تخطي إلى المحتوى الرئيسي
42,780 مشاهدة
مفيد خطّار
« يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لوقا ٢٣: ٣٤).
مشهدٌ مؤلم: قتلى في الكنيسة، يشهد صمتهم على فراغ الموت، وجرحى تصرخ جراحهم طلبًا للرحمة.
كيف وصل الموت إلى القلب الذي ينبض بالحياة؟ كيف وصل إلى قلب المغدورين، وإلى قلب الغادرين؟
مشهد الجلجلة: الحبّ المصلوب، والسيوف المسلولة. يتكرّر هذا المشهد في العالم بأساليب مختلفة ومتنوّعة، وآخرها ما جرى في الكنيسة.
لقد تماهى الضحايا، في موتهم وجراحهم، مع مشهد الجلجلة من جديد. فالحبّ ما زال مصلوبًا، والعنف ما زال يرفع سيوفه، والإنسان ما زال يقتل الإنسان، كأنّ صرخة الصليب لم توقظ فيه الحياة.
كلّ عنفٍ يجدّد الجلجلة، وكلّ غفرانٍ يفتح طريق القيامة.
لكن كيف يفتح الغفران طريق القيامة؟ وكيف يستطيع أن يحيي مَن فارق الحياة، وأن يهدي مَن اختار طريق الموت؟
هنا يكمن سرّ الغفران: أن يُبقي المظلوم حيًّا، من غير أن يسمح للظالم بأن يبقى في الموت؛ أن يحرّر قلب المغدور من أن يصبح الألم سيّد حياته، وأن يُبقي قلب الغادر أمام إمكان الخروج من ظلمة الشرّ إلى نور الحياة.
فالغفران لا يمحو الجريمة، ولا يُسقط مسؤولية مرتكبها، ولا يطلب من الضحية أن تنكر جرحها. إنّه يرفض أن تكون الجريمة نهاية الإنسان، وأن يتحوّل الألم إلى عنفٍ جديد، وأن يستمرّ الموت في الانتقال من قلبٍ إلى آخر.
مَن فارق الحياة، ما زال حيًّا في المحبّة، ومَن يئنّ من الألم، يرفع وجهه إلى الحبّ، طالبًا الرحمة للمغدورين، ولأولئك الضالّين.
ونؤمن أنّ هؤلاء الضحايا، في شركة المحبّة مع الربّ، يتشفّعون من أجل خلاص قاتليهم. فالمحبّة التي لم يُسكتها الموت لا تتوقّف عند طلب الرحمة للمغدورين، بل تمتدّ إلى الغادرين، راجيةً توبتهم وخلاصهم.
في مفارقة الغفران، مَن فارق الحياة يبقى حيًّا في الحبّ، ومَن لا يزال على قيد الحياة قد يكون أسير الموت، لكنّه يبقى مدعوًّا إلى الحياة.
الغفران سرّ دحرجة الحجر عن القبر الفارغ، ورجاءٌ بأن تبقى كلّ القبور فارغة، ومحبّةٌ تحتضن الجميع في الحياة.
مفارقة الغفران: شهيدٌ حيّ، وميتٌ مدعوّ إلى الحياة.