تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

نارٌ على الأرضِ! بينَ نارِ الحروبِ ونارِ المحبّةِ الإلهيّةِ، أينَ الخلاصُ؟

الخوري الدكتور نبيل مونس *

ما هذهِ الحالُ التي وصلَ إليها عالمُنا؟

النارُ تشتعلُ منذُ زمنٍ في أرجاءِ عالمِنا المعاصِرِ. إنّها نارُ الحروبِ، ونارُ القذائفِ والمسيّراتِ، ونارُ التظاهراتِ العنيفةِ، حتّى حينَ يتدثّرُ بعضُها بأثوابِ العدالةِ والحرمانِ والمطالبةِ بالحقوقِ. وما يزيد من المخاوف هو أنّ الآتيَ قد يكونُ أعظمَ وأشدَّ فتكًا: نارُ الحربِ النوويّةِ التي تهدّدُ بحرقِ الأخضرِ واليابسِ، وربّما الحياةِ نفسِها على هذا الكوكبِ.

أنادي، مع الوُدَعَاءِ والطيّبينَ من أبناءِ العالمِ: أينَ الخلاصُ؟ ومَن هو المخلّصُ؟ ومتى تنتهي استعراضاتُ القوّةِ البشريّةِ، المخادعةِ والجاهلةِ والوحشيّةِ، لنخرجَ من دوّامةِ العنفِ ونستعيدَ إنسانيّتَنا؟

من جديدٍ، ومن هذا المنبرِ المميّزِ، موقع «بيروت تايمز» الاخباري، أتوجّهُ بكلِّ بساطةٍ، ولكن بكلِّ إيمانٍ واحترامٍ، إلى كلِّ مَن يقرأُ الحرفَ العربيَّ، مهما اختلفتِ الأرقامُ أوِ الخطوطُ التي تُرافقُه؛ فالكلمةُ التي تُنادي بالحقِّ والمحبّةِ لا تحدُّها لغةٌ ولا يُحاصرها رسمٌ.

إلى متى نتركُ الغضبَ يجرُّنا إلى لعبةِ النّارِ القاتلةِ؟

إنّها النّار التي تأكلُ الأخضرَ واليابسَ، وتحرقُ الإنسانَ قبلَ الحجرِ، وتحوّلُ الأوطانَ إلى ساحاتٍ للدّمارِ، والقلوبَ إلى ميادينَ للثأرِ والانتقامِ.

إنّ منطقَ «العينُ بالعينِ والسنُّ بالسنِّ» لم يخلّصِ العالمَ من مآسيهِ، بل كثيرًا ما أبقى البشريّةَ أسيرةَ حلقةٍ لا تنتهي منَ الانتقامِ. والتّاريخُ، من لبنان إلى أسوارِ الصّين، ومن أعماقِ المحيطاتِ إلى رأسِ الرّجاءِ الصّالحِ، شاهدٌ على أنّ العنفَ يولّدُ عنفًا، وأنّ الكراهيةَ لا تبني سلامًا، وأنّ الانتصارَ الذي يتحقّقُ بإذلالِ الإنسانِ، لا يصنعُ مستقبلًا آمنًا للبشريّةِ.

إلى متى ستبقى القلوبُ قاسيةً، والأذهانُ أسيرةَ الحقدِ، والعيونُ معصوبةً بحُجُبٍ مختلفةٍ، بعضُها يتجلببُ بلباسِ العلمِ، وبعضُها يتستّرُ وراءَ العقائدِ، وبعضُها يستغلُّ الدّينَ لتبريرِ العنفِ والانقسامِ؟ فالعلمُ الذي ينفصلُ عنِ الضّميرِ قد يتحوّلُ إلى أداةٍ للدّمارِ، والعقيدةُ التي تفقدُ روحَ المحبّةِ قد تصبحُ جدارًا يفصلُ الإنسانَ عن أخيهِ الإنسانِ، والدّينُ الذي يُستعملُ لتغذيةِ الكراهيةِ يخونُ رسالتَه في خدمةِ الحياةِ والكرامةِ الإنسانيّةِ.

يا أبناءَ الشرقِ الأوسطِ، يا أبناءَ الوسطِ والقلبِ!

أنتم في منطقةٍ تتوسّطُ العالمَ، وتختزنُ في أرضِها وذاكرتِها تاريخًا طويلًا من اللقاءاتِ والصّراعاتِ، ومن الإيمانِ والرّجاءِ والألمِ. فاسمحوا لي بأن أناديَكم: يا أبناءَ الوسطِ، يا أبناءَ القلبِ!

إنّ بشارةَ الخلاصِ انطلقتْ من بينِكم، ومن أرضِكم سمعَ العالمُ كلمةَ اللهِ، كلمةَ الحياةِ والمحبّةِ. فلا تسمحوا للانقساماتِ الحزبيّةِ والطائفيّةِ بأن تقيّدَ قلوبَكم وعقولَكم. فكّوا قيودَ الحقدِ، وافتحوا أبوابَ الضميرِ، وعودوا إلى كلمةِ المحبّةِ الإلهيّةِ التي تدعو الإنسانَ إلى التوبةِ والمصالحةِ والغفرانِ.

أينَ نجدُ هذه الكلمةَ؟

الحقَّ أقولُ لكم: إنّها ليست بعيدةً عنكم؛ إنّها معكم وبينَكم. لقد زُرعتْ بذورُها في أرضِكم، وأزهرتْ في ربوعِكم، وانطلقتْ منها رسالةُ الإنجيلِ إلى العالمِ. ولكنْ، كما يعلّمُنا المثلُ الإنجيليُّ، جاء العدوّ في الخفيةِ وزرعَ الزؤانَ بين الحنطةِ؛ فامتزجَ الحقُّ بالباطلِ، والمحبّةُ بالحقدِ، والوحدةُ بالانقسامِ، حتى باتَ التمييزُ بينها يحتاجُ إلى قلبٍ متيقّظٍ وعقلٍ مستنيرٍ بنورِ اللهِ.

فهل لنا أن نفهمَ هذه الحقيقةَ؟ وهل لنا أن نصغيَ من جديدٍ إلى كلامِ يسوعَ المسيحِ، الذي نؤمنُ بهِ مخلّصَ العالمِ، ورجاءَ البشريّةِ في وجهِ الخطيئةِ والموتِ، والنّورِ الذي يبدّدُ ظلماتِ الحقدِ واليأسِ؟

وهل لنا أن نسمعَ كلمتَه في إنجيلِ لوقا، الفصلِ الثاني عشر، الآيةِ التاسعةِ والأربعين؟

«جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ؟ لَيْتَهَا قَدِ اضْطَرَمَتْ!» (لوقا ١٢: ٤٩).

يا لها من كلمةٍ تهزّ الضميرَ وتوقظُ القلبَ!

أيّةُ نارٍ يريدُ المسيحُ أن يشعلَها في الأرضِ؟ أهي نارُ القذائفِ والصواريخِ، أم نارُ الانتقامِ التي تحرقُ الإنسانَ منَ الدّاخلِ، أم نارُ الأسلحةِ النوويّةِ التي قد تجعلُ الأرضَ مسرحًا لفناءٍ لا يمكنُ تصوّرُ أبعادِه؟

كلا! إنّنا، في ضوءِ الإنجيلِ، نفهمُ هذه النّارَ بوصفِها صورةً لقوّةِ اللهِ التي تُوقظُ الضّميرَ وتُطهّرُ القلبَ وتدعو الإنسانَ إلى التوبةِ والتجدّدِ. إنّها نارُ الحقِّ الذي يحرِّرُ، ونارُ المحبّةِ التي تتغلّبُ على البغضاءِ، ونارُ الرّوحِ القدسِ الذي يُنيرُ العقولَ ويجدّدُ القلوبَ، ويقودُ البشرَ إلى المصالحةِ مع اللهِ ومع بعضِهم بعضًا.

