تخطي إلى المحتوى الرئيسي
42,965 مشاهدة
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
اجتماع هو الأول من نوعه بين القوى الإقليمية الشرق أوسطية والأوروبية في إسطنبول 23 أكتوبر 2026 لمناقشة ملفي إيران وأوكرانيا، وهما ملفين يربط بين الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي، ومناقشة بقية الملفات الإقليمية، وهل التحالف الشرق أوسطي الأوروبي قادر على صياغة ترتيبات متعددة الأطراف بمنأى عن الضمانات الأمريكية ؟، وتضم الدول المتعددة الأطراف التقاء مجموعة آر 4 الإقليمية الرباعية تضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر مع الترويكا الأوروبية إي 3 التي تشكلت قبل 20 عاما من اجل المشاركة في الملف النووي الإيراني فرنسا وبريطانيا وألمانيا بالإضافة إلى مشاركة إيطاليا.
يأتي هذا الاجتماع بعد نحو شهر من لقاء الرباعية الإقليمية في نيويورك في 21 سبتمبر 2026 على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي انتهى ببيان مشترك أدان الهجمات الحوثية على السعودية، وأكد دعم أمن السعودية وسيادتها وحقها في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، وتضم الرباعية تحالف مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، ومصر لا تقل أهمية في هذا الرباعي، فهي تمثل بوابة البحر الأحمر إلى المتوسط، وتتحكم بقناة السويس، فأمن باب المندب مسألة مصيرية لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ما يمنح مصر أهمية في أي ترتيب إقليمي يهدف إلى إدارة الأزمات بعدما فشلت الحلول المؤقتة والاحتواء، فموقعها في الرباعية راسخ ومحوري باعتبارها قوة إقليمية محورية تسهم في صياغة الحلول الأمنية.
هذا الاجتماع يأتي نتيجة ارتباط أمن دول الخليج ارتباطا بالمصالح الأوروبية وبشكل خاص احتياج أوروبا إلى الطاقة التي تأثرت بالحربين الأوكرانية مع روسيا والإيرانية مع أمريكا التي امتد تأثيرها إلى دول الخليج وأوروبا، وتدعم أوروبا وأمريكا أوكرانيا في حربها ضد روسيا، بينما السعودية لديها قدرة على بناء شبكة من التحالفات لامتصاص القرارات التي تتشكل خارج حدودها، خصوصا وأن جميع هذه الدول تجمع على أن تهديدات السعودية ودول الخليج تمتد إليها، وأن استقرار منطقة الخليج مصلحة مشتركة.
هناك مصالح يتقاسمها الثلاث الكبار الولايات المتحدة والصين وروسيا رغم التنافس بينها، وهناك أيضا تنافس بين الولايات المتحدة وأوروبا يجعلها تعزز تقاربها مع السعودية ودول الخليج بشكل خاص التي أصبح موقعها في النظام الإقليمي والعالمي على قدر كبير من الأهمية، باعتبارها مركز ثقل جيوستراتيجي وجيوطاقوي ويشرف على ممرات تتحكم في الاقتصاد العالمي، ولم تعد حرية الملاحة مسألة بحرية محضة، وإنما أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي العالمي، وبقدرة الدول على حماية مصالحها التجارية من انعكاسات الصراعات المسلحة، والدعوة إلى الحوار لا تعني القبول بالقيود المفروضة على الملاحة المشروعة، ولابد من ضمان المرور عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب، في ظل الترابط بين أمن الخليج والبحر الأحمر والتجارة الدولية.
انخراط السعودية في تجمع إقليمي مع دول أوروبية لا تهدف السعودية باستبدال شريك بشريك آخر، أو تجمع بتجمع آخر، أو تحقيق استقلال استراتيجي عن الولايات المتحدة، بل ترتيبات وتجمعات بدلا من الاعتماد على الترتيبات الثنائية، باعتبار أن التجمعات أكثر قدرة على اتخاذ قرارات في صناعة الاستقرار الإقليمي، هي بذلك تهدف إلى تنويع الشراكات وتوسيع حرية القرار، وتقليل الاعتماد على شريك محدد، في بيئة دولية شديدة التنافس، وفي نفس الوقت هناك تململ امريكي من أداء دور الشرطي العالمي، وتفضل وجود شركاء لتقليص التكلفة العالية، خصوصا بعد تبني ترمب أمريكا أولا، وترفض الصين في نفس الوقت القيام بدور الشرطي إلا عبر التمدد الاقتصادي الحزام والطريق، وتود أمريكا مزاحمة هذا الطريق بطرق أخرى الممر الهندي البري، وممرات أخرى كلها تمر عبر السعودية.
تهدف السعودية إلى ربط أمن البحر الأحمر بالأمن الأوروبي لتحويل الاستقرار الإقليمي إلى مصلحة مشتركة، ليس فقط بين الجانبين، بل مصلحة مشتركة لكافة القوى الدولية، من أجل تحقيق ترتيبات أمنية أكثر استدامة في التصدي للأزمات الدولية، خصوصا وأن التجمع بين قوى شرق أوسطية وأوروبية لم تنشأ تحت ضغط أزمة محددة ثم يتفكك هذا التجمع، لكن هذا التجمع تجمعه وجود مصالح مشتركة مستدامة وغير وقتية، وليس مجرد محطة دبلوماسية طارئة أو عابرة، بل هو تجمع فرضته تحولات دولية جيبولتيكية، أوجدت تقاربا جديدا بين قوى إقليمية شرق أوسطية وأوروبية على شاكلة بزوغ قطب جديد، رغم ان مقومات القطب غير متوفرة في الوقت الحاضر، بسبب تباين المصالح في بعض الملفات، لكنها تتقاطع في مخاوفها من انتقال الأزمات القائمة إلى مواجهات أوسع يصعب احتواء تداعياتها، لكن المصالح المشتركة تفرض هذا التقارب والتنسيق والتعاون في مواجهة الأزمات التي نتجت عن التنافس بين القوى الكبرى، وفي نفس الوقت نتيجة تحولات دولية، في صعود قوة جديدة الصين في مواجهة قوة مهيمنة الولايات المتحدة وقوة متمردة روسيا، وهذا التحول لم يكن قائما قبل عقدين من الزمن.
في المدى المنظور يمكن أن ينشا قطب جديد يجمع القوى الإقليمية الشرق الأوسطية والمجموعة الأوروبية التي ترفض أن تستمر شريك ثانوي للولايات المتحدة خصوصا بعدما أصبحت قيمة الغاز في أوروبا من 9 إلى 11 ضعفا في الولايات المتحدة، قفزت أسعار الغاز القياسية ما يعادل 29.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية مدفوعة بمخاوف نقص الإمدادات الشتوية وتوترات الشرق الأوسط وضيق تدفقات الغاز المسال، وفي المقابل استقرت الأسعار الأمريكية عند مستويات منخفضة تقارب 2.64 دولار فقط لنفس الوحدة.
فشراكتها مع دول الخليج شراكة الضرورة الملحة لتعديل كفة التنافس مع الولايات المتحدة خصوصا وهناك منافس لأوروبا وللولايات المتحدة وهي الصين، وهي فرصة لدول الخليج باستعادة قوتها الصناعية عبر الشراكة مع أوروبا مثلما فعلت اليابان قبل اكثر من ثلاثة عقود عندما اتجهت إلى تصنيع منتجاتها في دول النمور الآسيوية للتغلب على القدرة التنافسية، بينما أوروبا وأمريكا وافقتا على نقل صناعاتهما إلى الصين، واليوم بسبب الأزمات الجيوسياسية يبحثون عن إصلاح هذا الخلل باستعادة صناعاتهم الحيوية من الصين.
من أهم مخرجات إسطنبول توافق إقليمي وأوروبي على رفض التصعيد العسكري ضد إيران والدفع نحو تسوية دبلوماسية، ويكشف هذا التقارب عن رغبة الدول المشاركة في توجيه رسالة مشتركة تدعو إلى ضبط النفس وفتح المجال أمام التسوية السياسية، غير أن الاتفاق على رفض التصعيد لا يعني بالضرورة وجود رؤية موحدة بشأن جميع جوانب الأزمة الإيرانية، إذ تظل المواقف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والضمانات الأمنية الإقليمية وشروط التسوية النهائية موضع تفاوض وتباين بين الأطراف الدولية.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا