تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

أكرم مندامي زين الدين في حوار خاص مع بيروت تايمز: الرؤية الاستراتيجية مفتاح النجاح في عالم المتغيرات

من قلب التحديات إلى آفاق المستقبل... أكرم مندامي زين الدين يكشف رؤيته للتنمية والاستثمار

في عالم تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية وتتشابك فيه التحديات الجيوسياسية مع المصالح التنموية والاستثمارية، باتت الحاجة أكثر إلحاحاً إلى قراءات استراتيجية متعمقة تساعد على فهم التحولات الجارية واستشراف اتجاهات المستقبل.

وانطلاقاً من هذا الواقع، تفتح بيروت تايمز نافذة حوارية خاصة مع الأستاذ أكرم مندامي زين الدين، المستشار والخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية، والذي راكم خبرة واسعة في مجالات التخطيط الاستراتيجي والاستثمار والتنمية المستدامة والعلاقات الاقتصادية الدولية.

ويتناول هذا الحوار جملة من القضايا المحورية التي ترسم ملامح الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة، بما في ذلك انعكاسات التحولات الدولية على الأسواق والاستثمارات، ومستقبل الفرص الاقتصادية في العالم العربي وأفريقيا، فضلاً عن أهمية الرؤية الاستراتيجية في إدارة الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص للنمو والتقدم.

كما يسلّط الحوار الضوء على أبرز المقومات التي تحتاجها الدول النامية لتعزيز تنافسيتها في بيئة عالمية متغيرة، إلى جانب استعراض رؤى عملية حول متطلبات التنمية المستدامة ودور القطاعين العام والخاص في دفع عجلة النمو الاقتصادي.

بيروت تايمز تقدّم هذا اللقاء النوعي مع الأستاذ أكرم مندامي زين الدين، لما يتضمّنه من رؤى استراتيجية وأفكار معمّقة وتحليلات مستقبلية تهمّ صنّاع القرار والمستثمرين والباحثين، وكل المهتمين بالشؤون الاقتصادية والاستراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي.

الى الحوار الشامل والممتع من القلب الى القلب:

(◆)  معلومات شخصية عامة تودّ مشاركتها مع قرّاء «بيروت تايمز»؟ وكيف كانت طفولتك وشبابك؟

(🔶) وُلدت في بلدة قبيع، في المتن الأعلى، يوم 29 تشرين الثاني 1963، وجذوري في عين القاضي، على مرتفع يطلّ على صنين ووادي لإمارتين. أبي حسيب سليمان زين الدين كان عسكريًا في الجيش اللبناني أحبّ مهنته، ورجل قلم ترك ثلاثة كتب في التاريخ والفكر. وأمي وفيقة كانت قلب البيت ودعاءه. نحن سبعة إخوة وأخوات، توزّعنا اليوم بين لبنان والغابون ودبي، كما تتوزّع العائلات اللبنانية عادة على خريطة العالم.

طفولتي الحقيقية عشتها في بيت جدّي مجيد أبي أمين، الذي كان يناديني «الدعبول». كنت أهرب إليه حتى من بيت أهلي. أرسل أبي أمي ليلةً لتعيدني، فتسلّلت من الشباك وعدت إلى جدّي، واضطرّ أبي أن يخرج في العتمة ليردّني. وبقيت في ذلك البيت بعد رحيل الجدّ مع خالتي سلمى، التي ربّتني وذاقت المرّ كي أحمل إرث مجيد.

ومن أبي تعلّمت أن أكون رجلًا قبل أواني. كان يجلسني مع الرجال ويكلّفني بخدمة الضيوف، وفي الثانية عشرة استأذن الحاضرين في اجتماع رابطة العائلة، في بيتنا، أن أبقى معهم، ولمّا انصرفوا قال لي: «اقترب… سأعلّمك». ودخل مدرستي يومًا بمعطفه العسكري، فسألني رفاقي لماذا يمشي مرفوع الرأس هكذا، فأجلسني إلى جانبه وقال: «الأرزة على قبعتي، والأرزة لازم تضل مرفوعة دايمًا». ورافقتني هذه الجملة أكثر مما رافقتني أي شهادة.

في 4 آذار 1982 وصلت إلى ليبرفيل. كنت في الثامنة عشرة، ولبنان في سنوات حربه، والعائلة مستقرة في الغابون منذ أواخر الخمسينيات. جئت لأعمل في تجارة العائلة، وقلبي معلّق بالتجارة الدولية والترانزيت والمعلوماتية التي كانت يومها في أولها. وهناك بدأت حياتي الثانية، ووجدت عائلة لم يجمعني بها الدم، بل العهد: أمي الغابونية منغي مندامي جوزفين، التي زرعت فيّ حبّ ذلك البلد ومنها اسم «مندامي» الذي أحمله هناك، ومور مبا، الجدّ الذي لم يكن من دمي.

وفي الغابون دخلت سنة 1995 مكتب رئيس الوزراء، ثم عملت سنتين في المكتب الخاص للرئيس عمر بونغو أونديمبا، ثم تسع سنوات في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ثم عُيّنت مستشارًا مكلّفًا بمهامّ لدى رئيس الجمهورية، في قسم العلاقات الأفريقية والدولية. وبعد عشرين عامًا من الخدمة في القصر الجمهوري، نلت وسام الاستحقاق الغابوني برتبة فارس. وانتقلت بعدها إلى الاستشارة والكتابة، ووجد قلمي مكانه في مجلة «استثمارات» الإماراتية و«نبض» و«الأنباء»، وفي «بيروت تايمز» نفسها.

متأهّل من رجاء زين الدين، وأب لعمر أوبام مندامي زين الدين وخالد نغوا مبا مندامي زين الدين، ولأبناء آخرين جمعني بهم العهد لا الدم.

(◆) أين تلقّيت تعليمك؟ وما هو اختصاصك الأكاديمي؟

(🔶) تلقّيت علومي الأولى في مدرسة النهضة العلمية في قبيع، قبل أن أسافر سنة 1982. وفي الغابون اخترت أن أدرس ما كنت أميل إليه: التجارة العالمية، في اختصاص الترانزيت والتخليص الجمركي، بالمراسلة مع المركز الوطني الفرنسي للتعليم عن بُعد (CNED)، بين 1989 و1992. لم تكن قاعة جامعية، بل دروسًا تصل بالبريد، والانضباط فيها على صاحبها وحده. والشهادة حملتها أنا، أما الطريق فقد حمله أبي.

لكنني سأكون صريحًا مع قرّاء «بيروت تايمز»: جامعتي الكبرى كانت الميدان. مارست التجارة الدولية في المرافئ والمستودعات وأوراق الترانزيت قبل أن أقرأ عنها. ثم عرفت الدولة من داخلها، من مكتب رئيس الوزراء إلى القصر الجمهوري، وهناك تعلّمت ما لا تعلّمه الكليات: كيف يُصاغ القرار قبل أن يُعلن، وكيف تُبنى التفاهمات قبل الاجتماع لا فيه، وكيف تقرأ وجوه الناس قبل أوراقهم. ثم جاءت المشاريع، من المنطقة الاقتصادية الخاصة في نكوك إلى ميناء أويندو ومنجم بينيومي، فأضافت علم الأرض: الطريق والجسر والكهرباء والإنسان الذي يعمل تحت الشمس.

فإن سألتني عن اختصاصي اليوم، أقول: الجغرافيا الاقتصادية، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، واقتصادات المعادن الأفريقية، والعلاقات الخليجية الأفريقية. اختصاص لم تمنحني إياه قاعة واحدة، بل أكثر من أربعين عامًا من التطبيق.

(◆) أين تعيش وتعمل الآن، وما هي الأسباب التي تبقيك بعيدًا عن لبنان؟

(🔶) أعيش في دبي. خرجت من المسؤوليات التنفيذية، وأسّست شركة عائلية للتصميم الداخلي والمقاولات، Marble Dream Interior Design and Contracting L.L.C. ودبي اخترتها عن محبة وقناعة: هي النقطة التي يلتقي عندها الخليج وأفريقيا، أي العالمان اللذان تقاسما مسيرتي، ومنها يقصر الطريق إلى ليبرفيل وإلى بيروت معًا.

أما لماذا أبقى بعيدًا عن لبنان، فاسمحي لي أن أصحّح السؤال قليلًا. لم أختر البعد بقرار، بل صنعته السنوات. غادرت في مطلع شبابي، وبنيت حياتي حيث أُتيح لي أن أعمل وأن أُؤتمن، وصارت لأولادي التزاماتهم بين باريس والغابون ودبي. والحياة التي تُبنى على مدى أربعة عقود لا تُطوى في حقيبة.

لكنني لم أغب. أعود كل سنة مع العائلة إلى عين القاضي، لأن على أولادي أن يعرفوا أهلهم وبلدهم وإن حملوا جنسيات أخرى. وعلى الأرض التي ورثتها عن جدّي مجيد، عبر خالتي سلمى، بنيت بيتًا يجمعنا. وإلى جانب النبع، في جدار الحجر، يطلّ رأس فيل أفريقي، وفاءً للغابون ولأفريقيا. وهو عندي يقول شيئًا واحدًا: المسافة بين ليبرفيل وعين القاضي صفر.

والبعد في نظري لا يُقاس بالكيلومترات، بل بما تقدّمه. المغترب ليس حوالة مالية، بل رصيد من المعرفة والعلاقات والأسواق ينتظر دولة تعرف كيف تستدعيه. وحين يجد اللبناني في بلده القواعد التي يجدها في دبي، لا يعود السؤال: لماذا أنت بعيد؟ بل يصبح: متى نبدأ؟

(◆) في ظل التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، ما أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدول النامية اليوم، وكيف يمكن تحويلها إلى فرص للنمو؟

(🔶) أخطر ما تواجهه الدول النامية اليوم ليس الصدمة نفسها، بل قابليتها لاستقبالها. الصدمة تأتي من الخارج، من حرب على ممر بحري، أو قرار جمركي في عاصمة بعيدة، أو قفزة في كلفة الشحن والتأمين. أما الهشاشة أمامها فقد صُنعت في الداخل، على مدى سنوات من الاعتماد على سلعة واحدة وشريك واحد وممر واحد.

وأرى أربع تحديات مترابطة. أولها تفكّك العولمة كما عرفناها، فسلاسل الإمداد يُعاد رسمها على أساس الأمن والثقة لا الكلفة وحدها. وثانيها كلفة رأس المال، فالمال يذهب إلى حيث القواعد مستقرة، والدولة التي تتغيّر قواعدها مع كل حكومة تدفع علاوة ثقة على كل دولار تقترضه أو تجذبه. وثالثها فخّ المادة الخام، فأن تصدّر الخشب جذوعًا والمعدن ترابًا يعني أن تصدّر الوظائف والقيمة المضافة مع الشحنة. ورابعها الديموغرافيا، فملايين الشباب يدخلون سوق العمل كل عام، وهم أكبر ثروة في البلد أو أكبر خطر عليه، والسياسات هي التي تحسم أيّهما.

كيف تتحول هذه التحديات إلى فرص؟ إعادة رسم السلاسل تفتح نوافذ للدول التي تعرض الموثوقية: ميناء يعمل، وقضاء يُحتكم إليه، وكهرباء لا تنقطع. والطلب العالمي على المعادن الحرجة يعطي الدول المنتجة ورقة تفاوض لم تملكها من قبل، بشرط أن تستعملها لتصعد في سلسلة القيمة.

عشت هذا التحول من الداخل في الغابون. بعد منع تصدير جذوع الأخشاب، بدأ سنة 2010 إنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة في نكوك لتصنيع الخشب على أرض البلد. واليوم قرّر الغابون منع تصدير المنغنيز الخام ابتداءً من الأول من كانون الثاني 2029. والقرار أعطى الصناعة مهلة لتبني قدرات التحويل محليًا. وهذا هو الدرس الذي أحمله: الفرصة لا تولد من المنع، بل من الحلقات التي تُبنى قبله، أي الطاقة والمهارة والميناء والشريك الصناعي.

(◆) كيف تنظرون إلى العلاقة بين التخطيط الاستراتيجي والتنمية الاقتصادية؟ وهل يمكن تحقيق تنمية مستدامة من دون رؤية استراتيجية واضحة؟

(🔶) لا أعرف تنمية مستدامة وُلدت من دون رؤية، لكنني أعرف رؤى كثيرة ماتت من دون آلة تنفيذ. لذلك أفرّق بين ثلاثة أمور يخلط بينها كثيرون: الرؤية تحدد الاتجاه، والاستراتيجية تختار، والخطة توزّع الموارد والمواعيد والمسؤوليات. والاختيار أصعبها، لأن الاستراتيجية الحقيقية تقول لك ما لن تفعله، لا ما ستفعله فقط.

والعلاقة بين التخطيط والتنمية تشبه علاقة الهندسة بالبناء. من دون هندسة تبني غرفًا متلاصقة لا بيتًا، ومن دون بناء تبقى الهندسة رسمًا جميلًا على ورق. وأهم ما في التخطيط عندي ثلاثة: التسلسل، أي أن تعرف ما يجب أن يسبق ماذا؛ والاستمرارية، أي أن تعيش الخطة أطول من الحكومة التي وضعتها؛ والقياس، أي مؤشرات واضحة تُراجع علنًا.

والتسلسل أهم مما يُظن. في كل ملف عملت عليه، من جذب الاستثمار إلى تنظيم الاغتراب، كانت القاعدة واحدة: الثقة تسبق المال. لا تذهب إلى المستثمر قبل أن تبني ما يجعله يثق، لأن الانطباع الأول لا يُعاد.

وأقرب مثال أمامي هو الإمارات. في تشرين الأول 2017 أطلقت استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي ضمن رؤية مئوية 2071، وعيّنت أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي في العالم، قبل أن يصبح الموضوع حديث الجميع. هذا هو التخطيط الاستراتيجي في معناه العملي: أن تقرأ الموجة قبل وصولها، وأن تضع لها مسؤولًا وموازنة وأفقًا، لا مقالًا في صحيفة.

(◆) يشهد العالم ثورة رقمية متسارعة، فكيف يمكن للدول والمؤسسات العربية الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتعزيز التنمية الاقتصادية؟

(🔶) الخطأ الأول أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأنه منتج نشتريه. هو ليس جهازًا يُركَّب، بل ثلاثية: بيانات منظمة، ومهارات بشرية، وحوكمة، واضحة. ومن دونها نشتري أدوات لامعة تعمل فوق إدارة قديمة، فنحصل على البطء نفسه بسرعة أكبر.

من أين تبدأ الدول؟ من حيث يلمس المواطن والمستثمر الفرق: الجمارك والموانئ، والسجل العقاري، والضرائب، والتراخيص. كل معاملة تنتقل من الورق إلى النظام تختصر وقتًا، وتقفل بابًا من أبواب الاستنساب، وترفع الثقة. والثقة في الاقتصاد عملة.

ثم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهي عماد اقتصاداتنا. هذه لا تحتاج إلى مختبرات، بل إلى أدوات بسيطة ورخيصة، بلغة من يستعملها، في المحاسبة، والتسويق، وإدارة المخزون، والتصدير. وهنا فرصة عربية حقيقية: نماذج لغوية تفهم العربية ولهجاتها وسياقها القانوني والثقافي، وبيانات تبقى تحت سيادة أصحابها.

وأما التعليم، فلم تعد الشهادة تكفي وحدها. على الخريج أن يتعلّم العمل إلى جانب الأنظمة الذكية، وأن يحتفظ بما لا تملكه الآلة: الحكم والسياق والمسؤولية.

واسمحي لي بتجربة شخصية. أبني اليوم، وقد تجاوزت الستين، منصة عمل رقمية لمكتبي، من هاتفي، بمساعدة الذكاء الاصطناعي، خطوة بعد خطوة. لا أقول هذا تباهيًا، بل لأقول للمسؤول العربي: إن كان رجل في عمري يستطيع، فليس للمؤسسات عذر. لكن الحذر واجب في ثلاثة: الأمن السيبراني، والتبعية لمزوّد واحد، ومصير الوظائف التي ستتغير. التقنية تضاعف ما تجده أمامها، فإن وجدت إدارة رشيدة ضاعفتها، وإن وجدت فوضى ضاعفت الفوضى.

(◆) من خلال خبرتكم، ما أبرز الأخطاء التي تقع فيها الحكومات أو المؤسسات عند إعداد الخطط التنموية طويلة الأمد؟

(🔶) رأيت خططًا كثيرة تولد في حفل وتموت في صمت. والأخطاء تتكرر بأشكال مختلفة، وأهمها ستة.

أولًا، أن تُكتب الخطة لمن سيقرؤها لا لمن سينفّذها. وثيقة أنيقة تُعدّ في أسابيع، وتُعرض في مؤتمر، ثم لا يعرف الموظف في الميدان أنها تعنيه.

ثانيًا، الخلط بين الإعلان والإنجاز. يوم الافتتاح ليس النجاح؛ النجاح هو السنة الخامسة، حين يبقى المصنع يعمل والطريق صالحًا والمستشفى مجهّزًا. كثيرون يموّلون البناء وينسون كلفة التشغيل والصيانة.

ثالثًا، كسر التسلسل. الحوافز الضريبية السخية في بلد لا تصل فيه الكهرباء بانتظام لا تجذب مصنعًا، لأن المستثمر يحسب الكلفة الكاملة لا الإعفاء وحده.

رابعًا، ربط الخطة بشخص لا بمؤسسة. حين يرحل الوزير ترحل الخطة معه، ويبدأ خلفه من الصفر ليكتب خطته هو.

خامسًا، الصمم. الخطة التي لا تسمع المجتمع المحلي والعمال والمستثمرين تتعثر عند أول احتكاك. علّمني الرئيس عمر بونغو أونديمبا درسًا لا أنساه: في خيمة القرية مقعد واحد في عمقها، ومن يجلس عليه يصغي إلى اليمين وإلى اليسار قبل أن يتكلم، لأن المقعد مسؤولية لا امتياز.

سادسًا، غياب آلية التصحيح. الخطة الطويلة الأمد ليست نصًا مقدسًا. العالم يتغير، والخطة التي لا تملك مؤشرات ومراجعة دورية علنية تصبح أسيرة افتراضات قديمة.

(◆) ما الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في تحقيق التنمية الاقتصادية، وكيف يمكن تعزيز الشراكة بينه وبين القطاع العام؟

(🔶) القطاع الخاص ليس مموّلًا احتياطيًا للدولة، ولا الدولة زبونًا دائمًا للقطاع الخاص. لكلٍّ منهما ما لا يملكه الآخر: القطاع الخاص يأتي برأس المال والإدارة والسرعة وانضباط السوق، والدولة تأتي بالأرض والقانون والضمانة والأفق الطويل. والتنمية تحدث حين يلتقي الاثنان على قاعدة واضحة.

عرفت هذا من موقع المنسّق بين الحكومة والمشغّلين في الغابون. ومنطقة نكوك الاقتصادية قامت على شراكة بين الدولة الغابونية ومجموعة ARISE وOlam ومؤسسة التمويل الأفريقية. رأيتها أرضًا قرب ليبرفيل قبل أن تقوم عليها المصانع، وما تعلّمته هناك أن الشراكة تُصنع قبل التوقيع، في الغرف الصغيرة التي تسبق الباب، حيث تُوزَّع المخاطر بصدق، ويُتّفق على من يتحمّل ماذا إن تعثّر المشروع.

متى تفشل الشراكة؟ حين تستعملها الدولة لإخفاء دين عن موازنتها، أو حين يستعملها الشريك الخاص ليخصخص الربح ويؤمّم الخسارة. ومتى تنجح؟ حين تتوافر أربعة شروط: عقود شفافة توزّع كل خطر على من يقدر على إدارته، وجهة ناظمة مستقلة، وآلية لفضّ النزاعات يثق بها الطرفان، وقواعد لا تتغيّر بتغيّر الحكومات.

وفي الأزمات يظهر هذا التكامل في أوضح صوره. خلال جائحة كورونا نسّقت جسرًا للإمداد الطبي الطارئ من الصين إلى الغابون، ومنها إلى بنين وتوغو، وساحل العاج، والكاميرون ولبنان. شبكات القطاع الخاص كانت تعرف الطائرة والمورّد والمستودع، والدولة كانت تملك الأجواء والتصاريح والمطار. ولم يكن أحدهما قادرًا على ذلك وحده.

(◆) في رأيكم، ما هي المقوّمات الأساسية التي تجعل من أي مشروع اقتصادي أو تنموي مشروعًا ناجحًا وقادرًا على الاستمرار؟

(🔶) المشروع الناجح يبدأ بحاجة حقيقية لا برغبة في الافتتاح. ثم يحتاج إلى سبع مقوّمات:

  1. سوق مؤكدة: من سيشتري، ولماذا، وبأي سعر، قبل أي حديث عن المباني.

  2. هيكل تمويل يناسب إيقاع الإيرادات، فالمشروع الذي لا يدرّ دخلًا قبل سبع سنوات لا يُموَّل بقرض يُسدَّد بعد ثلاث.

  3. فريق وحوكمة: من يقرّر، ومن يحاسب، ومن يتحمّل الخطأ.

  4. البيئة المحيطة: الطاقة، والمياه، والطريق والميناء. الميل الأخير يقتل مشاريع أكثر مما يقتلها نقص المال.

  5. جذور محلية: مهارات من أبناء المنطقة، وموردون محليون، ومجتمع يشعر أن المشروع له لا عليه.

  6. استقرار القواعد: ضرائب ورسوم وتراخيص لا تتبدّل كل موسم.

  7. نموذج تشغيل وصيانة يُحسب من اليوم الأول.

وفوق هذا كله شيء لا يظهر في دراسات الجدوى: الحضور في الميدان. حين كُلّفت بمهمة منجم منغنيز بينيومي، قرب فرانسفيل، كان انطباعي الأول أنني أمام مقبرة منسية. على الطريق إليه عبرنا ثلاثة جسور خشبية، وأمضينا مرة سبع ساعات مع ستة عشر رجلًا لننقذ شاحنة عالقة. ونذرت ألا أحلق لحيتي حتى يخرج الحجر الأول من المنجم، وكنت أول من حمله بيده. لا أروي هذا للبطولة، بل لأقول إن المشاريع لا تنجح من المكاتب المكيّفة. تنجح حين يرى العامل أن صاحب القرار يقف معه تحت الشمس.

(◆) يعاني العديد من الشباب اللبناني والعربي من تحديات تتعلق بسوق العمل. ما النصائح التي تقدمونها للشباب الذين يطمحون للنجاح في مجالات الإدارة والتنمية والاستشارات الاستراتيجية؟

(🔶) لن أبدأ بالنصيحة، بل بالإنصاف. التحدي حقيقي، وليس كله على الشباب. يتخرّج الشاب فتطلب منه المؤسسة خبرة لم يُعطَ فرصة اكتسابها، ثم يجد راتبًا لا يكفي ليبدأ حياة. هذا عبء على الاقتصاد والدولة قبل أن يكون على الخريج. لكن من ينتظر أن تُصلَح السوق كلها قبل أن يبدأ، يخسر أثمن ما يملك: سنواته الأولى.

بدأت في الثامنة عشرة في تجارة العائلة، بعيدًا عن بلدي، ثم عدت بعد سنوات إلى الدراسة بالمراسلة. ولم يأتِ أي منصب بعد ذلك إلا من الميدان. لذلك أقول للشباب: اقبلوا العمل الأول ولو كان أصغر من طموحكم، واعتبروه مدرسة لا محطة. المهمة الصغيرة الصعبة تعلّم أكثر من اللقب الكبير.

ومن يريد منكم الإدارة والتنمية والاستشارات تحديدًا، فليعرف أن الاستشارة لا تُشترى بالشهادة بل بالمصداقية، والمصداقية تُبنى في التنفيذ. لا تستطيعون أن تنصحوا مسؤولًا في ما لم تجرّبوه بأيديكم. ابدأوا في العمليات، في المشروع، في الموقع، ثم انتقلوا إلى المكتب.

وخذوا معكم أدوات لا تبطل: لغتين على الأقل إلى جانب العربية، والأرقام لأنها لا تقبل المجاملة، والكتابة الواضحة لأنها دليل على تفكير واضح. واختاروا جغرافيا أو قطاعًا تعرفونه معرفة من عاش فيه، لا معرفة من قرأ عنه. وتعلّموا الإصغاء قبل الكلام، وتعلّموا أن تقولوا «أخطأت»، فهي الكلمة التي تجعل الناس يصدّقونكم حين تقولون «أصبت».

وللشاب اللبناني ميزة لا يملكها كثيرون: شبكة منتشرة في كل القارات. في الاغتراب آلاف المهنيين المستعدّين لأن يفتحوا بابًا أو يقدّموا نصيحة، فاطلبوا المرشد ولا تخجلوا. وفي النهاية لا أقول لكم ابقوا ولا أقول ارحلوا. أريد لكم أن تختاروا، وأن يكون في لبنان ما يجعل البقاء خيارًا لا تضحية.

(◆) كيف تقيّمون واقع الاقتصادات العربية اليوم؟ وما القطاعات التي ترون أنها تمتلك أكبر فرص النمو خلال السنوات المقبلة؟

(🔶) لا أرى اقتصادًا عربيًا واحدًا، بل ثلاث سرعات. اقتصادات تملك الفائض والقرار، وتنتقل من الريع إلى المنصّة: موانئ ومراكز مالية ولوجستية وطاقة واستثمار في الخارج، وتحدّيها أن تحوّل المال إلى إنتاجية ومعرفة محلية، وأن تحمي جاذبيتها في عالم مضطرب. واقتصادات كبيرة بعدد سكانها، غنية بشبابها وأسواقها، لكنها مثقلة بالدين وكلفة الاقتراض وضغط العملة، وتحدّيها أن تخلق الوظائف بالسرعة التي يكبر بها شبابها. واقتصادات خرجت من الحروب أو ما زالت فيها، ولبنان بينها، ومهمتها الأولى إعادة بناء الدولة والثقة قبل الطرق والجسور.

أما القطاعات التي أراهن عليها في السنوات المقبلة فهي:

  1. اللوجستيات والممرات التجارية: الموانئ والمناطق الحرة وإعادة التصدير، وربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.

  2. الطاقة الجديدة وتصنيع المعادن: الشمس والرياح والشبكات، وتحويل المعادن قرب مصادرها بدل تصديرها خامًا.

  3. الأمن الغذائي والمائي: الزراعة الذكية والتحلية وإدارة الندرة، وهو قطاع ينتقل من بند كلفة إلى صناعة.

  4. الاقتصاد الرقمي: مراكز البيانات، والخدمات المالية الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي بالعربية.

  5. الصحة والدواء: التصنيع المحلي للدواء، والخدمات الطبية المتقدمة، والسياحة العلاجية.

  6. المحور الخليجي الأفريقي، وهنا أتكلم من الداخل. أفريقيا تملك الموارد والشباب والأسواق، والخليج يملك رأس المال والموانئ والخبرة اللوجستية. ومن يربط الاثنين بعقود عادلة وشراكات تُصنّع في أفريقيا ولا تكتفي بالاستخراج منها، يكتب جزءًا من اقتصاد هذا القرن.

  7. اقتصاد المعرفة والخدمات، وهو ميدان لبنان الطبيعي: التعليم والطب والهندسة والاستشارات والإعلام، إذا وُجدت الدولة التي تحميه.

  8. هل تعتقدون أن الأزمات الاقتصادية العالمية المتكررة تفرض إعادة النظر في نماذج التنمية التقليدية؟ وما البدائل التي ترونها أكثر فاعلية؟

نعم، وبلا تردد. الأزمات المتكررة لم تعد استثناءً، بل صارت الطقس الدائم للاقتصاد العالمي، والنموذج الذي يُبنى على افتراض الاستقرار ينهار عند أول عاصفة.

والنماذج التقليدية التي أراها مستنفدة ثلاثة: تصدير المادة الخام والعيش على تقلّب أسعارها؛ والنمو بالاستدانة لبناء بنى تحتية لا تولّد دخلًا يسدّ كلفتها؛ والاستهلاك الممول من الخارج، ودائع وتحويلات، من دون قاعدة إنتاجية تحمله. ولبنان دفع ثمن هذا النموذج الأخير غاليًا.

أما البدائل التي أراها أكثر فاعلية فخمسة. أولها الصمود معيارًا للتصميم: تنويع الشركاء والممرات والموردين، وبناء مخزونات استراتيجية، ولو كلّف ذلك أكثر في الأيام العادية، فالكفاءة بلا صمود رهان. وثانيها الصعود في سلسلة القيمة، أي تحويل المورد قرب مصدره، كما يحاول الغابون مع الخشب ثم المنغنيز. وثالثها التكامل الإقليمي، فالأسواق الصغيرة المتفرقة لا تجذب صناعة، والسوق الإقليمية الموحّدة القواعد تجذبها. ورابعها الثقة بوصفها بنية تحتية: القضاء المستقل والقواعد المستقرة والإحصاءات الموثوقة ليست ترفًا مؤسسيًا، بل أرخص طريقة لخفض كلفة المال. وخامسها الاغتراب احتياطًا للدولة: الدول ذات الانتشار الواسع تملك احتياطًا لا يظهر في ميزانية المصرف المركزي، من الكفاءات والشبكات والأسواق، ولبنان من أغنى الدول بهذا الاحتياط وأقلّها استعمالًا له.

