تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

حروب تعيد تشكيل العالم… فهل أصبحت الشعوب خارج الحسابات؟

رشيد ج. مينا

حروب تستنزف العالم، وصراعات تتسع ساحاتها وتتشابك مصالح أطرافها، وتحولات سياسية واقتصادية واستراتيجية تطرح أسئلة كبرى حول مستقبل موازين القوى الدولية، واحتمال أن يشهد العالم تغييرات عميقة في بنية النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

ورغم التحركات الدبلوماسية والمبادرات التي تُرفع خلالها عناوين التهدئة ووقف الحروب والوصول إلى تسويات عبر المفاوضات، فإن كثيرًا من هذا الحراك يبدو عاجزًا عن معالجة الأسباب العميقة للصراعات، وكأنه يجري خارج الملعب الذي تتحدد فيه حسابات المصالح والنفوذ.

فالمواجهات العسكرية ليست سوى جانب من مشهد أوسع تتداخل فيه المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية والتجارية مع إعادة تشكيل التحالفات ومصادر الطاقة وخطوط الإمداد والأسواق. وحتى الدول غير المنخرطة مباشرة في الحروب، كالصين والهند وغيرهما من القوى الصاعدة، ليست خارج نتائجها، بل قد تكون من أبرز المتأثرين بالتحولات التي ستنتج عنها، والمساهمين في تحديد اتجاهاتها.

إلى أين يتجه العالم؟ وما الذي ستكون عليه النتائج النهائية لهذه الصراعات؟ وهل نحن أمام ولادة نظام دولي جديد، أم أمام إعادة توزيع للنفوذ داخل النظام القائم؟

لا أحد يمتلك جوابًا حاسمًا، ولا يستطيع أحد رسم صورة نهائية لما ستؤول إليه الأحداث. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب كثيرًا ما تبدأ بحسابات وتوقعات، ثم تنتهي إلى نتائج لم تكن في تقدير الذين أشعلوها أو انخرطوا فيها. وكم من قوة دخلت مواجهة وهي تعتقد أنها تمتلك مفاتيح نهايتها، فإذا بها تكتشف أن حساب البيدر لم يطابق حساب الحقل.

ولعل في الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وفي المواجهات بين روسيا وأوكرانيا، وفي تجربة الصراع بين السعودية والحوثيين في اليمن، وبين إسرائيل وحزب الله، وفي الحروب والانقسامات التي تعصف بالسودان وليبيا، وفي التوترات المرتبطة بمياه النيل بين إثيوبيا ومصر، شواهد على تعقيدات المصالح والحسابات، وعلى احتمالات أن تفضي المواجهات إلى نتائج تختلف عما كان متوقعًا منها.

ولا يعني جمع هذه الأمثلة أن أسبابها واحدة، أو أن طبيعة أطرافها ومسؤولياتها متشابهة، وإنما يجمعها أن حسابات الحرب والسلام لا تتحكم بها الإرادة المنفردة لأي طرف، وأن نتائج الصراعات قد تتجاوز حدود ساحاتها المباشرة، وتنعكس على دول وشعوب لم تكن شريكة في اتخاذ قراراتها.

وتبقى فلسطين، بما تشهده من احتلال وعدوان ودمار وتهجير ومعاناة إنسانية، في قلب المشهد الإقليمي، حيث تتداخل قضية شعب يناضل من أجل حقوقه الوطنية المشروعة مع صراعات المصالح والنفوذ والتحالفات الإقليمية والدولية.

وهنا يبرز سؤال لا يجوز تجاوزه: إلى أي مدى تخدم مسارات الصراع القائمة حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته، وإلى أي مدى تتحول قضيته، بما تحمله من عدالة وتضحيات، إلى ورقة في حسابات القوى المتصارعة؟

والسؤال نفسه ينسحب على الأمن والمصالح العربية. فهل تمتلك الدول العربية القدرة على التأثير في مسارات الصراعات التي تدور في محيطها وتنعكس على أمنها واقتصادها واستقرارها؟ أم أن دورها في كثير من المحطات يبقى محصورًا في التعامل مع النتائج ومحاولة الحد من الخسائر؟

وسط هذا المشهد المعقد يقف لبنان، هذا الوطن الغالي والعزيز، بما يحمله من تنوع ديني وثقافي واجتماعي، وما مثّله من مساحة تفاعل فكري وثقافي عربي وإنساني، ومن تجربة كان يمكن أن تقدم نموذجًا مميزًا للتعددية والحرية والتعايش في ظل دولة القانون والمواطنة.

لكن هذا الوطن، منذ إعلان لبنان الكبير، لم يتمكن من استكمال مشروع بناء الدولة الوطنية بمؤسساتها وسيادتها ووحدة قرارها، رغم ما شهدته مسيرته من محاولات وإنجازات ومحطات كان يمكن البناء عليها.

