تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الأب البرّ حبيب عساف
في محطة استثنائية من تاريخ الكنيسة الملكية الكاثوليكية في لبنان، أُعلنت رسمياً المباشرة بدعوى تطويب وتقديس خادم الله الشاب فتحي عبود بلدي، بعد حصول أبرشية بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك على موافقة مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان، في خطوة تعكس ما تركه هذا الشاب من أثر روحي عميق في قلوب المؤمنين على مدى عقود.
وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحافي عقده راعي الأبرشية المتروبوليت كيرلس سليم بسترس في مطرانية بيروت، بحضور الأب بولس قزي المكلّف بمتابعة الدعوى أمام الدوائر المختصة في روما، ومستشار الأبرشية الأستاذ سهيل أبو حلا، إلى جانب عدد من الكهنة والإعلاميين والمهتمين.
شاب عاش بإيمان ورحل باكراً
استعاد المطران بسترس سيرة فتحي بلدي، ذلك الشاب الذي وُلد في بيروت في الثاني والعشرين من أيلول عام 1961، وعاش حياة بسيطة اتسمت بالالتزام المسيحي والبحث الدائم عن الله وسط ظروف صعبة عاشها لبنان في تلك المرحلة.
وفي الحادي والثلاثين من كانون الأول عام 1980، وقبل ساعات قليلة من انتهاء العام، انتهت حياة فتحي على نحو مأساوي بعدما تعرّض لإطلاق نار أودى بحياته وهو في التاسعة عشرة من عمره فقط. وقد دُفن في بداية الأمر في مقبرة الروم الملكيين الكاثوليك في رأس النبع، قبل أن يُنقل رفاته في الرابع عشر من تموز عام 1983 إلى مدفن دير المخلّص في صربا، حيث أصبح مكاناً يقصده المؤمنون للصلاة والتأمل وطلب الشفاعة.
ظاهرة روحية لفتت أنظار المؤمنين
ومع مرور الوقت، بدأت تتناقل الأوساط الكنسية والشعبية شهادات عديدة عن نِعَم روحية وشفاءات نسبها أصحابها إلى شفاعة فتحي بلدي، كما تحدّث كثيرون عن ظواهر رافقت ضريحه، الأمر الذي أسهم في ترسيخ سمعته كشاب عاش الفضائل المسيحية بعمق وأمانة.
وأشار المطران بسترس إلى أن سينودس الكنيسة الملكية الكاثوليكية تناول قضيته أكثر من مرة، فصدر قرار بدراسة ملفه عام 1983 ثم أعيد التأكيد عليه عام 1994. وكُلِّف آنذاك المثلث الرحمة المطران بطرس الراعي بجمع الشهادات والوثائق المرتبطة بحياته، بالتعاون مع والدته، وأثمر العمل صدور كتابين تحت عنوان “فتحي بلدي… ظاهرة قداسة” وثّقا العديد من الشهادات الروحية المرتبطة به.
إلا أن الظروف الأمنية والحرب اللبنانية وما رافقها من تحديات حالت دون استكمال الملف في تلك المرحلة، فبقيت القضية معلّقة إلى حين تهيأت الظروف لإعادة إطلاقها.

من بيروت إلى الفاتيكان
أمام تزايد الشهادات والنِعَم المنسوبة إلى شفاعة فتحي بلدي، بادر المطران بسترس إلى إعادة تحريك الملف وفق الأصول الكنسية المعتمدة، فتقدّم إلى مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان بطلب رسمي لفتح القضية.
وبعد دراسة الطلب، تلقّت الأبرشية جواباً رسمياً من الكرسي الرسولي يؤكد عدم وجود أي مانع قانوني أو كنسي من المباشرة بإجراءات الدعوى، ما شكّل الانطلاقة الرسمية للمسار الكنسي الذي يهدف إلى دراسة حياة فتحي بلدي وفضائله وشهرته بالقداسة.
وأكد المطران بسترس أن هذه الموافقة لا تعني إعلان القداسة أو التطويب، بل هي إقرار من الكنيسة بأهلية القضية للانتقال إلى مرحلة التحقيق الرسمي وجمع الأدلة والشهادات اللازمة وفق القوانين الكنسية.
طريق القداسة يبدأ بالتحقيق
من جهته، شدد الأب بولس قزي على أن الكنيسة تتعامل مع دعاوى التطويب والتقديس بمنهجية دقيقة وصارمة، موضحاً أن ما تمّ الإعلان عنه لا يشكل حكماً مسبقاً، بل بداية لمسار طويل من البحث والتدقيق.
وقال إن فتح الدعوى يتيح للكنيسة دراسة حياة فتحي بلدي بصورة معمّقة، والتحقق من مدى ممارسته الفضائل المسيحية بشكل بطولي، إضافة إلى جمع الشهادات المتعلقة بسيرته وبالنِعَم المنسوبة إلى شفاعته.
ورأى الأب قزي أن فتح هذا الملف يحمل أيضاً رسالة رجاء للشبيبة اللبنانية، لأن فتحي يمثل نموذجاً لشاب عاش إيمانه وسط التحديات، وبقي شاهداً للقيم المسيحية والإنسانية حتى آخر لحظة من حياته.
وأضاف أن ذكراه لا تقتصر على شخصه فحسب، بل تستحضر جيلاً كاملاً من الشباب الذين سقطوا خلال سنوات الحرب اللبنانية، تاركين بصمات من الإيمان والعطاء والصمود.
دعوة للمؤمنين
وفي ختام المؤتمر، وجّهت الأبرشية دعوة إلى جميع المؤمنين الذين يمتلكون شهادات موثقة أو اختبروا نعماً روحية ينسبونها إلى شفاعة خادم الله فتحي بلدي، للتواصل مع المطرانية وتقديم ما لديهم من معلومات ووثائق، بهدف ضمّها إلى ملف الدعوى ومساعدة اللجنة المختصة في استكمال تحقيقها.
هكذا دخل اسم فتحي بلدي رسمياً مسيرة التطويب في الكنيسة الكاثوليكية، لتتحول قصة شاب لبناني رحل باكراً إلى مسار إيماني مفتوح على أمل أن تكشف الكنيسة، عبر دراستها الدقيقة، ما إذا كانت قداسة هذا الشاب ستُعلَن يوماً على مذابحها، فيصبح مثالاً جديداً للشباب الباحثين عن الله وسط عالم مليء بالتحديات.