ليست المشكلة في أن يعلن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم موقفه من المفاوضات مع إسرائيل، ولا في أن يرفض ما يعتبره تنازلات لبنانية. فذلك حق سياسي يمكن لأي حزب أن يمارسه، ما دام يمارس العمل السياسي ضمن الأطر الدستورية.
المشكلة تبدأ في مكان آخر: حين يتحول الحزب، وهو طرف سياسي لبناني، إلى طرف يريد أن يحدد للدولة كيف تفاوض، ومتى تفاوض، وبأي صيغة تفاوض، ومتى يمكنها أن تناقش مسألة سلاحه.
في كلمته الأحد، ربط قاسم البحث في حصرية سلاح حزب الله بالانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، ودعا السلطات اللبنانية إلى تجميد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل والعودة إلى مسار التفاوض غير المباشر. كما اعتبر أنّ اتفاق الإطار يمثل تنازلًا عن أوراق يمكن للدولة استخدامها لتحصيل حقوق لبنان.
وهنا تحديدًا يبدأ السؤال: إذا كانت الدولة اللبنانية هي صاحبة السيادة، فمن يقرر شكل التفاوض باسمها؟
النصرالذي يؤجل مسألة السلاح
يعلن قاسم استمرار “المقاومة” ويربط مستقبل سلاحها بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية. وفي الوقت نفسه، يقول إنّ الحزب مستعد للحوار بشأن حصرية السلاح، ولكن بعد تحقيق ما يسميه “التحرير”.
يمكن النظر إلى هذا الموقف، من زاوية الحزب، باعتباره ربطًا بين السلاح وبين استمرار الاحتلال. لكن من زاوية الدولة تبرز معادلة مختلفة: إذا كان السلاح موضوعًا لبنانيًا يتعلق بقرار الحرب والسلم، فلماذا يصبح البحث فيه مؤجلًا إلى نتيجة تفاوضية مع دولة أخرى؟
لقد أعلنت الدولة اللبنانية في أكثر من مناسبة أنّ قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح هما من صلاحياتها. وفي قرار رسمي سابق، أكد مجلس الوزراء أنّ أي نشاط عسكري أو أمني ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج مؤسسات الدولة غير مقبول، وطالب بحصر عمل حزب الله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
ومن هنا يصبح السؤال أبسط من كل الشعارات: هل حصرية السلاح قرار لبناني داخلي، أم ورقة تفاوضية مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي؟
من يفاوض باسم لبنان؟
ربما كانت هذه النقطة الأكثر دلالة في خطاب قاسم. فهو لا يكتفي بإعلان موقف الحزب من المفاوضات، بل يطالب الدولة اللبنانية بتجميد التفاوض المباشر والعودة إلى التفاوض غير المباشر.
لكن لبنان اختار بالفعل مسارًا تفاوضيًا مباشرًا برعاية دولية. فقد انطلقت في يوليو/تموز جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما، بعد توقيع اتفاق الإطار في واشنطن في 26 يونيو/حزيران.
ثم جاء الرئيس جوزيف عون ليؤكد، في سبتمبر/أيلول، أنّ لبنان ماضٍ في خيار المفاوضات المباشرة، معتبرًا إياها الطريق الأقل كلفة لتجنب حرب جديدة، بالتوازي مع تأكيده حصر السلاح بيد الدولة من دون صدام داخلي.
وهنا لا يتعلق الأمر بتأييد التفاوض المباشر أو رفضه. فالمسألة أعمق: من يملك قرار اختيار صيغة التفاوض عندما يكون موضوع التفاوض هو أرض لبنان وحدوده وأمنه؟
فإذا كانت الدولة هي التي تتحمل نتائج أي اتفاق، وهي التي ستطلب من جيشها الانتشار، ومن مؤسساتها تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، فمن الطبيعي أن تكون هي صاحبة القرار في تحديد آلية التفاوض.
أما أن تكون الدولة مسؤولة عن النتائج، بينما يحتفظ حزب سياسي بحق تحديد الطريق الذي ينبغي أن تسلكه إليها، فهذه معادلة تحتاج إلى تفسير.
السيادة ليست قاموسًا مشتركًا
المفارقة أنّ خطاب قاسم نفسه يستند إلى مفردات السيادة وحقوق لبنان، وهي مفردات لا يختلف عليها لبنانيان من حيث المبدأ.
لكن السيادة ليست مجرد قاموس سياسي. السيادة تعني، في معناها العملي، أن تكون هناك جهة واحدة تملك قرار الحرب والسلم، وجهة واحدة تفاوض باسم البلاد، ومؤسسات واحدة تتولى حماية الحدود.
وقد أكد عون في يوليو/تموز أنّ مفهوم السيادة يتضمن سيادة الدولة في قرارها، وأنّ الدولة ملتزمة بتطبيق حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم.
وفي سبتمبر/أيلول، قال بوضوح إنّ لبنان يسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، وإنّ المفاوضات المباشرة هي الخيار الأقل كلفة لتجنب حرب جديدة، مع التأكيد على المضي في حصر السلاح بيد الدولة.
لا يعني ذلك أنّ على لبنان تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية أو التخلي عن حقوقه في الجنوب. بل على العكس: الدولة هي الجهة التي يفترض أن تطالب بهذه الحقوق، وتفاوض عليها، وتحشد لها الدعم السياسي والدبلوماسي والقانوني.
لكن الفرق كبير بين أن تقول الدولة: هذه أرضنا وهذه حقوقنا وسنتفاوض لاستعادتها، وبين أن يقول حزب سياسي للدولة: تفاوضي بهذه الطريقة ولا تفاوضي بتلك.
بين نصر الله وقاسم
ثمة مسألة أخرى لا يمكن تجاهلها، وإن كانت تحتاج إلى قدرٍ من الحذر: الانتقال القيادي من حسن نصر الله إلى نعيم قاسم.
كان نصر الله يتمتع بحضور جماهيري وخطابي واسع، وأصبح على مدى عقود الوجه الأكثر ارتباطًا بالحزب في الداخل والخارج.
أما قاسم، الذي كان نائبًا للأمين العام لسنوات طويلة، فقد جاء إلى موقع القيادة من خلفية تنظيمية وسياسية أكثر منها من صورة الزعيم الجماهيري.
ولا يسمح ذلك، بطبيعة الحال، باستنتاج مستوى القبول الذي يحظى به داخل بيئة الحزب؛ فذلك يحتاج إلى بيانات واستطلاعات لا تتوافر بصورة كافية.
لكن السؤال المشروع هو: هل تستطيع القيادة التنظيمية أن تؤدي الوظيفة نفسها التي كانت تؤديها القيادة الكاريزمية؟
الجواب ليس محسومًا، وربما لا يكون مطلوبًا أن يكون محسومًا الآن. غير أنّ الفارق في الأسلوب والحضور والخطاب بات جزءًا من المشهد السياسي الجديد للحزب.
فالكاريزما ليست مجرد نبرة صوت أو قدرة على مخاطبة الجمهور، كما أنّ التنظيم وحده لا يصنع بالضرورة زعامة جماهيرية. وهنا ربما تكمن إحدى أصعب مهام قاسم: أن يقود حزبًا خرج من مرحلة كان فيها قائده السابق أكثر من أمين عام؛ كان، بالنسبة إلى أنصاره، رمزًا سياسيًا وعسكريًا وجماهيريًا في آن واحد.
“العفاف الوطني” لا يكفي
ربما يحتاج لبنان اليوم إلى أقل قدر ممكن من المحاضرات في الوطنية، وأكثر قدر ممكن من الاتفاق على قواعد الدولة. فلا أحد يستطيع احتكار الوطنية، كما لا يستطيع أحد احتكار الدفاع عن الجنوب أو الادعاء بأنه وحده يمثل اللبنانيين.
والأمر نفسه ينطبق على إسرائيل: استمرار الاعتداءات أو بقاء قواتها في أجزاء من الأراضي اللبنانية لا يلغي حق الدولة اللبنانية في التفاوض، كما أنّ حق الدولة في التفاوض لا يعني أنها مطالبة بقبول أي شروط مفروضة عليها.
فالدولة تستطيع أن تفاوض وأن ترفض، وأن تقبل وأن تشترط، وأن تدافع عن حقوقها بكل الوسائل السياسية والقانونية المتاحة. لكنها لا تستطيع أن تكون دولة كاملة في المسؤولية، وأن تكون دولة ناقصة في القرار.
وهنا تحديدًا تكمن المسألة التي يستحق خطاب نعيم قاسم أن يتركها أمام اللبنانيين: إذا كان حزب الله يريد أن يكون حزبًا سياسيًا، فليكن جزءًا من النقاش الوطني. وإذا كان يريد أن يناقش استراتيجية الدفاع عن لبنان، فليجلس إلى طاولة الحوار مع بقية اللبنانيين.
أما أن يحتفظ بالسلاح، ثم يضع شروطًا لمناقشة حصرية السلاح، ويطالب الدولة في الوقت نفسه بتغيير طريقة تفاوضها مع إسرائيل، فالسؤال الذي يبقى معلقًا هو: أين تنتهي حدود الحزب، وأين تبدأ حدود الدولة؟ لأنّ السيادة، في النهاية، ليست أن يتحدث الجميع باسم الوطن… السيادة هي أن يكون للوطن صوتٌ واحد عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلم، وبالحدود، وبالتفاوض، وبالقرار.