منوعات
لعبة إنجلترا: حين أصغى الألمان إلى لندن وهي تظنّ أنها تُصغي إلى مقاوميها

بقلم: محمد ناصر
في ليلة السادس من نوفمبر 1941، قفز رجلان من طائرة بريطانية فوق حقول شرق هولندا المحتلة. كان أحدهما، هوب لاورز، يحمل جهاز إرسال لاسلكي صغيرًا، وفي رأسه شيء أثمن من الجهاز نفسه: إشارة سرية تُعرف باسم «شفرة الأمان». لم يكن يعلم أن هذه الإشارة الصغيرة، حين تُهمَل، ستتحول إلى واحدة من أفدح المآسي في تاريخ الحرب الخفية.
تُعرف القصة في كتب التاريخ باسم «عملية القطب الشمالي» (Operation North Pole)، أو بتسميتها الألمانية الأشهر «لعبة إنجلترا» (Englandspiel). وهي عند معظم المؤرخين كارثة كبرى لجهاز العمليات الخاصة البريطاني (SOE)، وهو جهاز أُنشئ للتخريب ودعم حركات المقاومة، لا للتجسس بمعناه الضيق كما يظن كثيرون. وقد استمرت اللعبة أكثر من عامين، كانت لندن خلالها تُحاور عدوّها وهي تحسبه رجال المقاومة.
بداية الفخ: رجل أمام جهاز الإرسال
في السادس من مارس 1942 اعتقلت الاستخبارات الألمانية لاورز، وبعده بثلاثة أيام زميله تيس تاكونيس. تولّى الملف ضابط الـ«أبفير» (الاستخبارات العسكرية الألمانية) هيرمان جيسكس، بالتعاون مع جوزيف شرايدر من جهاز الأمن (SD). كان جيسكس ضابطًا هادئًا شديد الصبر، وقد أدرك أن الجهاز اللاسلكي المصادَر أثمن بكثير من عشرات السجناء، فأجبر لاورز على مواصلة المراسلة مع لندن.
وهنا يبدأ المشهد الذي ظل يُروى عقودًا. كان لكل عميل بريطاني «شفرة أمان» (Security Check): خطأ متعمد أو علامة متفق عليها يدسّها في رسائله ليُثبت لقيادته أنه حر وليس تحت الإكراه. فإذا غابت العلامة، فالمفترض أن تدق أجراس الإنذار.
لاورز فعل ما بوسعه: أرسل رسائله دون شفرة الأمان، بل حشر في بعضها الحروف CAU وGHT في بداية الرسالة ونهايتها، أي «caught» (قُبض عليّ). غير أن لندن لم تلتفت. فسّرت الغياب بإهمال العميل أو بنسيانه، وردّت كأن شيئًا لم يكن.
ثمن الغفلة
من هنا بدأ جيسكس يطلب من لندن ما يريده: مزيدًا من العملاء، ومزيدًا من العتاد. وكانت لندن تلبّي. وعلى مدارج الهبوط والإنزال، كان في انتظار المظليين الجدد «لجنة استقبال» تبدو مقاومة هولندية صادقة، وهي في الحقيقة رجال الـ«أبفير» وأعوانهم. بمجرد أن تلمس أقدام العميل الأرض، يُقبض عليه.
وعلى مدى نحو عامين، سقط في هذا الفخ نحو أربعة وخمسين عميلًا أُرسلوا من بريطانيا، ولم ينجُ منهم إلا أربعة. أما الباقون فماتوا في السجون ومعسكرات الاعتقال، وأُعدم معظمهم في معسكر ماوتهاوزن بالنمسا في خريف 1944، قبل أن تنتهي الحرب بأشهر قليلة. ووقعت في أيدي الألمان كميات هائلة من الأسلحة والمتفجرات والمعدات، تقدّرها بعض المصادر بمئات الأطنان، وهي ما موّلته بريطانيا لتسليح مقاومة ظنّتها صديقة.
ولا تقف الحصيلة عند هذا الرقم. فكل عميل يُقبض عليه يجرّ معه خيوطًا إلى شبكات هولندية محلية، وقد أُعدم وسُجن بسبب اللعبة مدنيون ومقاومون يصعب إحصاؤهم بدقة.
الهاربان اللذان لم يصدّقهما أحد
في أغسطس 1943 نجح عميلان مأسوران، بيتر دورلين (Pieter Dourlein) وجون أوبينك (Johan Ubbink)، في الفرار من سجن هارين في جنوب هولندا. عبرا بلجيكا وفرنسا، وبلغا سويسرا، حيث أبلغا الممثلية الهولندية بما جرى، ثم مضيا عبر إسبانيا إلى لندن.
لكن المفارقة أن جيسكس سبقهما بخطوة، فأرسل رسالة مزوّرة تزعم أن الرجلين انقلبا وصارا يعملان لحساب الألمان. وحين وصل دورلين إلى بريطانيا في أوائل 1944 عُومل معاملة المشتبه به وحُجز في مركز التحقيق التابع للجهاز نفسه. وهكذا واصل الألمان اللعبة أشهرًا بعد أن كان يمكن إنهاؤها.
رسالة الوداع الساخرة
لما انكشفت الخديعة وقطعت لندن الاتصال، أرسل جيسكس برقية أخيرة ساخرة. صاغها بلغة مراسلات التجار، فشكر «شركاءه» في لندن على سنوات من التعاون المثمر وعلى ما قدّموه من أسلحة ومعدات، وأعرب عن استعداده لاستقبالهم بالحفاوة نفسها إن فكّروا في زيارة القارة على نطاق واسع. ثم خرج من الحرب ليكتب مذكراته في مطلع الخمسينيات بعنوان «London Calling North Pole».
كيف حدث ذلك؟ أسئلة بلا جواب مريح
يعود المؤرخون إلى مجموعة أسباب متراكمة، لا إلى سبب واحد:
-
ثغرات في النظام نفسه: كان تدريب العملاء ضعيفًا في بعض الجوانب، وكان الجهاز يعتمد على جهاز استخبارات آخر في شؤون الشفرات والاتصالات، ما أضعف الرقابة الداخلية.
-
الثقة العمياء: أصرّ مسؤولو القسم الهولندي على أن اتصالاتهم سليمة، وكان الاعتراف بالخطأ مكلفًا لسمعة الجهاز.
-
حاجة سياسية: كانت لندن تريد أن تُظهر لحلفائها أن المقاومة الهولندية حية، فلم تُنصت بما يكفي للإشارات المقلقة.



