(◆) إذا طلبنا منكم رسم ملامح المستقبل الاقتصادي للمنطقة العربية خلال العقد المقبل، فما أبرز التوقعات والفرص التي ينبغي الاستعداد لها من الآن؟

(🔶) أتوقّع عقدًا لا يشبه ما قبله، وأرى ملامحه في سبع اتجاهات.

أولًا، المنطقة ممرّ لا طرف. موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا سيصبح أثمن أصولها، بشرط الأمن. ومن يملك الميناء الموثوق والمطار والمنطقة الحرة والقواعد الواضحة يملك حصة من تجارة العالم.

ثانيًا، تنتقل جغرافيا القرار المالي. مراكز مالية في الخليج لم تعد محطات عبور لرأس المال، بل صارت أماكن تُدار منها الأصول ويُتّخذ فيها القرار. تحوّل بطيء، لكنه عميق.

ثالثًا، تصبح أفريقيا جارة اقتصادية مباشرة للخليج. وأكثر الفرص نموًا في العقد المقبل ستكون على المحور الذي يربط رأس المال الخليجي بالموارد والشباب الأفارقة.

رابعًا، يلتقي الذكاء الاصطناعي بالطاقة. الدول التي تملك الطاقة الرخيصة والأرض والمال ستستضيف مراكز الحوسبة، والوظائف ستتغير جذريًا، والفجوة بين من يستعد ومن ينتظر ستتّسع.

خامسًا، الماء والغذاء. هذا هو الخطر الصامت الأكبر في منطقتنا، وسيصبح في الوقت نفسه من أكبر قطاعاتها الاستثمارية.

سادسًا، اقتصادات ما بعد الحروب. حين تتوقف المدافع، يتّجه رأس المال إلى من أعدّ مؤسساته وخططه وكفاءاته سلفًا، لا إلى من يبدأ الاستعداد يوم السلام.

سابعًا، تبحث المنطقة عن مظلّتها الأمنية الذاتية. والأمن والاستثمار وجهان لعملة واحدة، فلا مال طويل الأمد من دون أفق أمني.

وما الذي يجب أن نستعد له من الآن؟ بيانات موثوقة، ومهارات رقمية وتقنية، وقواعد تنظيمية ثابتة، وبنى تحتية للربط، وتعبئة منظمة للاغتراب. ولبنان تحديدًا يملك فرصة نادرة: إن أعدّ نفسه منذ اليوم، بكفاءاته في الداخل والانتشار، يدخل مرحلة إعادة الإعمار الإقليمية شريكًا لا متفرّجًا.

(◆) بعد سنوات من العمل في مجالات الاستشارات الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية، ما التجربة أو الدرس الذي ترك الأثر الأكبر في مسيرتكم المهنية والإنسانية، وما الرسالة التي تودّون إيصالها للأجيال القادمة؟

إن كان عليّ أن أختار درسًا واحدًا فهو الثقة. في لقائي الأول بالرئيس عمر بونغو أونديمبا قال لي ما معناه إن الثقة كعود الثقاب، تُشعله مرة واحدة، فإن انطفأ لا يشتعل ثانية. حملت هذه الجملة ثلاثة عشر عامًا إلى جانبه، ثم في كل مهمة بعده. ورأيت أن من يثق بك يحمّلك المهام الصعبة، لا لأنك الأقوى، بل لأنك لن تخذله.

والدرس الثاني درس الخيمة الذي رويته: المقعد مسؤولية لا امتياز. والثالث تعلّمته من أرض جدّي: نحن لا نملك ما نرث، نحن أمناء عليه.

وعندما تُكلَّف بمهمة اجتماعية تعود بالفائدة على المواطنين، كحملة «النظر للجميع» التي أجرت أكثر من ثلاثة آلاف عملية ساد ووزّعت ثمانين ألف نظارة طبية، أو جسر المعدات الطبية في أيام الجائحة إلى بلدان أفريقية وإلى لبنان، تفهم أن قيمة ما نعرفه تُقاس بما يتغيّر في حياة غيرنا.

ورسالتي إلى الأجيال القادمة جملة عشت بها: «المستحيل كلمة، والإرادة تحوّله إلى انتصار». لا تجعلوا حياتكم طريقًا تمرّون فيه فقط، بل اجعلوها أثرًا. فما يجف هو الحبر، أما الأثر الصادق فلا يجف.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock