بقلم: ناجي علي أمهز
الفضل أولاً وأخيراً لله القدير، فهو وحده الذي غمرنا بلطفه يوم لم يكن لنا من ملاذٍ سواه.
لقد تقلبتُ في هذه الحياة بين أنماط شتى، وعاشرتُ أكثر الناس ثراءً ونفوذاً وسطوة، ومع ذلك، لم تشخص عيناي يوماً إلى ما في أيديهم، ولا أغراني ملكُهم أو سلطانهم. كنتُ أشعر دوماً أنني "أثرى وأقوى" أهل الأرض؛ لأن ثروتي لم تكن ذهباً يُكنز، ولا سلطة تحميني كان يكفيني ان اشعر بحاجتكم الي فأمتلك قوة السماء لاجلكم. كنتُ غنياً بوجودكم، وبأن لي في هذه الدنيا رسالةً أسمى من جمع الحطام: أن أحميكم وأرعاكم.
إخوتي...
أكتب إليكم هذه الكلمات، لا لتقرأوها أنتم فحسب، بل لتستقر في ذاكرة الشعب اللبناني الذي فيه الآلاف امثالنا، من ضحايا الحروب والصراعات "وامراء الحرب" الذين لا يعرفون من الله ولا حتى اسمه، ولتكون دستورا لأولادكم وأحفادكم؛ فالأمم لا تُبنى فقط بزهو ناطحات السحاب فيها وما يعيشه الاثرياء والاغنياء، بل بما تصونه من ذاكرة آلامها وصبرها.
لقد خضنا حياةً تشبه تلك الليالي التي وصفها "فيكتور هيغو"؛ ليالٍ لم يكن يتهددنا فيها انطفاء شعلة الجوع فحسب، بل كان يكاد ينطفئ معها سراج الرجاء. كنا أطفالاً أيتاماً، بلا عمٍّ يمسح على رؤوسنا، ولا خالٍ يشاطرنا عبء التعب، ولا جدٍّ يغسل بمرواياه وجع أيامنا، ولا جدةٍ تكنز لنا في منديلها قطعة خبز أو كلمة حنان.
كنا بمنأى عن الجميع، في شمال لبنان، في طرابلس التي ساقتنا إليها أقدار الحرب، وكأن القدر أراد أن يمتحن في أجسادنا الغضة مقدار ما يستطيع القلب البشري أن يحتمل. فقدنا أمنا ونحن لا نزال نتلمس حروف كلمة "أمي"، ثم انتزع منا الزمن أبانا؛ ذاك الذي كان يصارع الغربة ليمنحنا الحياة، وحين عاد، عاد مثقلاً بالمرض والأسى، فلم يمهله القدر طويلاً حتى اختطف آخر ظلٍ كنا نستظل به.
يومها، صار "اليتم" هو سقفنا، وأضحى "الصمت" الضيف الدائم على موائدنا الخاوية. وما الذي يمكن أن يُبهج طفلاً يتيماً؟ لم تكن في بيوتنا دمى، ولا هدايا، ولا أعياد تشبه أعياد الصغار. افتقرنا لكل أسباب الفرح المادي، لكننا امتلكنا ما هو أثمن: "امتلكنا بعضنا البعض".
كانت محبتنا هي الخبز الذي نقتات عليه حين يشتد جوع الروح، وكان إيماننا بالله هو المعقل الذي يحمينا حين لم نجد سقفاً من حجر. لم يكن الإيمان عندنا شعاراتٍ تُردد، بل كان "اليد الخفية" التي ترفعنا كلما هوت بنا العواصف، والنور الذي يبدد عتمة الدروب كلما استبد بنا اليأس.
كان الفارق العمري بيني وبينكم كبيراً؛ كنتُ أسبق "برنادات" بعشر سنوات، وأكبر "ويسام" بخمس عشرة سنة. ولعل الله أراد لهذا الفارق أن يسلبني صفة "الأخ الأكبر" ليمنحني مقام "الأب". لم أشعر يوماً أنكم مجرد إخوة، بل كنتم "أمانةً مقدسة" في عنقي.
خضتُ غمار الحروب والحرمان من أجلكم، وصارعتُ الحياة بصمتٍ مطبق. كنتُ أطوف الدروب بحثاً عن مأوى بالإيجار، وكان العثور على بيت يشبه اجتراح المعجزات. كم من بابٍ أُغلق في وجهي بأسئلة جارحة: "من يدفع؟ من يضمن هؤلاء الصبية؟". ولم يكن لي من جواب سوى غصة في الحلق وقلبٍ مرفوع إلى السماء يقول: "الله". وكان الله، في كل مرة، يسبق خطاي إلى تلك الأبواب ليفتحها.
مرت السنوات... وكبرتم أمام عيني كما تكبر الأشجار التي سُقيت بالدموع قبل الماء. وحين تزوجتم وأنشأتم بيوتاً وعائلات، داهمتني "وحدة" لم أعهدها؛ فالبيت الذي كان يضج بصخبكم استحال صمتاً، وشعرتُ أن رسالتي التي وهبتها عمري قد اكتملت. حينها فقط، فكرتُ في الزواج، لا بحثاً عن بداية، بل لأن جزءاً كبيراً من روحي قد رحل مع كل واحد منكم إلى بيته الجديد.
إخوتي...
قد لا تدركون أبداً أن كل نجاح حققتموه كنتُ أعتبره نصراً شخصياً لي، فأنتم في وجداني أولادي قبل أن تكونوا إخوتي. كنتُ أجافي النوم لأقرأ عليكم تعاويذ الحماية، وأتضرع بدموعي خشية أن تلمَّ بأحدكم وعكة ولا أملك ثمن دوائها. لقد شقيتم وتعبتم، لكنكم حفظتم استقامتكم في زمنٍ راهن فيه الكثيرون على ضياعنا.
اليوم، كل طفل يحمل اسمكم هو تعويضٌ إلهي عن كل ليلة خوف وكل دمعة أخفيتها كي لا تلمحوا ضعفي. أرجوكم، ارووا لأبنائكم هذه الحكاية؛ لا لاستدرار الحزن، بل ليعلموا أن "العائلة" ليست مجرد خانة في سجل النفوس، بل هي "معجزة" يصنعها الحب والتضحية.
علموهم أن يتشبثوا ببعضهم؛ فالمال يفنى، والبيوت قد تهدمها الحروب، والأصدقاء تفرقهم المسافات، أما الإخوة -إن صدقت محبتهم- فهم "الوطن" الذي لا يسقط والقلعة التي لا تُهدم.
أنتم دمي... وكل واحد منكم يحمل قطعةً من روحي. إن رأيتم الشيب في رأسي، فهو غبار سنوات الخوف عليكم، وإن رأيتم التعب في ملامحي، فهو أثر دعواتي التي كنت أرجو فيها الله أن يقتطع من عمري ليزيد في أعماركم.
لستُ نادماً؛ بل لو استدار بي الزمان، لاخترتُ الطريق ذاته، والعناء ذاته، لكي أراكم اليوم كما أنتم: رجالاً وامرأةً تفيضون شرفاً وكرامة. هذه هي الثروة الحقيقية التي سأتركها خلفي.
أحبكم حباً لا تدركه الكلمات، وسيظل قلبي في كل نبضة وكل صلاة يقول: "شكراً لله لأنه ائتمنني عليكم، وشكراً لكم لأنكم كنتم أجمل رسالة في حياتي".
وختاماً، إن كنتُ قد قصرتُ يوماً فاعذروني، فوالله قد بذلتُ كل ما أستطيع، ولآخر رمقٍ سأظل سنداً لكم قدر استطاعتي وفوقها.
أحبكم يا أولادي.. أحبكم فوق الحب حباً.
ابوكم ناجي علي امهز













08/03/2026 - 10:29 AM





Comments