تخطي إلى المحتوى الرئيسي
42,484 مشاهدة
بقلم: فرانسوا الجردي
لم تعد قضية تدخل حزب الله في الحروب الإقليمية مجرّد خلاف سياسي حول الخيارات الاستراتيجية، بل أصبحت سؤالاً جوهرياً عن سيادة لبنان، وحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم، والجهة التي تملك قرار الحرب والسلم.
في 8 تشرين الأول 2023، فتح حزب الله جبهة الجنوب تحت عنوان «إسناد غزة»، من دون قرار صادر عن مجلس الوزراء يجيز إدخال لبنان في مواجهة عسكرية بهذا الحجم. وهكذا تحوّل لبنان إلى طرف في حرب لم يقرّر اللبنانيون خوضها، ودفعوا أثمانها دماراً ونزوحاً وخسائر بشرية واقتصادية فادحة.
وفي حزيران 2025، امتنع الحزب عن التدخل العسكري المباشر خلال المواجهة الإسرائيلية والأميركية مع إيران. لكن هذا الموقف لم يبدّد المخاوف من ارتباط قراره العسكري بحسابات طهران، بدلاً من ارتباطه حصراً بالمصلحة الوطنية اللبنانية.
ثم جاءت أحداث آذار 2026، وفق التقارير الإعلامية الواردة، لتعيد طرح المشكلة نفسها، مع الحديث عن إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، رغم تعهّدات منقولة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري بعدم التدخل. وإذا تأكد هذا التسلسل، فإنه يكشف خطورة الفجوة بين التعهدات السياسية والقرار العسكري الفعلي.
المشكلة ليست في التضامن مع غزة أو إيران، بل في تحويل التضامن إلى حرب يقرّرها طرف واحد. فمن حق أي جهة أن تتخذ موقفاً سياسياً، لكن ليس من حقها أن تجرّ دولة كاملة إلى مواجهة عسكرية من دون قرار شرعي صادر عن مؤسساتها الدستورية.
أما التعهدات المتكررة بعدم التدخل، فلا تكفي وحدها لإعادة الثقة. فالمعيار الحقيقي هو التزام واضح وعملي بحصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، وبخضوع السلاح والعمليات العسكرية لسلطتها وحدها.
إن لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات بين إيران وإسرائيل، وليس شعبه مستعداً لدفع أثمان حروب لا يملك قرارها. والسيادة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها ومنع أي طرف من تجاوز مؤسساتها.
الخلاصة أن حروب الإسناد، مهما اختلفت عناوينها، تضع لبنان أمام السؤال نفسه: هل القرار لبناني مستقل، أم أن البلاد ستبقى رهينة حسابات إقليمية تتجاوز إرادة شعبها؟ لا يمكن بناء دولة مستقرة ما دام قرار الحرب والسلم موضع ازدواجية، وما دامت التعهدات السياسية لا تتحول إلى التزام فعلي بسيادة لبنان.