ولم يكن ذلك نتيجة عامل واحد، ولا بفعل جهة واحدة، بل حصيلة تراكمات طويلة من الانقسامات الداخلية والصراعات على السلطة، والتدخلات الخارجية، وتحول التنوع الذي كان يمكن أن يكون مصدر غنى وقوة إلى منافذ للتأثير والنفوذ، استثمرت فيها قوى ودول وجهات مختلفة، كل وفق مصالحها وحساباتها.

ولم تكن القوى السياسية اللبنانية بعيدة عن المسؤولية، إذ فتحت ارتباطاتها وصراعاتها وتنافسها على السلطة أبوابًا واسعة أمام التدخلات، حتى باتت بعض القضايا الوطنية الكبرى تُقرأ من خلال مصالح المحاور الخارجية بدل أن تكون موضع توافق وطني يحمي استقلال القرار اللبناني.

وهكذا بقي لبنان، في محطات كثيرة، ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين وصراعاتهم، ويدفع شعبه أثمانًا لا تتناسب مع قدرته على التأثير في القرارات التي تنتجها. وما زال هذا الواقع مستمرًا بأشكال مختلفة، رغم الوعود والقرارات الدولية والمبادرات والرعايات السياسية، ورغم ما أُعلن ويُعلن من حرص عربي ودولي على وحدة لبنان واستقلاله واستقراره.

فكل ذلك لم يمنع الحروب والاعتداءات الإسرائيلية وما رافقها من احتلال وتدمير وتهجير وخسائر بشرية واقتصادية، ولم يحل دون استمرار ارتباط قوى داخلية بصراعات إقليمية تتجاوز حدود لبنان ومصالحه الوطنية، ولم ينجح حتى الآن في إخراج البلاد من دائرة الأزمات المتلاحقة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو كثير من المبادرات والتحركات السياسية أقرب إلى محاولات لإدارة الأزمات واحتواء تداعياتها منها إلى معالجة أسبابها وإيجاد حلول مستدامة لها.

ولا تبدو في الأفق، حتى الآن، ضمانات كافية تسمح بالجزم بأن لبنان يتجه نحو تسوية وطنية شاملة تنهي أزماته المتراكمة. كما لا تظهر مؤشرات واضحة على أن القوى الداخلية الفاعلة قد وصلت إلى قناعة مشتركة بضرورة تحرير القرار الوطني من ارتباطاته الخارجية، وتقديم مصلحة لبنان وبناء دولته على ما عداها من مصالح وحسابات. لكن السؤال الذي لا يقل أهمية يتعلق باللبنانيين أنفسهم.

أين الشعب من كل ما يجري؟ وأين القوى الحية والنخب والكفاءات المستقلة؟ وأين الإرادة الشعبية القادرة على تجاوز الانقسامات والتبعيات، والتحول إلى قوة وطنية منظمة تدفع نحو تغيير حقيقي؟

لقد شهد لبنان اعتراضات وتحركات شعبية ومحاولات للتغيير، ولا يصح إنكارها أو التقليل من شأن المشاركين فيها وتضحياتهم. لكن السؤال يبقى عن الأسباب التي حالت دون تحول هذه المحاولات إلى قوة وطنية مستقلة ومستمرة، تمتلك مشروعًا واضحًا وأدوات عمل قادرة على التأثير في مسار السلطة وبناء المؤسسات.

هل يعود ذلك إلى عمق الانقسامات الطائفية والمذهبية؟ أم إلى شبكات المصالح والتبعية التي تتحكم في جوانب واسعة من الحياة السياسية والاجتماعية؟ أم إلى الأزمات المعيشية التي تستنزف الإنسان وتجعله منشغلًا بتأمين ضروريات حياته؟ أم إلى غياب التنظيم والرؤية والقيادات القادرة على جمع الطاقات حول مشروع وطني جامع؟

ربما كان الجواب في تداخل هذه العوامل وغيرها، وهو ما يجعل التغيير أكثر تعقيدًا من مجرد إطلاق الشعارات أو الدعوة إلى النزول إلى الشارع. لكن تعقيد الواقع لا يعني استحالة تغييره، كما أن ضخامة الصراعات الدولية والإقليمية لا تعني أن الشعوب فقدت حقها في التأثير في مصائرها.

وهنا نصل إلى واحدة من أخطر الأفكار التي قد تتسلل إلى وعي المجتمعات المنهكة بالحروب والأزمات: أن ما يجري أكبر منا، وأن القوى المتصارعة ستقرر النتائج مهما فعلنا، وأن علينا انتظار ما ستنتهي إليه المواجهات والتسويات، ثم التكيف مع الواقع الجديد.

بل قد نسمع من يقول: ماذا بقي لدينا لنخسره؟ فليتقاتل أصحاب المصالح بعضهم مع بعض، وليحسموا صراعاتهم، ولتأتِ النتائج كما تأتي.

لكن هل صحيح أننا لم نعد نملك ما نخسره؟ وهل تُقاس خسائر الشعوب بما تبقى في خزائنها من أموال، أو بما تملكه من مؤسسات وسلطات ومواقع نفوذ؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس الفقر وحده، ولا حتى الخسارة المادية، وإنما أن يصل إلى قناعة بأنه لم يعد يملك شيئًا يستحق الدفاع عنه، وأن حياته ومستقبله أصبحا مجرد تفصيل في حسابات الآخرين.

فالإنسان الذي خسر عمله لا يزال يملك حقه في العمل. والذي حُرم من التعليم لا يزال يملك حقه في المعرفة. والذي هُجّر من أرضه لا يزال يملك حقه في العودة إليها. والذي يعيش تحت الخوف والتهديد لا يزال يملك حقه في الأمن والحرية والكرامة. والشعوب التي فقدت كثيرًا من مقدراتها لا تفقد بذلك حقها في استعادتها، ولا حقها في أن تكون شريكة في صناعة حاضرها ومستقبلها.

وليس المطلوب أن تدخل الشعوب في مغامرات جديدة أو مواجهات لا تملك مقوماتها، ولا أن تتجاهل موازين القوى والوقائع الدولية والإقليمية. فالحكمة السياسية تقتضي قراءة الواقع كما هو، وفهم المصالح المتصارعة، والتمييز بين الممكن والمستحيل، وبين ما تستطيع الشعوب تغييره وما يحتاج إلى وقت وتراكم للقدرات والظروف. لكن الواقعية شيء، والاستسلام شيء آخر. والوعي بحجم التحديات لا يعني تطبيع العقل مع الهزيمة والعجز، ولا التسليم بأن مصائر الأوطان أصبحت ملكًا حصريًا للقوى الكبرى وأصحاب النفوذ والسلاح والمال.

فحتى في أكثر المراحل التاريخية تعقيدًا، لم تكن الشعوب مجرد أرقام في معادلات القوة. لقد استطاعت، حين امتلكت الوعي والتنظيم والإرادة، أن تؤثر في مسارات الأحداث، وأن تفرض حقوقًا وتحقق تحولات لم تكن تبدو ممكنة في حسابات القوى المهيمنة. ولا يبدأ ذلك بالضرورة من امتلاك القوة العسكرية أو الاقتصادية، وإنما من إدراك الإنسان أنه صاحب حق ومسؤولية، وأن مستقبله ليس شأنًا يخص الآخرين وحدهم.

ومن هنا، فإن ما يحتاج إليه لبنان، كما تحتاج إليه شعوب كثيرة تعيش أزمات مشابهة، ليس انتظار ما ستقرره الحروب والتسويات، بل استعادة القدرة على التفكير والعمل والمبادرة، وبناء مساحات وطنية حرة تجمع الناس حول حقوقهم ومصالحهم المشتركة، وتحررهم تدريجيًا من التبعيات والانقسامات التي تجعلهم عاجزين عن التأثير في حاضرهم. وذلك لا يلغي أهمية العلاقات العربية والدولية أو الحاجة إلى الدعم والمساندة والتعاون، لكنه يضع هذه العلاقات في موقعها الصحيح: عوامل مساعدة لشعوب تمتلك إرادتها، لا بدائل عن تلك الإرادة.

فالدول الكبرى ستظل تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز مواقعها، والتحالفات ستتغير، والحروب ستنتهي أو تتجدد، وقد تتشكل موازين قوى جديدة، لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن وعينا هو: أين موقع الإنسان والشعوب من كل ذلك؟

هل سنبقى نراقب التحولات الكبرى وننتظر ما ستتركه لنا من فرص أو خسائر؟ أم نبدأ، بما نملك من إمكانات وقدرات، في استعادة دورنا في صناعة الحياة التي نريدها؟

إننا لا نملك صورة كاملة لما سيكون عليه العالم غدًا، ولا نستطيع الجزم بنتائج الحروب والصراعات الجارية. لكن عدم قدرتنا على التحكم في كل ما يجري لا يعني أن نقبل بدور المتفرج، أو أن نسلّم بأن مستقبلنا قد أصبح شأنًا يقرره الآخرون وحدهم.

فالواقعية تقتضي فهم موازين القوى، لكنها لا تقتضي الاستسلام لها. والوعي بحجم التحديات ينبغي أن يدفعنا إلى العمل وبناء القدرات وتنظيم الطاقات، لا إلى تطبيع العقل مع العجز وانتظار النتائج. وليس صحيحًا أننا لم نعد نملك ما نخسره، وأن علينا أن نترك أصحاب المصالح يتقاتلون فيما بينهم، وننتظر ما ستؤول إليه صراعاتهم. فما زلنا نملك أسمى ما يمكن أن نخسره: حياتنا، وحاضرنا، ومستقبلنا.

إنها حياتنا، وبلادنا، ومقدراتنا… وليست مجرد أوراق في حسابات الآخرين.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock