مقالات رأي
عنصرةُ لبنان: من منطق الغلبة إلى منطق الدولة

مفيد خطَّار
في علِّيَّة أورشليم، لم تكن العنصرة مجرّد حدثٍ ديني، بل لحظةَ ولادةِ جماعةٍ جديدة استطاعت أن تحوِّل الخوف إلى رجاء، والانقسام إلى شركة، وتبلبل الألسنة إلى لغةٍ جامعة. ولم يكن سرُّ تلك الولادة في توحيد الناس حول هويّةٍ واحدة، بل في جمعهم حول حقيقةٍ واحدة. واليوم، يقف لبنان أمام عنصرةٍ من نوعٍ آخر.
كأنّ اللبنانيين يجتمعون في علِّيَّة وطنٍ يقف على حافة الهاوية، ينتظر ولادةً جديدة. فقد ضاقت هوامش التأجيل، وبلغ الوطن لحظةً لا يعود فيها السؤال: من ينتصر؟ بل: كيف يبقى الوطن؟
فالأوطان لا تُبعث بالخوف، بل بشجاعة أبنائها، ولا تقوم إلّا حين يقتنع الجميع بأنّ الدولة هي الضمانة للجميع، وأنّ الشراكة ليست تقاسمًا للنفوذ، بل تقاسمًا للمسؤوليّة. تفرّق الإخوة، لكنّ لبنان بقي أكبر من تفرّقهم. وانقسموا، فظلّ الوطن أوسع من انقساماتهم.
وتقاتلوا، غير أنّ الحقيقة بقيت أقوى من كلّ الحروب: فلا فريق يستطيع أن يبني وطنًا وحده، ولا غلبة تستطيع أن تصنع سلامًا دائمًا. وتبلبلت الألسنة من جديد، فصار كلُّ فريقٍ لا يسمع إلّا صدى صوته، ولا يرى في الآخر إلّا خصمًا، ولا يثق إلّا بمن يعده بالغلبة. وهكذا غابت الدولة، وتقدّمت الولاءات، وتراجع الوطن أمام حسابات الداخل والخارج.
لكنّ عنصرة لبنان تبدأ يوم يدرك اللبنانيون أنّ الوطن أكبر من الطوائف، وأبقى من الأحلاف، وأسمى من كلّ انتصارٍ على شريكٍ في الوطن.
تبدأ حين تصبح لغةُ الدولة أفصح من لغة السلاح، ولغةُ المواطنة أقوى من العصبيّة، ولغةُ العدالة أصدق من خطابات التعبئة والكراهية. فالعالم لا يحتاج إلى وطنٍ ينتصر بعضُه على بعض، بل إلى وطنٍ ينتصر على انقسامه.
ولا يحتاج إلى قوّةٍ تفرض إرادتها، بل إلى دولةٍ تفرض سيادة القانون على الجميع، وتحمي الحرية والكرامة والمساواة بلا استثناء. ورسالة لبنان لم تكن يومًا أن يُلغي اختلافاته، بل أن يحوّلها إلى مصدر غنى، وأن يجعل من تعدّديته نموذجًا للعيش المشترك، لا ساحةً للصراعات.
هكذا تبدأ عنصرة لبنان: حين تحلّ الشراكة محلّ الغلبة، والدولة محلّ الدويلة، والولاء للبنان محلّ الولاءات المتنازعة، والعدالة محلّ منطق القوّة.
عندها لا يكون لبنان قد خرج من أزماته فحسب، بل يكون قد استعاد رسالته. وعندها لا تبقى القيامة استعارةً أدبية، بل تغدو مشروعًا وطنيًا وأخلاقيًا يتجدّد كلَّ يوم.
فإذا نجح لبنان في أن ينتصر على انقسامه، لا على بعضه، يكون قد قدّم للعالم شهادةً حيّة على أنّ التعدّدية ليست لعنة، وأنّ السلام ليس هدنةً بين المنتصرين، بل ثمرةُ دولةٍ عادلةٍ تحتضن جميع أبنائها. وحينئذٍ، لا تكون عنصرة لبنان خلاصًا للبنان وحده، بل شهادةَ رجاءٍ لعالمٍ أنهكته الحروب ومنطقُ الغلبة:
أنّ قوّة الأوطان لا تُقاس بما تربحه من معارك، بل بما تمنحه للإنسان من عدالةٍ وكرامةٍ ورجاء.













