تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

ماذا قدمت السعودية للعالم بتأمين باب المندب؟

 د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

في أعقاب القيود التي فرضت على مضيق هرمز تزايد اعتماد السعودية على خط شرق غرب لنقل النفط إلى ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر، ونحو 80% من النفط السعودي يتجه إلى الأسواق الآسيوية وهو ما يجعل مضيق باب المندب ذا أهمية استراتيجية بالغة.

شهد اليمن هدوء في أعقاب هدنة 2022، لكن تقدم الحوثييون صوب باب المندب أدى إلى تقوية الوضع الإقليمي لطهران، وأصبحت تملك أوراق ضغط اقوى في تعاملاتها مع الولايات المتحدة مقارنة بالسابق، في عهد بايدن شطبت الحوثيين من القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية الأجنبية بعد مرور أقل من شهر على توليه السلطة في يناير 2021، وفي 22 يناير 2025 أعادهم الرئيس دونالد ترامب إلى القائمة، وافقت الحكومة اليمنية في 11 أكتوبر على مشروع قانون محلي خاص بها يصنف جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية داخلية ويجرم أنشطتها وتمويلها.

اتهم الرئيس ترامب في 13 أكتوبر جماعة الحوثي بمحاولة رفع أسعار النفط عمدا قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وحذرها من أنه لن ينسى أبدا هجماتهم على السعودية في ظل صراع يتصاعد في المنطقة بسبب الحرب الأمريكية على إيران، واتهمهم باستئناف الهجمات بتحريض من إيران بعد فترة هدوء نسبي أعقبت الضربات الأمريكية في اليمن 2025، وأنه لن ينسى ذلك أبدا بعد الانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر 2026، وجاء هذا التحذير بعد سلسلة هجمات شنها الحوثيون على مناطق في السعودية، تضمنت مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وهو هجوم تسبب في مقتل 13 شخصا على الأقل وإصابة أكثر من 300 وإغلاق المطار، وعلق وزير خارجية أمريكا ماركو روبيو يحق للسعودية ان تدافع عن أمنها.

تعد السعودية أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، ما يمنحها تأثيرا كبيرا في الأسعار العالمية وتكلفة الوقود التي يتحملها المستهلكون في أمريكا خاصة وفي أنحاء العالم، وأدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير 2026 إلى إغلاق جزئي لمضيق هرمز، ما عطل اهم مسار لتصدير النفط بالنسبة إلى السعودية ودول الخليج، ومع تكثيف الحوثيين وجماعات أخرى عراقية مدعومة من إيران هجماتهم، أصبحت طرق الإمداد البديلة للسعودية مهددة أيضا، الأمر الذي قد يؤثر في إمدادات النفط العالمية وأسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة التي تؤثر في الانتخابات النصفية.

ضمن المنظور الاستراتيجي للسعودية الجديد والواسع للمنطقة ومستقبلها، ومع زيادة الاعتماد على نقل النفط برا عبر خط شرق غرب إلى ينبع على البحر الأحمر، هناك تحول في الموقف السعودي تجاه الحوثيين بعد سنوات من السعي نحو التهدئة والتفاوض على تسوية سياسية، لكن الحرب الأمريكية على إيران فرضا واقعا جديدا، وباتت استعادة باب المندب هدفا يرتبط بحماية مصالحها الاقتصادية وصادراتها النفطية خصوصا في ظل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، خصوصا وأن السعودية تدرك الاستراتيجية الأمريكية الجديدة يفضل الرئيس ترمب اعتماد الشركاء الإقليميون على أنفسهم في الدفاع المباشر.

الدعم الأمريكي يقتصر على تقديم الاستشارات والمعلومات الاستخباراتية وبيانات تحديد الأهداف، اذ يحاول ترمب تجنب الغرق في حرب إقليمية واسعة غير مرغوبة شعبيا قبيل الانتخابات الأمريكية خاصة، ويبحث ترمب عن إعلان نصر أو تسوية لخفض أسعار الطاقة العالمية، مع التلويح باستخدام أسلحة مدمرة مثل أم القنابل MOAB كورقة ضغط نفسي ضد طهران، لكن تحرير السعودية باب المندب الخاطف، الذي يعطي دلالة بضعف مليشيات الحوثي،  الذين راهنوا على قوتهم وتحديهم للسعودية، أدى إلى خفض أسعار النفط تحت 104 دولار للبرميل، وتمكنت السعودية من تصدير نفطها عبر باب المندب.

للضغط على ترامب إيران تغير استراتيجيتها باستهداف السفن في مضيق هرمز بعدما تمكنت السعودية من تحرير باب المندب من حلفائها الحوثيين، وفشلت في استخدام باب المندب ورقة بديلة لمضيق هرمز، للإبقاء على أسعار النفط مرتفعة والتأثير في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وفي نفس الوقت رفع الحوثيين تكلفة الضغوط الأمريكية على إيران، وأيضا الهجمات الحوثية على المطارات السعودية ومواقع النفط تضع رؤية 2030 على المحك، حيث تجسد هذه الحملة معادلة من أن ازدهار السعودية وطموحاتها الاستثمارية، وما يترافق مع ذلك من حساسية للاضطرابات، يجعلها نقطة ضغط مثالية في مواجهة تمتد من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب.

تتعرض إيران لضغوط اقتصادية وعسكرية متصاعدة في أعقاب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير 2026 تسعى إلى رفع التكلفة الاستراتيجية على واشنطن عبر استهداف شركائها بالمنطقة، لذلك هناك دعم دولي للقضاء على شركاء إيران بالمنطقة، وتكفلت السعودية بالقضاء على الحوثيين، وجعلت الإيرانيين في مأزق وغير قادرين على حمل واشنطن على تغيير نهجها بشكل مباشر، وفشلت محاولاتهم في استثمار نقطة الضعف في توجيه ضربات قوية للسعودية مستغلين حساسية السعودية للتبعات الاقتصادية وحرصها على الاستقرار، فيما السعودية استثمرت ضربات الحوثيين لصالح تحقيق الاستقرار عبر القضاء النهائي على تهديدات الحوثي عبر القضاء عليهم، لأن التصعيد المستمر ينطوي على مخاطر اتساع رقعة الحرب على نحو قد يقوض خطط السعودية الإصلاحية، وأي تنازلات تقوي شوكة حركة ظلت تتحدى السعودية لسنوات، وكلما زاد أمد الصراع زاد الخطر على امن السعودية وعلى ثقة المستثمرين ورؤية 2030.

 الضغط العسكري هو الحل الوحيد الممكن للسعودية، ووصلت أيضا إلى نقطة لا مجال للتفاوض، ليس لدى السعودية خيار سوى العمل العسكري، وهي فرصة لم تتح لها من قبل عندما منعت الولايات المتحدة التحالف من تحرير الحديدة وصنعاء عام 2018 واستبدل التحرير باتفاق استكهولم الذي لم يتحقق منه شيء، بل مكن الحوثيين من تكديس السلاح والصواريخ بعيدة المدة والمسيرات.

زمن استباحة الأمن السعودي وتهديد امن الممرات الاستراتيجية لا يمكن معه الاستمرار في ضبط النفس، ولن تسمح السعودية بان يتحول باب المندب إلى ورقة ابتزاز في يد جماعة مسلحة مرتبطة بمحور إقليمي تقوده إيران، فيما باب المندب أحد اهم شرايين التجارة العالمية، واي تهديدات له تهديد لممرات امن الملاحة تتجاوز حدود الصراع اليمني – اليمني لتطال أمن التجارة والطاقة العالمي، فالمعركة ليست مع اليمن بل مع من يجعل من اليمن منصة للصراع الإقليمي والدولي.

وهذه المعركة لا تختزل في حسابات عسكرية آنية، بل تتعلق بمن يملك حق التحكم في واحد من أهم ممرات التجارة العالمية، ولن تسمح السعودية لجماعة مسلحة تجعل من اليمن ذراع في صراع إقليمي، وإنهاء منطق السلاح خارج الدولة كما في لبنان والعراق، وتجريد إيران من كافة الأذرع في المنطقة من أجل استعادة الدول سيادتها كسوريا التي استعادة سيادتها.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

                   Dr_mahboob12hotmail.com

 

 

 

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock