الدكتور لويس حبيقة
سعر أي سلعة يجب أن يعكس الحاجة لها وما تمثله من قيمة اقتصادية حقيقية. تقلب مؤخرا سعر أونصة الذهب كما لم يحصل سابقا نتيجة التطورات السياسية والأمنية الخطيرة كما نتيجة التطورات التكنولوجية التي غيرت مقاييس العائد والمخاطر. فهل هنالك اليوم أي علاقة بين تطور سعر الذهب والحاجة له؟ تحركات السعر غير مرتبطة بالحاجة التي لم تتغير منذ زمن بعيد. مبدئيا ما يحرك سعر الأونصة هو الطلب اذ أن العرض محدود. الأوضاع السياسية والأمنية العالمية هي المسبب الرئيسي لتغير الطلب وبالتالي السعر.
في الواقع أدخل الناس منذ ألاف السنين الى منازلهم المعدن الاصفر بأشكاله المختلفة، من سبائك أو مجوهرات أو غيرها من السلع المصنعة كنوع من الادخار خاصة لمواجهة الأيام السوداء. اشترت الدول، بينها لبنان، الذهب وجعلت منه احتياطا نقديا رئيسيا يدعم سعر صرف العملات الوطنية. كل ذلك نتيجة ثقة المواطنين بالذهب وقيمته التي لا تتأثر مبدئيا بالتقلبات الاقتصادية الدورية. يملك لبنان 9,2 مليون أونصة موجودة لدى المصرف المركزي في أماكن مختلفة في العالم.
يمر كل اقتصاد بمراحل متتالية من الازدهار والتباطؤ أو ما يعرف بالدورة الاقتصادية. يمكن لكل مرحلة أن تقصر أو تطول تبعا للأوضاع الداخلية والخارجية للاقتصاد المعني. فالقلق الذي يحدثه انتقال الاقتصاد من مراحل الى أخرى يدفع بالمواطنين كما بالعملاء الاقتصاديين الى اللجوء الى ما يمكن أن يحميهم مبدئيا من مساوئ الازمات. شغل الذهب منذ قرون هذا الموقع أي الملجأ الذي يتوجه اليه كافة فرقاء الانتاج في القطاعين العام والخاص.
يرتفع الطلب على الذهب أيضا من مصادر هندية وشرق أوسطية حيث ما زال للمعدن وهجه البراق والساطع. دراسات حول الذهب نشرها المصرف المركزي الأميركي طرحت على العكس عدم جدوى الاستثمار فيه وشجعت المصارف المركزية على بيع قسم من احتياطها الذهبي. ما العمل؟ الدول الصناعية التي تنعم بمؤسسات قوية وادارات فاعلة واقتصادات مستقرة يمكنها الاشراف على عملية تسييل الذهب والاستفادة منه. أما الدول النامية، فمعظمها لا ينعم بادارات فاعلة وشفافة، لذا عليها ان تكون حذرة قبل تسييل ذهبها مما يعرضه للسرقة.
يعود تقلب سعر أونصة الذهب أيضا الى اسباب متعددة منها ما تقوم به المصارف المركزية من بيع أو شراء تبعا لتوقعاتها بشأن الأسعار. الدول الأغنى ذهبا في العالم هي الولايات المتحدة، المانيا، ايطاليا، فرنسا وروسيا. أما المصارف المركزية العربية، فتمتلك المملكة العربية السعودية أكبر كمية ثم لبنان فالعراق، وقطر والكويت والامارات. أما الخسارة المالية الناتجة عن اقتناء الذهب مقارنة بالعملات الدولية، فتتلخص في خسارة الفوائد وفي السيولة المحدودة للمعدن الاصفر نسبة للنقد.
هنالك أيضا ما يحرك أسعار المعادن بشكل متواز بالرغم من ضرورة التمييز بينها. جميعها مهمة جدا ليس كاحتياطي نقدي، بل كعوامل أساسية في الصناعات المختلفة. فالذهب بالإضافة الى ما يميزه كمعدن في الصناعة والعلوم يحمل أيضا الهوية النقدية. في الدول النامية والناشئة، بينها لبنان، بقاء الذهب ذهبا مهما تغيرت أسعار أونصته يبقى السياسة المحافظة الفضلى نسبة لأوضاعها الاقتصادية والادارية.
يمكن للمصارف المركزية أن تستفيد من الذهب عبر تأجيره الى العملاء في الأسواق المالية وهم يؤجرونه بدورهم الى المنتجين لتغطية خطر استثماراتهم. هذا حل وسط، بين مجموعة حلول، يمكن اعتماده في مراحل انتقالية حرجة شرط تأمين سلامة العمليات. أما في الاستثمار الفردي، من الأفضل تنويع الاصول بين النقد والمعادن والأدوات المالية والعقارات حماية للنفس وليس لتحقيق أرباح يمكن أن لا تحصل.













08/03/2026 - 12:22 PM





Comments