تخطي إلى المحتوى الرئيسي
17,768 مشاهدة
مفيد خطّار
أنا الآن في الصحراء. لا أعرف كم مضى من الوقت منذ خرجت من البيت، ولا إلى أين تقودني هذه الطريق. أمشي، ولا أرى أمامي سوى الرمل. ألتفت خلفي، فلا أجد إلا آثار أقدام سرعان ما تمحوها الريح.
في الصحراء، يكفي أن يفقد الإنسان الطريق كي يشعر بالغربة. وربما لهذا السبب تذكّرت يوسف.
لم يبدأ يوسف حياته في قصر، ولم يدخل الغربة بإرادته. ألقاه إخوته في الجب، ثم باعوه ومضى.
كان يمكن للجب أن يكون نهايته، وللغربة أن تمحو اسمه، وللظلم أن يحوّل قلبه إلى صورة أخرى من الظلم.
لكن يوسف خرج من الجب، ولم يخرج من إنسانيته.
وحين امتلك القوة، لم يجعل منها جبًّا جديدًا لإخوته. لم يحمل جرحه لينتقم ممّن جرحوه، بل جعله جسرًا يعيدهم إلى البيت.
كم من وطن دخل الجب على أيدي أبنائه؟ وكم من أبنائه خرجوا منه إلى الغربة، فيما بقي الوطن يبحث عن طريق العودة؟
ربما نحن الآن في الصحراء. لكن الصحراء ليست بالضرورة نهاية الطريق؛ فقد تكون المكان الذي يتعرّى فيه الإنسان من كل شيء، فلا يبقى له إلا سؤالان:
مَن أنا عندما أفقد البيت؟
وماذا أحمل أنا من أجل البيت؟
فالبيت لا يُبنى بمن ينتظر أن يحمل الآخرون عنه، ولا بمن يلقي أحماله على كتف أخيه، بل حين يحمل كل واحد نصيبه ويضع كتفه إلى جانب كتف الآخر.
وحين نحمل صليبنا بمحبة، يخفّ حمله لأننا لا نحمله وحدنا. أما حين نتخلّى عن مسؤوليتنا ونلقيها على الآخرين، فإن الحمل يثقل علينا جميعًا، وتضعف قدرتنا على النهوض.
لعلّ يوسف عرف هذا السرّ قبل إخوته: أن الخروج من الجب لا يكون بالانتقام، بل بحفظ الإنسانية؛ فلا يتحوّل الجرح سلاحًا ضد الأخ، بل يصبح طريقًا يعيدنا إليه.
ولعلّ لبنان، إذا أراد الخروج من صحرائه، يحتاج إلى أن يتعلّم من يوسف درسًا بسيطًا وصعبًا في آن: أن نكفّ عن سؤالنا: ماذا سيعطينا الوطن؟ وأن نسأل أنفسنا: ماذا نحمل نحن من أجله؟
فالوطن، كالبيت، لا يُبنى بيد واحدة. حين يحمل كل واحد نصيبه، يصبح الوطن بيتًا نبنيه معًا، لا حملًا نلقيه على أكتاف الآخرين.
وهنا يلتقي يوسف بنحميا.
يوسف يعلّمنا كيف نغفر لمن أسقطونا في الجب، ونحميا يعلّمنا كيف نحمل الحجارة معًا لنبني ما تهدّم. فالغفران يحرّر الإنسان من أسر الجرح، والبناء يحوّل حريته إلى مسؤولية. ولا يكفي أن نتصالح كي يعود البيت قائمًا؛ علينا أن ننهض معًا ونعيد بناءه.
لعلّ الصحراء لم تكن نهاية الطريق، بل المكان الذي نتعلّم فيه كيف نحمل بعضنا بعضًا، وكيف نعود إلى البيت لا لنطالب بما ينقصنا فحسب، بل لنقدّم ما نستطيع.
وبين غفران يوسف وحجارة نحميا، قد يجد لبنان طريقه من الصحراء إلى الوطن.