إنّها نارٌ لا تحرقُ الإنسانَ لتفنيه، بل تحرقُ فيه ما يُفسد إنسانيّتَه؛ لا تهدُم الأوطانَ، بل تهدُم أسوارَ العداوةِ؛ لا تزرعُ الرّعبَ، بل توقظُ الرّجاءَ؛ ولا تدفعُ إلى الانتقامِ، بل تفتحُ الطريقَ أمام العدالةِ والرّحمةِ والسلامِ.

وهنا يقفُ العالمُ أمام مفترقِ طُرُقٍ حاسمٍ: إمّا أن نسمحَ لنارِ الغضبِ والحقدِ والانتقامِ بأن تلتهمَنا، فنواصلُ السّيرَ نحو مزيدٍ من الدّمارِ، وإمّا أن نقبلَ نارَ المسيحِ المطهّرةِ، التي تدعونا إلى تغييرِ القلبِ وتجديدِ الحياةِ.

إنْ أردْنا الحياةَ والعدلَ والسّعادةَ، فلنصغِ إلى صوتِ الإنجيلِ، ولنفتحْ قلوبَنا لعملِ الرّوحِ القدسِ. فليس السلامُ ضعفًا، ولا الغفرانُ استسلامًا، ولا المحبّةُ تنازلًا عنِ الحقِّ. بل إنّ السلامَ يحتاجُ إلى شجاعةٍ، والعدالةَ تحتاجُ إلى ضميرٍ، والمصالحةَ تحتاجُ إلى نفوسٍ تتحرّرُ من عبوديّةِ الكراهيةِ.

أمّا الاستمرارُ في منطقِ التقاتُلِ والتآكلِ، فليس إلا طريقًا إلى هاويةٍ لا يعرفُ أحدٌ أين تنتهي، ولا سيّما حين تمتلكُ البشريّةُ أسلحةً قادرةً على تهديدِ مستقبلِها بأسرِه.

فلنخترْ إذًا نارَ الرّوحِ القدسِ، نارَ المحبّةِ الإلهيّةِ التي تجمعُ ولا تفرّقُ، تطهّرُ ولا تدمّرُ، وتوحّدُ إرادتَنا مع مشيئةِ اللهِ، لكي يصبحَ الإنسانُ أخًا للإنسانِ، وتتحوّلَ الأرضُ من ساحةٍ للحروبِ إلى بيتٍ مشتركٍ للحياةِ والكرامةِ والرّجاءِ.

إنّها نارُ الرّوحِ القدسِ، ونارُ المحبّةِ الإلهيّةِ التي يُريدُ يسوعُ أن يُشعلَها في قلوبِ البشرِ؛ نارٌ تُطهّرُ وتُجدّدُ، وتُوقظُ الضمائرَ، وتحوّلُ العالمَ إلى واحةِ سلامٍ وعدلٍ، ينعمُ فيها أبناءُ الأرضِ جميعًا بكرامةِ الإنسانِ ونورِ الإنجيلِ.

فيا ربّ، أشعلْ نارَ محبّتِك في قلوبِنا، وأطفئْ نيرانَ الحقدِ والحربِ، ولا تسمحْ للبشريّةِ بأن تحرقَ مستقبلَها بيديْها. اجعلْ روحَكَ القدّوسَ يقودُنا إلى سلامِكَ، ويعلّمُنا أن نحفَظَ الأرضَ التي وهبتَنا إيّاها، وأن نرى في كلِّ إنسانٍ أخًا لنا، مهما اختلفتْ لغتُه أو عقيدتُه أو وطنُه.

لأنّ نارَ محبّتِكَ، يا ربّ، هي نارُ الحياةِ؛ أمّا نارُ الكراهيةِ، فليستْ سوى طريقٍ إلى الموتِ.

* الخوري الدكتور نبيل مونس، كاهن ماروني لبناني ولاهوتي، راعي كنيسة سيدة لبنان المارونية في ولاية أوكلاهوما الأميركية، ومؤسس اللجنة اللاهوتية للسلام في لبنان. يُعرف بكتاباته الروحية والفكرية ودعوته إلى الحوار والسلام وتعزيز القيم الإنسانية والإيمانية.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock