تخطي إلى المحتوى الرئيسي
42,188 مشاهدة
الدكتور لور عبد الخالق الأعور
ليس أخطر على مجتمع من أن يفقد إحساسه بقيمة التعليم، فيتحول التعليم من رسالة وحق ومسؤولية مشتركة إلى إجراء روتيني تؤديه الأسرة والمدرسة والطالب على مضض. وما يجري اليوم في القطاع التربوي ليس مجرد أزمة إدارية أو مالية أو مناهجية، بل هو مؤشر على خلل أعمق في سلّم القيم: حين يصبح الربح المادي أولاً، وحين تُقدَّم راحة الطالب على تربيته، وحين تخشى إدارة المدرسة غضب الأهل أكثر من خشيتها ضياع جيل، فإننا لا نتحدث عن تدهور تعليمي فحسب، بل عن مجتمع بدأ يتساهل مع أسباب هلاكه.
لقد كان التعليم في وجدان الأجيال السابقة تعباً مقدساً. كان الأهل يعانون المشقات ليؤمّنوا لأولادهم مدارس تحمي مستقبلهم، وكانت الإدارات تربوية بالفعل لا بالمنصب فقط، وكان الطالب يدرس ولو على ضوء شمعة لأنه يعلم أن المعرفة والعلم هما الدرجة الأولى من سلّم النجاح. ليست تلك المرحلة منزّهة عن الأخطاء، ولا يصح تحويلها إلى أسطورة، لكن كان فيها عقد واضح؛ تضحية من الأهل، ومسؤولية من الإدارة، وجدية من الطالب، وهيبة للمعلم.
أما اليوم فقد انقلبت الأمور رأساً على عقب، فلا الإدارة تقوم بدورها التربوي كما ينبغي، ولا الأهل شركاء في التربية، ولا الطالب يدرك أن التعلم مسؤوليته الأولى، وقد نقول للأسف حتى المعلم لم يعد يجد الظروف التي تحفظ له دوره وكرامته. ولا يصح وضع الجميع في كفة واحدة، ففيهم من ما زال يجتهد ويقاوم، لكن الاتجاه العام مقلق، والسير على هذا النحو يقود إلى الهلاك إن لم نزل الغشاوة عن أعيننا ونعيد ترتيب الأولويات بعيداً عن الربح المادي والرضا السريع.
إن أخطر ما في الأزمة هو تحول العلاقة بين الأسرة والمدرسة والطالب إلى علاقة استهلاكية هشة. فالأهل يرسلون أولادهم إلى المدرسة لا أكثر، وكأنهم يؤدون واجباً شكلياً، ثم يتركون التربية والتعليم لجهة لا يمنحونها الثقة ولا الشراكة. والإدارة تخاف من خسارة الطالب، فبدل أن تكون صارمة عادلة في الضبط والتقييم، تتساهل وتغض الطرف، خشية غضب الأهل أو انصراف الطالب. والطالب يجد نفسه متكئاً على أهل يخافون غضبه وإدارة تخشى خسارته، فيتعلم أن المطالبة بحقوقه أسهل من تحمّل واجباته، وأن النجاح يمكن أن يُنتزع بالضغط لا بالجهد. وفي هذا المشهد يبقى المعلم وحده يعاني، يُترك غالباً ليواجه الضغوط منفرداً، ويُلام إذا شدّد، ويُهمل إذا احتاج، وقد يُدفع إلى الاستقالة أو الهجرة، مع أن دوره ليس تدليل الطالب، بل تعليمه وتربيته ومساءلته بحب وعدل.
وفي قلب هذه الأزمة تقف اللغة العربية شاهدة على الخلل. فحين يعتقد التلميذ أنه ليس بحاجة إليها، فالمشكلة ليست في اللغة وحدها، بل في فهمنا للتعليم. اللغة العربية ليست مادة تُحفظ فقط لينجح الطالب، بل هي وعاء الهوية والتفكير والتواصل والانتماء. وإذا ربط الطالب تعلمها بالعقاب والتلقين وضعف الأفق، وإذا وجد أن التقليد والغش والتساهل يمران دون حساب، فسيقول بلسان حاله: لماذا أتعب؟ إن إهمال اللغة العربية ليس تفصيلاً في أزمة التعليم، بل علامة على أننا نهمل ما يصنع الوعي والقدرة على الفهم، ونعطي الأولوية لما يبدو نافعاً سريعاً على حساب ما يبني الإنسان. والحقيقة أن هذا النمط من التفكير بدأ يظهر في المواد الأخر مثل التاريخ والجغرافيا والتربية وصولًا إلى المواد العلمية وهذا مؤشر خطير.
ولا شك أن تطوير المناهج وتحديث المقررات جهد ضروري، لكن الضرورة لا تعني الكفاية. فالمنهج الجيد يحتاج إلى أسرة تدرك أن التعليم مسؤولية مشتركة لا خدمة تُؤدّى، وإلى إدارة تربوية تُختار على أساس الكفاءة والخبرة والصلاحية التربوية، لا على أساس اعتبارات أخرى. وغياب هذه الشروط لا يقلل من قيمة إصلاح المناهج، لكنه يحدّ من أثره حداً كبيراً، وقد يجعل أفضل ما يُكتب في المقررات حبراً لا يصل إلى العقل والسلوك. ومن هنا، فإن تحسين رؤية الأهل ووضع معايير واضحة لتولي المهام الإدارية والتربوية ليس مكملاً ثانوياً لإصلاح المناهج، بل شرط عملي لنجاحه، وغيابه أخطر من تأخر تعديل منهج أو تحديث مقرر، والدليل واضح؛ فلو عدنا إلى سنوات مضت لرأينا الفرق بين ما كنا عليه وما نحن عليه في الوقت الحاضر.
إن المطلوب اليوم ليس خطابات عاطفية، بل استعادة عقد تربوي واضح؛ إدارة تقود تربوياً لا إدارياً فقط، وأهل يشاركون ولا يكتفون بالدفع والتسجيل، وطالب يعرف أن العلم مسؤولية لا خدمة، ومعلم محفوظ الكرامة والظروف. والمطلوب أيضاً تقييم صادق لا يتساهل خوفاً، ومساءلة تحمي الجميع من الفوضى، ومناهج تربط المعرفة بالحياة، وخاصة في اللغة العربية التي يجب أن تُدرَّس بوصفها مهارة تفكير وذوقاً وانتماءً، لا عبئاً للحفظ فقط. والأهم أن نعيد للتعليم مكانته القيمية، فنقول بصراحة إنّ المجتمع الذي يهمل قطاعه التربوي إنما يهمل مستقبله، والذي يترك الغش والتساهل والرضا السريع يتفشى في المدرسة إنما يدرّب أبناءه على فقدان القيم في الحياة كلها.
نحن لا نفقد تعليماً فقط، بل نفقد قيمة الصدق والجهد والمسؤولية والاحترام والانتماء. وكلما تأخرنا في إزالة الغشاوة عن أعيننا، واصلنا السير نحو هلاك لا يُصلحه بعد ذلك لا مال ولا شعارات. إن التعليم ليس كمالاً في سلّم الأولويات، بل هو الأساس الذي تقوم عليه كل الأولويات. ومن هنا، فإن إنقاذ التعليم ليس ترفاً تربوياً، بل هو إنقاذ للمجتمع من أن يفقد قيمه جيلاً بعد جيل.