الفوضى، بل في إنهاء الاستغلال الذي يجعل الخوف والسرقة وجهين لنظام واحد.
* كاتب عراقي