تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

من الحَرف إلى الحَجَر، سيرةُ حلمٍ يُصارع الصّخر

الفنان والشاعر غاندي بو ذياب، مؤسس "كهف الفنون" في بلدة الجاهلية الشوفية

إكرام زين الدين

ليس في الجبال ما هو أصبر من الحجر، ولا في الناس من هو أصبر على الحَجَر من غاندي بو ذياب.

وُلد في بلدة الجاهلية، بين بيوتٍ تحفظ دفء الأيدي التي بنَتها، فتعلّم أن الجدار يتنفّس، وأن في كل حجرٍ ذاكرةً تنتظر من يُصغي إليها. في مدرسة القرية الرسمية تهجّى أولى الحروف، وفي دير القمر تعلّم الخط والفن المعماري، ومن الحَرف والفن معًا بدأت رحلته بين القصيدة والعمارة.

ثم نال دبلوماً فخرياً عالياً من جامعة لندن بناءً على إنجازه «كهف الفنون»، وعاد وفي يده ما يجمع بين البناء والقصيد؛ عينٌ تهندس المكان، وروحٌ تسكنه.

حوّل ملجأً في قلب قريته إلى «كهف الفنون»، ولم يكتفِ بالجدران، فمدّ الكهف إلى حديقته وأقام متحفاً بيئياً تحوّلت فيه الجذوع والجذور والأغصان اليابسة، والصخور التي تعود إلى مئات السنين، إلى قطعٍ فنية نابضة بالحياة.

لم يبقَ الكهف حبيس صاحبه، فقد انفتح للزوّار أيضاً، يدخله الطلاب والسيّاح وأهل القرى المجاورة، فيجولون بين اللوحات والمنحوتات والجذوع المعمّرة، كمن يمشي في ذاكرة المكان، في لقاءٍ حيّ بين الزائر والأرض والإنسان.

أما فنّه فنهرٌ متعدد الروافد؛ ريشةٌ تُصغي إلى اللون، وإزميلٌ يستنطق الحَجَر، ووترٌ يوقظ الحنين.

كتب شعراً يُدهش ولا يستأذن، في ديوانين هما: «رماد السما» و «لبست حالي وجيت»، ألبس فيهما القصيدة ثوب الرمز والصورة والسريالية، ووصل الواقع بالخيال.

وفي أفلامه «رؤى سيريالية» و «كحل الحياة» و «كهف الفنون»، علّم الكاميرا أن ترسم بالصورة. وما يجمع هذه الروافد كلّها ميلٌ إلى السريالية والرمز، ورغبةٌ في أن تنطق المادة، حجراً كانت أم خشباً أم لوناً.

ولأن العطاء الصادق يجد من يلتفت إليه، فقد أسّس مع مجموعة من أهل الثقافة جمعية «كهف الفنون» وترأّسها، فصار الكهف مجلساً يقصده الأدباء والشعراء والمثقفون، ويستضيف فعالياتٍ إبداعية وثقافية متنوّعة.

كرّمته بلدية الشويفات بندوةٍ ومعرضٍ من أعماله ضمّ مئة لوحةٍ زيتية ومنحوتاتٍ برونزية، وكرّمه اتحاد الكتّاب اللبنانيين على مبادرته الفردية في إنجاز المتحف.

من أبرز الجوائز التي نالها «جائزة الإنسانية العالمية» في مهرجان الثقافة العالمي بولاية كارناتاكا الهندية، تقديراً لعطائه في خدمة الإنسان وحماية التراث.

وإذا كان في الأسماء ما يشبه أصحابها، فغاندي بو ذياب اسمٌ يشبه الصبر؛ صبر الحَجَر على الإزميل، وصبر الجذر على العطش، وصبر الفنان على حلمٍ لا يكتمل إلا حين يتّسع للآخرين.

وهكذا يبقى «كهف الفنون» شاهداً على أن العزيمة حين تُصارع الصخر لا تنكسر، بل تنحت من مقاومته معلماً تُقرأ فيه الإرادة كما تُقرأ القصيدة.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock