تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

ملف الـ CIA عن «الحرب الأهلية الإسرائيلية»: تسريبٌ أم تحذير؟

سعيد بتروني

يوم الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر، أفادت تقارير بأن وزارة العدل الأميركية اعتقلت المتعاقد مع وكالة الاستخبارات المركزية «إيان برينكمان»، للاشتباه في تسريبه معلومات استخباراتية سرّية تتعلق بإسرائيل واحتمال انزلاقها نحو حرب أهلية.

وبحسب ما ورد، شارك برينكمان التقرير مع شريكته العاطفية الصحافية «عايدة تشافيز»، مؤسِّسة نشرة «Capital & Empire» على منصة «سابستاك». ونشرت النشرة لاحقاً التقييم الداخلي، فأحدث صدمة في الأوساط الإسرائيلية، لا بسبب ما كشفه المستند بالضرورة، بل لأن هواجس استراتيجية بهذه الحساسية وصلت إلى المجال العام.

ويحمل المستند عنوان «انقسام من الداخل»، وقد أعدّته، بحسب التقارير، «الخلية الحمراء» (Red Cell) التابعة لـ CIA، وهي وحدة مهمتها استكشاف السيناريوهات البديلة وتحدّي الافتراضات الاستخباراتية التقليدية. وهدفه ليس التنبؤ بكارثة حتمية، بل دراسة أسوأ السيناريوهات التي قد تتحقق مستقبلاً.

ويسلّط التقرير الضوء على عدد من العوامل الاستراتيجية المعيقة التي تترسّخ أكثر فأكثر في المجتمع الإسرائيلي.

من بينها تزايد أعداد الجنود العائدين المسلّحين من حربَي غزة ولبنان، وهم يعانون اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). وإعادة دمجهم في مجتمع منقسم أصلاً تشكّل تحدياً إضافياً للاستقرار الداخلي.

في المقابل، يتعمّق استياء الإسرائيليين العلمانيين من إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية الإلزامية، فيما تستقبل شرائح أخرى من المجتمع أبناءها في توابيت خشبية. وتزداد صعوبة التوفيق بين هذين الواقعين: فئة تتمتع بإعفاءات دينية، وأخرى تتحمّل الكلفة البشرية للحروب المتعاقبة. ومن الأمور المقلقة بالقدر نفسه تصاعد العنف الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون المسلّحون في الضفة الغربية المحتلة.

ومع أنه لا يوجد إحصاء علني شامل يحدّد العدد الدقيق للمستوطنين المسلّحين فردياً، فقد لفتت جهات رقابية ومنظمات رصد دولية الانتباه إلى تنامي انخراطهم في البنى الأمنية المحلية. ويُقال إن نسبة كبيرة ومتزايدة من نحو 780 ألف مستوطن إسرائيلي، بمن فيهم المقيمون في القدس الشرقية، مرتبطة بترتيبات من هذا النوع.

يُضاف إلى هذه التصدعات الاجتماعية تصاعد الضغوط الاقتصادية. فالتقرير يشير إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 9.5% قياساً إلى الأجور، ما يفاقم الإحباط الشعبي ويزيد العبء على الأسر الإسرائيلية.

ثم يأتي الشلل السياسي.

فكلا المعسكرين الانتخابيين لا يزال دون عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتأمين الأغلبية في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، ما يترك كلاً منهما عاجزاً عن تحويل التأييد الانتخابي إلى أغلبية حاكمة مستقرة.

وأخيراً، تواجه إسرائيل خطراً متنامياً يتمثل في تحوّلها إلى ما يصفه المنتقدون بصورة متزايدة بـ«الدولة المنبوذة» في نظر الجزء الأكبر من المجتمع الدولي.

ويشير التقرير، بحسب ما ورد، إلى تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل بنسبة 40%، إلى جانب مخاوف من موطئ قدم يكتسبه مسؤولون إسرائيليون داخل الصناعات الدفاعية ووكالات الاستخبارات الأميركية. ويرى أن مثل هذه الصلات قد تجعل من الصعب أكثر فأكثر على الإدارات الأميركية المقبلة تجاهل تداعيات هذه العلاقات.

وترسم هذه التطورات مجتمعةً صورة مقلقة لمجتمع يواجه ضغوطاً عسكرية وسياسية واقتصادية وأيديولوجية في آنٍ واحد. ومع ذلك، ثمة ما هو غريب بعض الشيء في «الكشوفات المتفجّرة» المزعومة التي تضمّنها هذا التقييم السرّي.

فقلّما يتضمّن التقرير توقعاً سرّياً بالكامل.

فالصدمة النفسية للجنود العائدين، والنقمة على الإعفاءات العسكرية للحريديم، وعنف المستوطنين، وغلاء المعيشة، والتشرذم السياسي، وتدهور مكانة إسرائيل الدولية، كلها قضايا نوقشت باستفاضة في وسائل الإعلام المفتوحة منذ أشهر.

ولا يحتاج المرء إلى نخبة محللي الـ CIA العاملين خلف الأبواب المحصّنة في لانغلي ليكتشف ما يتداوله الصحف والنقاش العام أصلاً. والقصة الحقيقية ليست بالضرورة ما يقوله تقرير الاستخبارات عن إسرائيل، بل ما قد يكشفه التسريب عن المؤسسة الاستخباراتية الأميركية نفسها.

لنأخذ مثلاً التقارير المتعلقة بوكالة استخبارات الدفاع (DIA) التابعة للبنتاغون.

فبحسب روايات منسوبة إلى مصادر في حزيران/يونيو وآب/أغسطس 2026، رفعت الوكالة، بحسب ما ورد، مستوى التهديد الذي يشكّله التجسس الإسرائيلي ومكافحة التجسس إلى مستوى «حرج».

وبعد عقود من تقديم إسرائيل بوصفها الشريك الاستراتيجي الأكثر موثوقية لأميركا في الشرق الأوسط، فإن مجرد الإيحاء بأن الاستخبارات الأميركية قد تنظر إلى أقرب حلفائها الإقليميين على أنه مصدر قلق «حرج» في مجال مكافحة التجسس ليس تطوراً عابراً.

كما نقلت مؤسسات إخبارية مرموقة، من بينها «نيويورك تايمز» و«إن بي سي نيوز»، مخاوف تتعلق بالأنشطة الاستخباراتية الإسرائيلية وانعكاساتها على الأمن القومي الأميركي.

وتثير هذه التطورات سؤالاً بالغ الأهمية عن طريقة التفكير، وربما عن الانقسامات، داخل المستويات العليا للمؤسسة الاستخباراتية الأميركية. ومع أن التقرير أُعدّ كتمرين افتراضي لا كتوقع رسمي بانهيار وشيك، فإن ظهوره إلى العلن يطعن في الصورة الأميركية المألوفة عن إسرائيل بوصفها حليفاً شديد التماسك، ومستقراً سياسياً، ويمكن التعويل عليه استراتيجياً.

فهل كان الكشف مجرد تصرف غير مصرّح به من فرد أتيحت له إمكانية الوصول إلى مواد سرّية؟ أم أن توقيته قد يعكس خلافاً أعمق حول كيفية تقييم إسرائيل، وكيفية فهم صنّاع القرار الأميركيين لمواطن ضعفها؟

التوقيت هو ما يجعل هذا السؤال مثيراً للاهتمام بوجه خاص.

فقد ظهر التقرير قبيل الانتخابات الإسرائيلية، في وقت كان فيه مستقبل البلاد السياسي وشرعية معسكراتها القيادية المتنافسة موضع جدل محتدم أصلاً.

وما إذا كان هذا التوقيت محض مصادفة أم نتيجة حسابات مقصودة يبقى سؤالاً مفتوحاً. ومع ذلك، فإن احتمال أن يكون شخص ما داخل المنظومة الاستخباراتية الأميركية قد اختار عمداً هذه اللحظة السياسية الحساسة لكشف تقييم عن هشاشة إسرائيل الداخلية يستحق تدقيقاً أكبر بكثير من قائمة المشكلات المألوفة الواردة في المستند نفسه.

ولو كان الأمر مقصوداً، فهذا يعني أن المعركة على مستقبل إسرائيل لم تعد تُخاض داخل المؤسسات السياسية الإسرائيلية وحدها، بل أيضاً عبر تصورات وحسابات ومصالح متنافسة داخل منظومة الأمن القومي الأميركي.

يحذّر التقرير من أن إسرائيل قد تنقسم من الداخل. لكن التسريب يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل بلغت الانقسامات المحيطة بإسرائيل أروقة الاستخبارات الأميركية بالفعل؟ وربما كان السرّ الأكثر تفجيراً ليس احتمال اندلاع حرب أهلية إسرائيلية، بل احتمال أن يكون ثمة من أراد في واشنطن أن يدفع العالم إلى التفكير فيها.

 

#تسريبات_سي_آي_إيه #الحرب_الأهلية_في_إسرائيل #مجتمع_الاستخبارات #العلاقات_الأميركية_الإسرائيلية #التحليل_الجيوسياسي #التجسس #الجدل_الدبلوماسي

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock