بركات شاهين
الأمم لا تعيش على أمجاد الماضي، ولا تبني مستقبلها بالتغني بتاريخها، مهما كان عريقًا. فالتاريخ مصدر إلهام، لكنه لا يصنع اقتصادًا، ولا يوفر فرصة عمل، ولا يرفع مستوى المعيشة. ما يصنع المستقبل هو الإنسان المنتج، والعمل المتقن، والاقتصاد القادر على المنافسة.
والمواطن هو حجر الزاوية في هذه المعادلة؛ فهو المنتج والمستهلك في آنٍ واحد. فعندما يعمل بإخلاص، ويبدع في مهنته، ويؤمن بقيمة الجودة، فإنه لا يخدم نفسه فحسب، بل يساهم في بناء اقتصاد وطنه. وعندما يثق بالمنتج الوطني لأنه جيد ويستحق الثقة، فإنه يعيد تدوير الدخل داخل بلده، فيزداد الإنتاج، وتتوسع الأسواق، وتُخلق فرص عمل جديدة، فتدور عجلة التنمية بصورة متكاملة.
لقد خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية مدمَّرة، لكنها لم تجعل من مأساتها هوية دائمة، ولم تكتفِ بالاعتزاز بتاريخها الثقافي والفكري، على عظمة غوته وبيتهوفن وباخ وكانط ونيتشه وبسمارك. بل اتجهت إلى بناء اقتصاد قوي يقوم على الصناعة والتكنولوجيا والانضباط والإنتاج، حتى أصبحت أسماء شركاتها العالمية، مثل مرسيدس-بنز، وفولكس فاغن، وBMW، وسيمنس، وبوش، وBASF، وSAP، وأليانز، وDHL، عنوانًا لحضورها في العالم، تمامًا كما كان أدبها وفلسفتها عنوانًا لمكانتها الثقافية.
وهذه هي الرسالة التي يحتاجها السوري اليوم: لا يكفي أن نفخر بتاريخ سورية وحضارتها ومكانتها، فذلك حق مشروع، لكن الأهم أن نصنع حاضرًا يليق بذلك التاريخ. إن مستقبل سورية لن يُبنى بالشعارات، بل بالمصنع والورشة والمزرعة والمخبر والجامعة، وبالعامل الذي يتقن عمله، والمهندس الذي يبتكر، والتاجر الذي يلتزم، والمستهلك الذي يدعم المنتج الوطني عندما يثبت جودته وقدرته على المنافسة.
فالانتماء الحقيقي للوطن لا يكون بالكلام وحده، وإنما بتحويل كل ليرة تُنتج داخل سورية إلى قيمة مضافة، وكل منتج سوري جيد إلى سفير للاقتصاد السوري في الداخل والخارج. وعندما تصبح الجودة ثقافة، والعمل قيمة، والإنتاج مسؤولية وطنية، تتحول الذكريات المجيدة إلى مستقبل أكثر مجدًا، وتصبح الأجيال القادمة هي التي تُضيف صفحات جديدة إلى تاريخ الوطن، بدل أن تكتفي بقراءة صفحاته القديمة.













08/03/2026 - 11:33 AM





Comments