حين يصبح إعلان النصر بديلاً عن تحقيقه: ترامب وحرب إيران

08/03/2026 - 10:39 AM

San Diego

 

 

بقلم شربل عبد الله

ذكرت صحيفة «واشنطن تايمز» مؤخراً أن نواباً جمهوريين ومحللين في السياسة الخارجية، لم تكشف عن أسمائهم، يدفعون نحو إنهاء الحرب مع إيران عبر إعلان الانتصار ووقف القتال. وتكتسب هذه الفكرة زخماً متزايداً في واشنطن، رغم أن الهدف الأساسي المعلن للحرب، أي القضاء على البرنامج النووي الإيراني، لم يتحقق بعد.

لكن ما يغيب عن هذا النقاش هو أن هذه ليست مبادرة جديدة، بل هي المحاولة الخامسة لإعلان النتيجة نفسها بعد أن أخفقت المحاولات السابقة في تحقيق الهدف المعلن. ففي 24 آذار/مارس المنصرم، قال ترامب إن إيران "هُزمت كلياً" وإن الحرب "انتهت بالنصر." إلا أنّ القتال استمر رغم ذلك.

وفي خطاب رئاسي مباشر في الأوّل من نيسان/أبريل، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة "في طريقها لإتمام كل الأهداف العسكرية الأميركية"، كما أعلن أن قيادة الحرس الثوري الإيراني "تتعرض للتفكيك"، وأضاف أن مضيق هرمز سيُعاد فتحه "تلقائياً". وبعد ساعات، أطلقت إيران صواريخ باتجاه إسرائيل. وفي السابع من نيسان/أبريل، وبعد اعلان وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين، صرّح ترامب لوكالة الأنباء الفرنسية أن الولايات المتحدة حققت "نصراً تاماً وكاملاً، مئة بالمئة". غير أن وقف إطلاق النار لم يصمد.

ويوم عيد ميلاده الثمانين، في15 حزيران/يونيو، أعلن ترامب أن "الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبح مكتملاً الآن"، واعداً بإعادة فتح مضيق هرمز وبأن "السلام والأمن" سيعمّان. غير أن الهجمات استؤنفت في غضون أسابيع.

أمّا في السادس من تموز/يوليو المنصرم، وعقب مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، تحوّل خطاب ترامب من إعلان نصر كامل على إيران إلى

التأكيد على عزم كامل على تحقيق النصر: "سننتصر بطريقة أو بأخرى". وبعد ثلاثة أسابيع، نفذت الولايات المتحدة والسعودية ضربات مشتركة داخل العراق، رداً على استهداف إيران المباشر للقوات الأميركية، وقصف الميليشيات التابعة لها في العراق للأراضي السعودية.

أربعة إعلانات. أربعة معايير مختلفة: الهزيمة الكاملة، وإنجاز الأهداف العسكرية، والانتصار عبر وقف إطلاق النار، والتوصل إلى اتفاق "كامل". وفي كل مرة، كانت الأحداث تتجاوز هذه الطروحات في غضون أيام أو أسابيع. والآن، يجري تداول صيغة خامسة، ولكنها مختلفة عمّا سبقها كونها تقرّ مسبقاً بعدم تحقق الهدف الأساسي المنشود، بدلاً من محاولة التستر على ذلك.

إن النمط الكامن وراء هذه الإخفاقات المتكررة هو نمط بنيوي لا عرضي؛ فقد دأبت إدارة ترامب على تغيير معايير التقييم باستمرار، معيدةً تعريف مفهوم "الانتصار" وفق المعيار الذي يبدو، في كل مرحلة، الأكثر ملاءمة لها والأفضل في إظهار أدائها. ففي مراحل مختلفة، صاغ مسؤولو الإدارة أهدافهم تارة بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتارة بإعادة فتح مضيق هرمز، أو بتدمير برامجها الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو بالقضاء على شبكة الميليشيات المسلحة التابعة للنظام الإيراني. بل إن هذه الأهداف نفسها كانت تتبدل أحياناً خلال الأسبوع نفسه.

وفي هذا السياق، قال مسؤول أميركي رفيع المستوى لشبكة "إن بي سي نيوز" (NBC News) إن غياب الوضوح بشأن الهدف الفعلي للحرب صعّب التخطيط لمرحلتها النهائية، واصفًا ما حدث بأنه سلسلة من "الانتصارات التكتيكية" التي قوضها غياب توجيه سياسي واضح.

ويُنتج هذا الغموض نمطًا متكرراً من التقييم الانتقائي؛ إذ يجري التركيز على المؤشرات التي توحي بالنجاح، وتجاهل الأهداف التي لم تتحقق، ثم إعلان "الانتصار" وفق التعريف الذي يخدم الرواية الرسمية في تلك المرحلة. وهذا ما يجعل فكرة "إعلان النصر" المطروحة اليوم مختلفة عن مساعي إحلال السلام الحقيقي؛ فهي لا تمثل استراتيجية لإنهاء الحرب، بل مجرد محاولة لجعل إعلان النصر الخامس هو الإعلان الذي يصمد هذه المرة، لا عبر تحقيق

الهدف الأصلي للحرب، وإنما من خلال خفض سقف التوقعات إلى الحد الذي يصبح فيه الإعلان نفسه هو النصر المنشود. أما البرنامج النووي الإيراني، الذي شكّل المحور الرئيس للحرب، فلا يزال، وفقًا لرواية الإدارة نفسها، من دون حل.

إن إعلان النصر في ظل عدم تحقيق الهدف الجوهري للحرب لا يمثل مخرجًا للأزمة، بل هو ليس سوى محاولة لإعادة صياغة المشهد وتغيير تعريف النجاح. وهي مقاربة جُرِّبت بالفعل أربع مرات من قبل، من دون أن تنجح في إنهاء الحرب أو معالجة القضية التي شُنَّت من أجلها.

لم يعد السؤال عمّا إذا كان ينبغي لترامب أن يعلن النصر هو السؤال الأهم. بل ينبغي على أعضاء الكونغرس أن يطرحوا السؤال الأدق: ما هي الشروط المحددة التي تجعل إعلان النصر الخامس ينجح حيث أخفقت الإعلانات الأربعة السابقة؟ وهل يوجد داخل إدارة ترامب من هو مستعد للإفصاح عن هذه الشروط علناً ورسمياً قبل الإقدام على إعلان جديد؟.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment