منوعات
الإعلامية نوال الأشقر لـ«بيروت تايمز»: تلفزيون لبنان مؤسسة وطنية جامعة والمصداقية تبقى أهم من السبق الصحافي
رئيسة تحرير أخبار تلفزيون لبنان: الدقة قبل السرعة... والمهنية مسؤولية وطنية

بيروت – بيروت تايمز – حوار: منى حسن
في ظلّ التحدّيات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يواجهها لبنان، وما يرافقها من انقسامات داخلية وتوترات إقليمية وتطوّرات ميدانية متسارعة، تبرز مسؤولية الإعلام الوطني في نقل الحقيقة بمهنية وموضوعية، بعيدًا عن التحريض والتضليل وتغليب الحسابات السياسية.
وفي هذا السياق، يواصل تلفزيون لبنان، بصفته المؤسسة الإعلامية الرسمية، أداء دوره في مواكبة الأحداث اللبنانية والإقليمية، والحفاظ على مساحة إعلامية جامعة تتيح لمختلف الآراء التعبير عن مواقفها، وتعزّز حق المواطن في الوصول إلى المعلومات الموثوقة.
وفي حوارها مع «بيروت تايمز»، تتناول رئيسة تحرير قسم الأخبار في تلفزيون لبنان، الإعلامية نوال الأشقر، واقع الإعلام الرسمي والتحديات التي تواجه غرف الأخبار في ظلّ الأزمات والحروب، متوقفة عند استقلالية القرار التحريري، ومعايير اختيار الأخبار، وأهمية التحقق من المعلومات ومواجهة الشائعات، فضلًا عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في مستقبل العمل الإعلامي.
وتستعيد الأشقر تجربتها المهنية الممتدة على مدى 23 عامًا في تلفزيون لبنان، متحدثة عن مسؤولية الإعلام الرسمي في حماية المصداقية وتعزيز الوحدة الوطنية، وعن الخطوات التطويرية التي تشهدها المؤسسة، وصولًا إلى إدخال المراسلة الرقمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتحديث الهوية البصرية وتفعيل الحضور على المنصات الرقمية.

وتؤكد الأشقر في حديثها إلى «بيروت تايمز» أن السبق الصحافي لا ينبغي أن يكون على حساب صحة المعلومة، وأن مستقبل تلفزيون لبنان يرتبط بقدرته على الجمع بين إرثه الإعلامي العريق ومتطلبات التطور التكنولوجي، والتمسك برسالته الوطنية بوصفه مساحة جامعة لجميع اللبنانيين.
وفي ما يأتي نص الحوار مع «بيروت تايمز»:
(◆) كيف تقيّمين دور تلفزيون لبنان اليوم في المشهد الإعلامي اللبناني، وما الذي يميّزه عن المحطّات التلفزيونيّة الخاصّة؟
(
) في الواقع، لا أرى في تلفزيون لبنان، الذي عملت فيه على مدى 23 عامًا وما زلت، وتدرّجت فيه في المهام والمسؤوليّات، مجرّد محطّة تلفزيونيّة، بل مؤسّسة إعلاميّة وطنيّة تحمل مسؤوليّة تجاه جميع اللبنانيّين، ولا سيّما في ظلّ الانقسامات الحادّة التي يشهدها البلد.
بحيث تكمن أهمّيّته في طبيعة رسالته العامّة التي تميّزه عن المحطّات الخاصّة، من خلال نقل الوقائع بمهنّية وموضوعيّة، وإتاحة مساحة إعلاميّة لمختلف الآراء والاتّجاهات، من دون أن يتحوّل إلى منبر لفريق في مواجهة فريق آخر.
والابتعاد عن تغذية التفرقة لا يعني تجنّب الملفّات الخلافيّة التي تفرض نفسها على التغطيات الإخباريّة والبرامج السياسيّة، بل تغطيتها من دون تحريض أو تخوين، ومن دون تحويل الشاشة إلى أداة لتأجيج الانقسام، كما نشهد اليوم في معظم المشهد الإعلامي اللبناني.
فدورنا ليس تعميق الانقسامات، بل مواكبة الأحداث بمسؤوليّة، بما يحفظ حقّ المواطن في المعرفة ويعزّز الثقة بالإعلام الوطني.
(◆) كيف تحافظين على استقلاليّة القرار التحريري في ظلّ التجاذبات السياسيّة والضغوط التي قد تواجه الإعلام الرسمي؟
(
) المحافظة على استقلاليّة القرار التحريري مسؤوليّة مشتركة نتقاسمها كفريق إخباري داخل المؤسّسة، وتبدأ من الإدارة العامّة ومديرة الأخبار، وصولًا إلى رؤساء التحرير والمراسلين.
وتتحقّق هذه الاستقلاليّة من خلال الالتزام بالمعايير المهنيّة، والفصل بين نقل الخبر وتبنّي المواقف السياسيّة. فنحن نتعامل مع الوقائع انطلاقًا من قيمتها الإخباريّة وأهمّيّتها بالنسبة إلى المواطنين، وليس انطلاقًا من الجهة التي تقف وراءها أو موقعها في المشهد السياسي.
بأي حال، المهمّة ليست سهلة في ظلّ التوازنات السياسيّة والتجاذبات الحادّة، لكنّ المسؤوليّة المهنيّة تقتضي ألّا تتحوّل هذه التحدّيات إلى مبرّر للتخلّي عن الموضوعيّة أو الانتقائيّة في نقل المعلومات.
وهنا يأتي دورنا في التحقّق من المعلومات قبل نشرها، والتمييز بوضوح بين الخبر والموقف والتعليق، والحرص على ألّا يُختزل تلفزيون لبنان في وجهة نظر واحدة.
وتؤكّد ممارستنا المهنيّة حرصنا على إعطاء مختلف الأطراف حقّها في التعبير، سواء في البرامج الحواريّة أو في النشرات الإخباريّة.

(◆) ما المعايير التي تعتمدونها في اختيار الأخبار وتحديد أولويّات النشرات، خصوصًا في الملفّات السياسيّة الحسّاسة؟
(
) نعتمد في اختيار الأخبار على مجموعة من المعايير، أبرزها أهمّيّة الحدث، وتأثيره في حياة المواطنين، ومدى ارتباطه بالمصلحة العامّة، إلى جانب دقّة المعلومات ومصداقيّة مصادرها.
وفي الملفّات السياسيّة الحسّاسة، نحرص على نقل مواقف الجهات المعنيّة وتوضيح خلفيّات الأحداث وسياقاتها، من دون تضخيم أو اجتزاء.
وبطبيعة الحال، تحظى مواقف الرؤساء الثلاثة ونشاطاتهم بحيّز في نشرات الأخبار والتغطيات، بالتوازي مع منح القضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة والمعيشيّة التي تهمّ اللبنانيّين المساحة التي تستحقّها.
(◆) في ظلّ التوتّرات الإقليميّة والمخاوف من اتّساع الحرب إلى لبنان، كيف يستعدّ قسم الأخبار لمواكبة التطوّرات الأمنيّة والعسكريّة؟
(
) نعيش هذه الظروف منذ اندلاع المواجهات عام 2023، وما تلاها من اعتداءات إسرائيليّة متواصلة حتّى اليوم، وهو ما فرض على قسم الأخبار تحدّيات كبيرة، خصوصًا خلال فترات احتدام المواجهات.
فقد أُوقفت جميع البرامج لصالح تغطية التطوّرات العسكريّة على مدار الساعة، وتضاعفت المهام والمسؤوليّات، لا سيّما بعدما قرّرت الإدارة آنذاك تخصيص الهواء لتغطية وقائع الحرب على مدى 24 ساعة.
ومن ناحية أخرى، تضاعفت المخاطر التي يتعرّض لها العاملون أنفسهم، ولا ننسى استهداف العدوّ مبنى مجاورًا لمبنى تلفزيون لبنان في تلة الخيّاط، وما رافق ذلك من ضغوط كبيرة على فريق العمل.
ولم تقتصر تغطيتنا على نقل التطوّرات العسكريّة، بل شملت أيضًا أبعادها الإنسانيّة والاجتماعيّة، وأوضاع المواطنين والنازحين، والجهود الرسميّة والدبلوماسيّة.
أمّا اليوم، وفي ظلّ المخاوف من اتّساع دائرة الحرب، فلا يمكن تجاهل الصعوبات التي تواجهنا، خصوصًا أنّ العاملين يعيشون أوضاعًا ماليّة صعبة. لكنّنا، في الوقت نفسه، سنسخّر كلّ الإمكانات المتاحة لمواكبة التطوّرات والقيام بمسؤوليّاتنا الإعلاميّة.
(◆) كيف توازنون بين سرعة نقل الخبر ودقّة المعلومات، ولا سيّما عند تغطية الاعتداءات الإسرائيليّة والتطوّرات الميدانيّة في الجنوب اللبناني؟
(
) في التغطية الميدانيّة، نقدّم الدقّة على السرعة، حتّى لو استلزم ذلك بعض التأخير. فدور تلفزيون لبنان ليس منافسة الإعلام الخاص على سرعة نقل الخبر، بقدر ما هو ترسيخ المصداقيّة. والمنافسة على السبق الصحافي لا يمكن أن تكون على حساب صحّة المعلومة، ولا سيّما عندما يتعلّق الأمر بأرواح الناس وسلامتهم.
وعند ورود معلومات عن اعتداءات إسرائيليّة أو تطوّرات في الجنوب، تبرز أهمّيّة التحقّق من المصادر ومقاطعة المعلومات المتاحة، والتمييز بين ما أُعلن رسميًّا وما أمكن تأكيده من مصادر أخرى.
ونعتمد في هذا الإطار على مندوبينا الميدانيّين، وفي حال تعذّر ذلك، نستعين بالوكالة الوطنيّة للإعلام، نظرًا إلى مصداقيّتها في نقل الأخبار، ولا سيّما الأمنيّة والعسكريّة.

الإعلامية نوال الأشقر خلال لقاء مع الكاتب في «بيروت تايمز»
الأستاذ عدنان القاقون خلال برنامج لبنان اليوم
(◆) ما دور تلفزيون لبنان في مواجهة الشائعات والأخبار المضلّلة، وتعزيز ثقة المواطنين بالإعلام الرسمي خلال الأزمات؟
(
) لتلفزيون لبنان دور محوريّ في مواجهة الشائعات والأخبار المضلّلة التي تنتشر في الفضاء الإعلامي.
من هنا، نحرص على التحقّق قبل النشر، انطلاقًا من إدراكنا أنّ كلّ معلومة تُبثّ عبر شاشة وطنيّة تحمل مسؤوليّة تجاه الجمهور. ولا سيّما أنّ الأخبار غير المؤكّدة تنتشر بسرعة خلال الأزمات.
وفي إطار تعزيز قدرتنا على مواجهة الأخبار المضلّلة، خضعنا لدورات تدريبيّة للتعرّف على الوسائل التقنيّة التي تتيح تدقيق الصور ومقاطع الفيديو المتداولة، من بينها دورات بالتعاون مع وكالة الصحافة الفرنسيّة ومؤسّسة مهارات، وغيرهما.
كما أنّ تصحيح الخطأ عند وقوعه جزء أساسي من المصداقيّة المهنيّة، وليس انتقاصًا منها. وتلفزيون لبنان، بحكم رسالته الوطنيّة، معنيّ بأن يكون مساحة يعود إليها المواطن للحصول على المعلومات الدقيقة والموثوقة.
(◆) كيف أثّرت وسائل التواصل الاجتماعي في عمل غرفة الأخبار، وهل باتت تشكّل تحدّيًا للإعلام التلفزيوني التقليدي؟
(
) بالفعل، غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي إيقاع العمل الإعلامي بصورة كبيرة. فأصبح الخبر يصل إلى الجمهور لحظة وقوعه، وأصبح المواطن نفسه قادرًا على نشر الصور والمعلومات من موقع الحدث. وهذا ما فرض على غرف الأخبار تطوير أدواتها ومواكبة المستجدّات بسرعة أكبر.
لكنّني لا أدّعي أنّنا ننافس هذه المنصّات في سرعة النشر، إذ لا تزال أمامنا تحدّيات جسيمة، خصوصًا في ظلّ دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار.
في المقابل، تعمل الإدارة العامّة على مواكبة المشهد الإعلامي الحديث، وقد أدخلت مؤخرًا رئيسة مجلس الإدارة المديرة العامّة، الدكتورة أليسار ندّاف، إلى فريق عمل التلفزيون أوّل مراسلة رقميّة تلفزيونيّة تُدعى «تاليا»، تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وذلك في إطار مشروع بالتعاون مع الشركة السعوديّة Points.
كما أطلقت المؤسّسة هويّة بصريّة محدّثة، وفي انفتاحها على تقنيّات الذكاء الاصطناعي، تخطو خطوة نوعيّة نحو مواكبة التحوّلات الإعلاميّة والتكنولوجيّة.
كذلك، يشكّل تعزيز الحضور الرقمي فرصة للوصول إلى فئات جديدة من الجمهور، ولا سيّما الشباب، مع الحفاظ على المعايير المهنيّة نفسها عبر مختلف المنصّات، القائمة على الدقّة والموضوعيّة والمصداقيّة.
(◆) بصفتك امرأة في موقع قيادي إعلامي، ما أبرز التحدّيات التي واجهتك في مسيرتك المهنيّة، وكيف استطعت التعامل معها؟
(
) يتطلّب العمل الإعلامي بحدّ ذاته الكثير من الجهد والمتابعة، ولا سيّما في قسم الأخبار، حيث تتداخل المسؤوليّة المهنيّة مع ضغط الوقت وحساسيّة الأحداث.
أمّا بالنسبة إلى المرأة التي تتولّى موقعًا قياديًّا، فقد تجد نفسها مضطرّة إلى إثبات كفاءتها باستمرار في بيئة مهنيّة تنافسيّة.
وأودّ أن أشير هنا إلى الحضور اللافت للمرأة في مواقع القرار في تلفزيون لبنان، إذ تتولّى المرأة رئاسة مجلس الإدارة، كما تشغل منصب المديرة الإداريّة ومنصب مديرة الأخبار. وفي جميع الأحوال، يجب أن يكون المعيار الأساسي في العمل الإعلامي هو الكفاءة والخبرة والالتزام، لا جنس الشخص الذي يتولّى المسؤوليّة.



















