تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
رقم الخبر: 730
مقالات رأي

استراحة محارب… لن تُسكتوا بيروت تايمز

بقلم : اكرم مندامي زين الدين *

دبي – لتكن استراحة محارب، لا أكثر، فيما ينكبّ الفريق التقني في بيروت تايمز على استئصال ذلك السهم المسموم الذي اخترق شرايين الشبكة، ظنًّا من راميه، إن كان ما حدث فعلًا مقصودًا، أن إصابة المنصة كافية لقمع صوت ورأي، وأن إسكات شاشة يعني إسكات الذين يكتبون خلفها والذين ينتظرونها على الضفة الأخرى. أما أنا، فحين وجدت الباب موصدًا، لم أبحث عن باب آخر. أحضرت محبرتي وقلمي وأبجديتي وذخر الصليب وفاتحة الكتاب وصرخة القديسين، وجلست أكتب. فما أغرب الذين ما زالوا، بعد كل ما مرّ على هذه المدينة، يعتقدون أن بيروت تُسكَت.

لا أعرف بعد من أطلق السهم. قد يكون عطلًا تقنيًا، وقد يكون هجومًا إلكترونيًا، وقد يكون فعلًا مقصودًا ممن ضاق بما يُكتب ويُقال؛ والفصل بين هذه الاحتمالات للتقنيين والوقائع، لا للغضب ولا للخيال. لكن، إن كان أحدهم قد تعمّد إصابة بيروت تايمز معتقدًا أن الطريق إلى إسكات الكلمة يمر عبر تعطيل المنصة، فقد أخطأ في فهم طبيعة ما يحاول إسكاتَه. بيروت تايمز ليست خادمًا إلكترونيًا ولا عنوانًا على شبكة. خلف الاسم فريق يعمل، وهيئة تحرير تحمل مسؤولية الكلمة، ومحررون يكتبون، وقراء يعودون كل يوم لأنهم يريدون أن يقرأوا ويعرفوا ويوافقوا ويختلفوا. قد يتوقف الخادم، أما هذه العلاقة بين الكاتب والقارئ فلا زرّ لإطفائها.

وهنا تتجاوز الحكاية بيروت تايمز نفسها. فالمنابر لا تُقاس فقط بعدد صفحاتها ولا بسرعة خوادمها، بل بالمساحة التي تفتحها للكلمة. قد نختلف مع مقال، وقد نرفض رأيًا، وقد نرد عليه ونفنده ونضع أمامه رأيًا أشد قوة وحجة؛ هكذا تُحترم الكلمة. أما حين يصبح الحل إسكات المكان الذي يحملها، فنكون قد غادرنا ساحة الرأي إلى الخوف منه. وأنا تعلمت من سنوات طويلة أن الكلمة التي تحتاج إلى خنق كلمة أخرى كي تبقى واقفة، ليست قوية كما يتوهم صاحبها.

لهذا لن أكتب مرثية لبيروت تايمز، ولن أقف على بابها الإلكتروني منتظرًا إعلان عودتها. هي استراحة محارب. في الداخل أيدٍ تقنية تبحث عن موضع الإصابة وتعيد وصل الشرايين، وهيئة تحرير تعرف أن المنصة لا تُبنى في الأيام السهلة وحدها، ومحررون ستعود مقالاتهم، وقراء ينتظرون. وأنا أفعل ما أعرفه منذ زمن: عندما يضيق صدري لأن الحبر يركد في المحبرة، أطلق القلم. وعندما يريد أحدهم، لأي سبب كان، أن يقنع الحبر بالصمت، أفتح المحبرة أكثر.

وبيروت تايمز، كما بيروت، لبنان، ليست عصيّة على الجرح. تصيبها السهام، تتعب، تتعثر، وقد تنطفئ شاشتها لبعض الوقت. لكن المشكلة أن كثيرين أخطأوا عبر تاريخ هذه المدينة في التمييز بين انطفاء الضوء وموت المكان. بيروت ليست شاشة. بيروت تلك المدينة التي مرت فوق جسدها الحروب والاحتلالات والاغتيالات والانفجارات والانهيارات، ودُفنت تحت حجارتها أحلام وبيوت ووجوه، ثم جاء صباح آخر، فارتفعت ستارة متجر، وفاحت رائحة القهوة من نافذة، وفُتحت صحيفة، وأمسك أحدهم قلمًا وكتب جملة جديدة. كأن في هذه المدينة شيئًا يرفض، بعناد لا تفسير له، أن يسمح للآخرين بكتابة سطره الأخير.

ولهذا، عندما توقفت بيروت تايمز، لم يكن سؤالي: هل ستعود؟ كان سؤالي: ماذا سنكتب عندما تعود؟ لأن الصمت الذي فرضه العطل، أيًّا كان سببه، لم يكن فراغًا. كانت خلفه أصابع تعمل على لوحة المفاتيح، وتقنيون يلاحقون الخلل، ومحررون ينتظرون صفحاتهم، وقراء يسألون، وأقلام لم تجف. وما يبدو لمن ينظر من الخارج توقفًا، قد يكون في الداخل تلك اللحظة القصيرة التي يخفض فيها المحارب سلاحه، لا ليستسلم، بل ليمسح عنه الغبار ويقف من جديد.

أما أنا، فقد جئت إلى هذه الاستراحة بشيء آخر. أحضرت من محبرتي ثلاثة أحرف تركتها منذ العنوان واقفة أمام القارئ: 𐤏𐤅𐤐. ليست اسمًا فينيقيًا موثقًا لطائر الفينيق، ولن أزوّر التاريخ من أجل بلاغة جميلة؛ إنها أثر من جذر الطير في أبجدية هذه الضفة. وضعتها هناك لأنني أردت للقارئ أن يتوقف أمامها قبل أن يعرف لماذا. فأنا لا أريد الفينيق الذي استهلكته الخطب حتى صار مجرد طائر يحترق ثم ينهض من الرماد. أريده كما أفهمه حين أنظر إلى بيروت: قدرة المكان على أن يبقى حيًا بعدما يقتنع الآخرون أنه انتهى.

أعرف طائر الفينيق، ويعرفونه، وستعرفونه. لا لأن الأسطورة أخبرتنا أنه يعود، بل لأن هذه المدينة قدّمت البرهان أكثر مما ينبغي لمدينة واحدة. كلما ظن أحدهم أنه وضع النقطة في آخر سطرها، مدت بيروت يدها إلى المحبرة وأكملت الجملة. وكلما أُغلق فيها باب، خرج صوت من نافذة. وكلما اعتقد سهم أنه أصاب القلب، اكتشف متأخرًا أن لهذه المدينة أكثر من شريان.

فإلى الفريق التقني في بيروت تايمز: استأصلوا السهم، وأعيدوا الدم إلى شرايين الشبكة. وإلى هيئة التحرير ومحرريها: افتحوا الصفحات، فالحبر لم يجف. وإلى القراء: ابقوا قريبين، فاستراحة المحارب لا تطول.

وأما من اعتقد، إن ثبت أن وراء ما حدث يدًا أرادت لهذا المنبر أن يصمت، أن سهمًا واحدًا يستطيع إنهاء الحكاية، فلن أبحث عن اسمه، ولن أمنحه من كلماتي أكثر مما يستحق. سأترك له فقط جملة واحدة، لعلها تساعده في المرة المقبلة على اختيار خصمه بعناية أكبر:

لقد ظننت أنك أصبت بيروت تايمز، ولم تنتبه، وأنت تنتزع سهمك من قوسك، أنك لم تكن تعرف هذه المدينة جيدًا.

فالسهم الذي أردته كي يُسكت بيروت… أيقظها.

 

*مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية

 

كتب هذه المقال خلال تعرّض الموقع الرقمي الخاص بصحيفة بيروت تايمز لمحاولة قرصنة جديدة ومكرّرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock